جميل أبوبكر
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on telegram
Telegram

رابط مختصر للمادة:

الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية: أمهات القيم السياسية (5)

جميل أبوبكر
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

عرض وإعداد: جميل أبوبكر

وفي المفهوم الإسلامي تشتمل النفس البشرية على نوازع الخير والشر معًا, وكلاهما جزء أصيلٌ من تكوينها “وهديناه النجدين”. فهي كائن مركب لا يصلح اختزاله في بعد واحد, وإذا كان ثمة صراع بين العدل والظلم, بين الإسلام والاستكبار, فهو صراع يوجد في النفس الإنسانية الواحدة. كما نجد في الإسلام ربطا وثيقا بين وظيفتي الإنسان الدنيوية والأخروية, وهما عبادة الله والقيام بالقسط “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”, هذا تعليل الحكمة من الخلق, كما ورد القيام بالقسط تعليلا لإرسال الرسل وإنزال الكتب: “لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط”,

ووردت الغايتان متلازمتين أحيانا “قل امر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد”. فالقيم السياسية الإسلامية تتأسس على أن الخالق هو الذي حدد للإنسان الأول مكانته ووظيفته على الأرض, وزوده بالهداية لشؤون حياته الفردية والجماعية. وفلسفيا فان الأصل الإسلامي يتلخص في مبدأي التكريم والاستخلاف.


فمبدأ التكريم يقضي بان الإنسان يحتل اعلى السلم بين المخلوقات شرفا ونبلا, بحكم صلة العبودية الاختيارية التي تربطه بالخالق “ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”. كما يقتضي مبدأ التكريم ان ما سوى الإنسان من مخلوقات أرضية خادمة له ومُسخّرة “وسخر لكم ما في السماوات والأرض جميعا منه”.


وأما مبدأ الاستخلاف فيضع الإنسان موضع النائب عن الخالق سبحانه في تدبير الشأن الأرضي, بما يرعى صلاح الإنسان نفسه والخليقة المحيطة به. وللاستخلاف مدلول سياسي وهو ان الإنسان سياسي بفطرته, وهذا امر ادركه ابن خلدون فلاحظ ان “الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له”. فالأصل في الإنسان انه قائد لا مقود, وسيد لا مسود ,مما يعني ان إنسانية الإنسان تتنافى مع أي قهر ديني أو سياسي. وهذا يعني ان الحقوق التي ينبغي ان يتمتع بها الإنسان, كحق الحياة وحق الحرية, وحق التملك, وحفظ الكرامة, والتي تعتبر في الغرب حقوقا إنسانية طبيعية , هي في الإسلام حقوق إنسانية ذات مصدر الهي مقدس.


ومن الأسس الفلسفية والنظرية للقيم الإسلامية ما يترتب على مفهوم التوحيد الإسلامي من نبذ الوثنية السياسية, المتمثلة في عبادة المحكومين للحكام, وإضفاء قدسية عليهم, أو طاعتهم طاعة عمياء. وقد شن الإسلام حربا شاملة على الوثنية السياسية حتى في لغتها ومصطلحاتها, فقال النبي صلى الله عليه وسلم”لا قيل ولا ملك إلا الله عز وجل”. كما استبشع صلى عليه وسلم لقب “ملك الملوك”. ويقول الكواكبي” فالتوحيد الإسلامي مناقض لأي وثنية سياسية, لأنه لا يدع مجالا لمشاركة الخالق في عظمته, والمستبدون ينازعونه فيها”.


ولم يتوقف الإسلام عند هدم الوثنية السياسية في النفوس ,بل قلب نظام الحكم القهري الهرمي الذي كان سائدا في الامبراطوريات العتيقة راسا على عقب, وسن نظاما للحكم في شكل هرم مقلوب, يجعل الأمة هي الأصل والمرجع, ويجعل الحاكم أجيرا لديها وخادما لها.


ولعل الحكمة من تكرار قصة موسى عليه السلام في القران اكثر من أي قصة أخرى هو أنها تجسد الصراع مع الهرمية الفرعونية التي كانت تحكم مصر, وهو صراع انتهى بهدم تلك الهرمية. التي تمثل تاله الحاكم واستعباد الرعية ,والانفلات من أي قانون حقيقي, وتوزيع الناس إلى طبقات أو شرائح تستخدم في تحقيق العبودية للحاكم وتأكيد سطوته وتفرده.


ومن خصائص الفلسفة السياسية الإسلامية المؤسسة للقيم السياسية الإسلامية, الجمع بين العدل والفضل. ويقول ابن تيمية “الشرائع ثلاثة: شريعة عدل فقط , وشريعة فضل فقط , وشريعة تجمع العدل والفضل, فتوجب العدل وتندب الفضل, وهذه اكمل الشرائع الثلاثة, وهي شريعة القران”.
ولعل ابن تيمية هنا يستلهم الآية القرآنية “ان الله يأمر بالعدل والإحسان”. وقد ترتب على هذا الجمع بين العدل والإحسان في الإسلام ضرورة الجمع بين الحق والقوة, بين الدين والدولة.


لقد تميز الإسلام بين الرسالات السماوية في مسألتين: أولهما منحه مساحة واسعة من تعاليمه وتشريعه ونموذجه الإنساني لمسالة السلطة بما لا يقارن بالمساحة السياسية في الرسالات السابقة, والثانية نقله المسؤولية السياسية إلى يد الجماعة المؤمنة باعتبار ختم النبوة مانعا من انتظار أي نبي جديد يقود الأمة على طريق الحق والعدل ,كما انتقلت العصمة إلى الأمة بعد ان كانت للنبي, فالأمة لا تجمع على ضلالة.
يتبع…
(البوصلة)

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

Related Posts