/
/
أرجوكم توقفوا عن تشخيص المرض

أرجوكم توقفوا عن تشخيص المرض

حينما يواجه مجتمعٌ ما أزمة مستعصية، تجرى عملية تشخيص، ثم توضع "وصفة" العلاج. في الحالة الأردنية، كما هو حال الغالبية الساحقة من بلاد العرب، لا تعوزنا كثرة التشخيصات، فالكل يكاد يعرف كيف يضع يده على موضع الألم، ويكاد الكل، بلا استثناء، يعرف "البلسم" الشافي لوقف الألم، بل اجتثاثه من جذوره. كل ما هنالك أن هناك اعتقادا، حتى في المستويات العليا من النخب، أنه لا يوجد قرار حقيقي، لا بالتشخيص ولا بالحل.
حلمي الاسمر

حينما يواجه مجتمعٌ ما أزمة مستعصية، تجرى عملية تشخيص، ثم توضع “وصفة” العلاج. في الحالة الأردنية، كما هو حال الغالبية الساحقة من بلاد العرب، لا تعوزنا كثرة التشخيصات، فالكل يكاد يعرف كيف يضع يده على موضع الألم، ويكاد الكل، بلا استثناء، يعرف “البلسم” الشافي لوقف الألم، بل اجتثاثه من جذوره. كل ما هنالك أن هناك اعتقادا، حتى في المستويات العليا من النخب، أنه لا يوجد قرار حقيقي، لا بالتشخيص ولا بالحل.

منذ سنين طويلة، بذلت جهود مضنية لإلهاء القوم بدوّامة الحوار، والبحث عن جذور المشكلة، وشكلت لهذا لجان وهيئات لوضع حلول للحال المايل في البلد، وكل ما صدر عن هذه المؤسسات وُضع على الرفّ، على الرغم من المقالات الكثيرة التي دبجت في مناقشتها وامتداحها.

حتى تدمر بلدا يكفي أن تخرّب إدارتها العامة، ونظام التعليم فيها، والحمد لله “أنجزنا” في بلادنا العربية كلتا المهمتين!

من المعالم الرئيسة في عملية تشخيص المرض، في الأردن مثلا، دراسة على جانبٍ خطير من الأهمية، تظهر حجم الخراب في الإدارة العامة الأردنية، ونتائجها مدهشة حد الفجيعة. أجرى الدراسة العلمية البروفسور أنيس الخصاونة، من جامعة اليرموك في الأردن، نشرت في العام 2011، ولم يكد يتوقف عندها أحد، على الرغم من أنها تضع اليد على موطن الألم. بيّنت الدراسة باختصار أن جدارة الموظف وكفاءته ليستا من الأولويات الخمس التي تؤثر في فرص تعيينه. واستندت الدراسة إلى استطلاع لآراء عيّنة من خمسمائة موظف في عشر وزارات حكومية، أجابوا على استبانةٍ تضمنت عشرة عوامل، وأبعادا افتراضية مؤثرة في فرص الموظفين وإمكاناتهم في التعيين والترقية إلى المواقع القيادية من رتبة أمين عام ومدير عام فما دون في الأجهزة التي يعملون فيها. وقد بينت الدراسة أن العوامل التي تلت الجوانب والاعتبارات الأمنية، الوساطة والمحسوبية، والتزلّف لأصحاب السلطة والقرار، ثم التمثيل والدعم العائلي والعشائري الذي يحظى به الموظف، ثم الإمكانات المادية والاقتصادية للموظف، في حين أن جدارة الموظف وكفاءته لم تكونا ضمن العناصر الخمسة الأبرز المؤثرة في تقدّمه الوظيفي والمهني وتقلده المواقع القيادية في الدولة الأردنية.

يشير الباحث الخصاونة إلى التأثيرات السلبية والإحباط وفقدان الثقة الذي يمكن أن يؤدي إليه شعور الموظفين بأن العوامل الرئيسية المؤثرة في تقدّمهم الوظيفي لا تعود إلى إتقانهم عملهم وإنجازهم مهامهم واستقامتهم ونزاهتهم، بقدر ما يلعب سجلهم الأمني ورضا الدوائر الأمنية وتزكيتها والوساطة والتزلف والعشائرية من دور بارز في تطورهم الوظيفي. وفي ظل مثل هذه المعطيات العلمية، يبقى الحديث عن الشفافية والاستقامة ودعم المنجزين ومكافأتهم واجتثاث الفساد وعزم الحكومة على الضرب يبد من حديد على يد الفاسدين، كله يبقى حديثا نظريا وعلى الورق، ما لم يتلمس الموظفون، والمواطنون عامة، أفعالا وتصرّفات وقرارات تعتمد الإنجاز، وتكافئ المخلصين وتشجعهم، بدلا من إعطاء أولوية للاعتبارات الأمنية والعشائرية عند تعيين الموظفين وترقيتهم للمواقع القيادية في الدولة.

هذه نتائج دراسة علمية، تمنينا أن تتاح الفرصة لتعميمها ونشر نصها كاملا لتوضع بين يدي صاحب القرار، كي نتوقف عن الحديث عن الفساد “الإنطباعي” كما سماه ذات يوم أحد رؤساء الوزارات، حيث تظهر هذه الدراسة أن الفساد ممأسس على نحوٍ يجعله جزءا من جينات الدولة، ويحتاج تفكيكه إلى عملياتٍ جراحيةٍ مؤلمة، لم نزل نحجم عن مجرّد التفكير فيها، ولعل هذا ما يفسر حديث رئيس الوزراء الأسبق، معروف البخيت، عن حاجة الأردن لثلاثين سنة، كي ينجز ملف الإصلاح والديمقراطية والتغيير، فالرجل يتحدّث حديث العارف ببواطن الأمور.

حينما نطالع هذه الدراسة وغيرها مما على شاكلتها، نشعر أننا بحاجة لحرق مراحل، كي نصل إلى ما يريده الخطاب الرسمي للدولة من تحديث وتغيير، مما نقرأه منبثا في ثنايا التصريحات المختلفة هنا وهناك. والحقيقة الغائبة تماما أن هذا الخطاب لم يتحول إلى برامج جاهزة للتطبيق، بل بقي الحديث في إطار الإصلاح “الانطباعي” وإعلان النيات الحسنة، على الرغم مما يقال عن خطط ولجان وورش عمل وخلوات.

هل يعقل أن تتحول الكفاءة والجدارة إلى عنصر هامشي جدا في اختيار الموظف أو رجل الدولة؟ كيف يمكن النهوض بمملكةٍ ذات حكم مدني لا عسكري، لديها برلمان عمره أكبر من أعمارنا جميعا، تحكمه مثل هذه الرؤية الكارثية؟ بالمناسبة، ما ينطبق على الأردن ينطبق على غيرها من بلاد العرب، وربما وفق اعتبارات أكثر شدة، لأن الولاء للأمن أولا ثم الوطن، حيث إننا نعرف أن وظائف قيادية كثيرة، حتى في القطاع الخاص، تخضع لتزكية الأجهزة الأمنية.

أما عن تدمير جهاز التعليم، فحدّث ولا حرج، فيكفي استدعاء ما فعلته الحكومة الأردنية بنقابة المعلمين لنعرف عمق الكارثة، وجاءت جائحة كورونا بحكاية التعليم عن بعد لتجهز على مجمل العملية التعليمية، بعد أن أجهزنا على التعليم عن قرب… لا يحتاج الأردن، ولا غيره، مزيدا من تشخيصات المرض، بل يحتاج قرارا حقيقيا بالبحث عن شفاء أمة مريضة، لا هي ميتة ولا في صحة جيدة، بل مسجاة على سرير متعفن، بين الحياة والموت.

(العربي الجديد)

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on email

رابط مختصر للمادة:

  • Trending
  • Comments
  • Latest