أزمات “النواب” تثير “مخاوف” على مستقبل الحياة السياسية

أزمات “النواب” تثير “مخاوف” على مستقبل الحياة السياسية

أكاديمي: المجلس أخفق في إعطاء صورة مطمئنة للمتابعين ولأبناء الشعب
– خبير برلماني: الشارع يشعر بوجود ضغوط وتدخلات رسمية، أمكن لها التأثير في مواقف النواب من التعديلات
– محلل: رفع الوصاية عن المجلس أصبح من ضرورات تطور الدولة، وإنشاء علاقات متوازنة بين السلطات الثلاث

البوصلة – أثارت أزمات مجلس النواب، قلقا ومخاوف شعبية على مستقبل الحياة السياسية في البلاد، دفعت بها حادثة العراك الأخيرة بين عدد من أعضائه.

“عراك” رفع نسبة التشكيك في القدرة على إقرار مواد دستورية وقوانين مقترحة، من شأنها إحداث تغييرات لافتة تحقق آمال المواطنين.

والثلاثاء الماضي، شهد مجلس النواب الأردني فوضى عارمة وتبادل لشتائم وعراك بين نواب، خلال أول جلسة لمناقشة تعديلات دستورية مقترحة، أدى إلى رفع الجلسة، وتأجيل انعقاد المجلس لمرتين متتاليتين.

وأثار ما شهده المجلس موجة سخرية شعبية عارمة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتصدر حينها وسم “مجلس النواب” قائمة الأكثر تداولا بالمملكة، وسط انتقادات لاذعة لما جرى، فضلا عن انتشار واسع لمقاطع مصورة لحادثة العراك في مختلف وسائل الإعلام المحلية والدولية.

والتعديلات الدستورية التي يناقشها البرلمان هي توصيات من لجنة تشكلت في يونيو/ حزيران الماضي بأمر ملكي بهدف “تحديث المنظومة السياسية”، ويبلغ عددها نحو 30 مادة.

ومن أبرز التعديلات المقترحة، إنشاء مجلس خاص بالأمن القومي، وانتخاب رئيس مجلس النواب لسنة واحدة بدلا عن سنتين، ومنح أعضاء المجلس حق بإعفاء رئيسه في حال عجزه عن القيام بواجباته.

ومن بين التعديلات التي أثارت جدلا، إضافة كلمة “الأردنيات” لمادة في الدستور، اعتبر نواب أن الهدف من ذلك “المساواة المطلقة” بين الرجل والمرأة في كل شيء حتى المواريث، بينما اعتبرت الحكومة أن هدف التعديل “تكريم المرأة الأردنية”.

**إخفاق المجلس في طمأنة الشعب

حسين محادين، أستاذ علم اجتماع السياسة في جامعة مؤتة (حكومية)، قال: “من حيث المبدأ، يجب أن نميز بين السلطة التشريعية ومؤسساتها كركن أساس في الدستور الأردني كمظلة تستقدم كل أربع سنوات فوجا جديدا من النواب المنتخبين، في الغالب، وهذه ليست محط نقاش، ولكن ما جرى ارتبط ذهنيا وسلوكيا باتجاهات الأردنيين نحو أداء من انتخبوا”.

وأضاف للأناضول: “لكن هذا الأداء من قبل أعضاء المجلس عرضة للتبدل من حيث الخلفيات السياسية لهؤلاء النواب وقدرتهم المفترضة على إيلاء بعدي التشريع والرقابة الأولية القصوى”.

واستدرك: “لكن العراك الذي حدث قد جاء بمرتبة متدنية من توقعات الأردنيين، الذين يمتازون بارتفاع نسب التعليم وشغفهم الدائم في المتابعة السياسية والتشريعية، وقدرتهم اللافتة على توظيف الميديا ومتابعة ما يبث من خلالها لأداء مجلس النواب من منظور غير أردني، أي عبر ما يكتب عنه من مقالات وتحليلات سواء مكتوبة أو مبثوثة”.

واعتبر محادين أن “ما جرى في مجلس النواب قد أثار خشية الأردنيين الذين يؤمنون بالحوار والاحتكاك السياسي السلمي من أن يصبح عرفا مقبولا، خصوصا ما جرى من استقبال لأحد النواب المشاركين في هذا العراك من أبناء دائرته الانتخابية”.

ولفت إلى أن “مكمن الخشية هنا هو نشر ثقافة العنف عوضا عن تعميق قيم وسلوكيات الحوار القائم على الحوار بالتي هي أحسن، تحت مظلة الدستور والمصلحة الوطنية، ثقافيا وأمنيا”.

وأوضح أن الأردنيين يخشون من احتمالية تكرار “هذه الاحتكاكات الغريبة على طبائعهم الهادئة”، وتابع: “لقد أخفق المجلس في إعطاء صورة مطمئنة للمتابعين ولأبناء الشعب الأردني عموما”.

** عدم الثقة بمؤسسات الدولة

بدوره، اعتبر الخبير في الشؤون البرلمانية هايل ودعان الدعجة، أن “الأحداث الأخيرة التي شهدها مجلس النواب، كان لها الأثر الأكبر في زيادة المخاوف، في ظل عدم القناعة بالتبريرات التي ساقتها الحكومة دفاعا عن التعديلات التي انطوت على تداعيات سياسية ودينية مثل التجنيس والتوطين والميراث والطلاق وتعدد الزوجات”.

وفي حديثه للأناضول، أشار إلى أن هذه التعديلات “قد تدفع مع الوقت إلى المطالبة بتعديل القوانين الناظمة لها لتتوافق مع التعديلات الدستورية”.

ولفت إلى أن ما ساعد من خوف الشارع وقلقه “شعوره بوجود ضغوطات وتدخلات رسمية، أمكن لها التأثير في مواقف النواب من هذه التعديلات لجهة إقرارها والموافقة عليها، مستغلة حالة الضعف التي تغلف الأداء النيابي”.

ومضى الدعجة قائلا: “خوف الأردنيين وقلقهم من المستقبل مبرر في ظل عدم ثقتهم بمؤسسات الدولة خاصة الحكومات والمجالس النيابية، وما يلاحظونه من انحراف من قبل الحكومات، تحديدا عن معالجة أبرز ما يعانون منه من مشاكل وتحديات، ممثلة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية الصعبة (..) والتي يفترض أن تحظى بالأولوية على الأجندات الوطنية”.

ومما زاد الأمور تعقيدا وتأزيما، على حد قول الدعجة، فهو “دخول بعض النخب السياسية على الخط، وهي تدلي بآرائها وطروحاتها وتشارك الشارع الأردني قلقه وخوفه؛ جراء حالة التخبط والإرباك التي تغلف الأداء الحكومي والرسمي والنيابي في التعاطي مع القضايا الوطنية”.

معطيات يراها الدعجة بأنها “ساهمت في جعل المواطن يعيش تحت انطباع أو اعتقاد بأن الجهات الحكومية والرسمية تخفي عنه شيئا ولا تصارحه بالحقيقة، لدرجة تشكيكه بجديتها بالإصلاح، فأخذ ينتابه شعور بالخوف والقلق على مستقبله وهويته ووطنه”.

** نتيجة حتمية

أما بدر الماضي، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الألمانية الأردنية، فوصف المشهد البرلماني في بلاده، بأنه “نتيجة حتمية لمجموعة من العوامل والأسباب”.

وأوضح للأناضول أن تلك العوامل والأسباب “ليس أقلها نوعية الأفراد المنتخبين، مرورا بقوانين انتخاب تحصر وتحدد نوعية الأعضاء المطلوبين لتمثيل الشارع، وانتهاءً بتغول بعض أجزاء السلطة التنفيذية وسيطرتها على توجهات وسلوك النواب التشريعي، والذي اصبح مصدر استهجان من قبل الشارع الأردني، لا بل عدم مبالاة”.

وأضاف: “مجلس الأمة (البرلمان بشقيه)، وتحديدا مجلس النواب، الجناح التشريعي الآخر بالمملكة، قد فقد بريقه كمؤسسة وسلطة تشريعية يجب أن تحظى بثقة الجماهير”.

واستطرد: “الخطوط المرسومة للسلطة التشريعية، وبخاصة مجلس النواب، لا تساعد في إفراز مجلس تشريعي قادر أن يكون سلطة تُحدث نوعا من التوازن في السلطات الأردنية، لذا فإن رفع الوصاية عن المجلس أصبح من الضرورات الحتمية لتطور الدولة، وإنشاء علاقات متوازنة بين السلطات الثلاثة”.

وعلى الرغم من حساسية المرحلة التي تمر بها المملكة، إلا أن مراقبين يعتقدون أن أزمات مجلس النواب “مفتعلة”؛ وذلك لتسريع تمرير التعديلات ومشاريع القوانين المقترحة، فيما يرى آخرون بأنها من صنيعة قوى “الشد العكسي”، التي لا تريد مرورا للتحديثات السياسية المرتقبة، كي لا تتأثر مصالحها.

وخلال لقائه رئيس مجلس الأعيان (الغرفة الثانية)، فيصل الفايز ورؤساء اللجان بالمجلس، الإثنين، قال الملك عبد الله الثاني: “الأردن ماض في مسيرة التحديث السياسي، دون تردد أو خوف”، لافتا إلى أن “المرحلة المقبلة تتطلب عملا كثيرا وتكاتف الجميع”.

وأشار الملك عبد الله الثاني، خلال اللقاء ذاته، أن “ثمة أطرافا تريد لمسيرة التحديث أن تفشل، لكننا واثقون من النجاح بإرادة الأردنيين”، وفق بيان سابق للديوان الملكي.

وشدد الملك على أهمية العمل الجماعي المبني على تشاركية حقيقية، داعيا إلى “تقبل الآراء وتجاوز الخلافات الشخصية في سبيل خدمة المصلحة الوطنية”.

والانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت في نوفمبر/تشرين ثان 2020، شهدت تراجعا في نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع، والسبب يرجع بحسب مراقبين، إلى تراكمات سابقة مردها أزمة ثقة شعبية بالعملية الانتخابية من جهة، وأداء النواب من جهة أخرى.

واقتصرت أعداد مقاعد الأحزاب في البرلمان الأردني، هذه الدورة على 12 مقعدا فقط و118 مستقلا (من إجمالي 130 هم جميع مقاعد المجلس).

وتوزعت مقاعد الأحزاب على 5 لحزب جبهة العمل الإسلامي، و5 مقاعد لحزب الوسط الإسلامي، فيما حصل حزبا الجبهة الأردنية الموحدة والوفاء على مقعد واحد لكل منهما.‎

الاناضول

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: