الأول منذ الثورة السورية.. ماذا وراء لقاء شكري والمقداد؟

الأول منذ الثورة السورية.. ماذا وراء لقاء شكري والمقداد؟

لقاء شكري والمقداد

أثار اللقاء الوزاري الأول من نوعه منذ 10 سنوات بين وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره السوري فيصل المقداد، تساؤلات حول دلالات وتداعيات التحول المفاجئ في موقف القاهرة من التأييد الضمني للنظام السوري إلى المعلن، في ظل تحولات المنطقة وتشابك قوى دولية وإقليمية مختلفة في الملف المتأزم منذ عام 2011.

لقاء شكري والمقداد جاء على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك -الجمعة الماضي- الذي بحثا خلاله سبل الوصول إلى حل للأزمة السورية، دون مزيد من التفاصيل عن مخرجاته، علما بأن شكري يُعد خامس وزير عربي يلتقي المقداد في نيويورك، بعد نظرائه من موريتانيا والأردن وعُمان والعراق.

وكان موقف مصر الرسمي الداعم للثورة السورية وقطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام الأسد قد تبدل منذ صيف 2013. ففي وقت سابق، قال شكري إن بلاده “تتطلع إلى عودة سوريا إلى محيطها العربي والجامعة العربية”، رغم التباين العربي بشأن رفع التجميد عن عضوية سوريا، حسبما صرّح مؤخرا الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط.

الأول من نوعه

وعن مخرجات اللقاء، اكتفت الخارجية المصرية ببيان مقتضب أوضحت فيه أن الجانبين بحثا سبل إنهاء الأزمة السورية، بينما ذكرت وكالة أنباء النظام السوري (سانا) أن اللقاء عرض تطورات الأزمة، وأهمية تضافر كل الجهود لحلها، واحترام سيادة سوريا ووحدة وسلامة أراضيها.

وفي تصريحات أدلى بها في اليوم التالي، أوضح شكري أن لقاءه مع المقداد “هام بعد هدوء المعارك العسكرية؛ لاستكشاف الخطوات التي تؤدي للحفاظ على مقدرات الشعب السوري والخروج من الأزمة واستعادة سوريا كطرف فاعل في الإطار العربي”.

تحولات واسعة

وقد مرَّت العلاقات المصرية مع النظام والثورة السورية بعدة منعطفات في السنوات العشر الماضية، فمع اندلاع الثورة قطعت القاهرة علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، وناصرت الحراك الثوري المعارض.

لكن منذ صيف 2013 ومع تدخل الجيش لإزاحة الرئيس المنتخب محمد مرسي من السلطة، تبدّل الموقف جذريا تجاه الملف السوري، إذ عادة ما يؤكد الرئيس عبد الفتاح السيسي -الذي كان وزيرا للدفاع قبل أن يقود التدخل لعزل الرئيس المنتخب- دعم بلاده للجيوش الوطنية.

ولم يقتصر التعاطي المصري مع الملف السوري على الدعم الضمني للنظام السوري، إذ إنه امتد إلى عقد لقاءات أمنية واستخباراتية -طبقا لتصريحات سابقة للرئيس السوري بشار الأسد ورئيس مكتب استخباراته علي المملوك- أشارت إلى “تنسيق لم يتوقف مع القاهرة سياسيا وفي إطار مكافحة الإرهاب”.

وجاء لقاء شكري والمقداد في خضم تحولات إقليمية كبيرة في المنطقة العربية والشرق الأوسط، تمثّل فيها سوريا أحد أبرز نقاط تماسها. فمن ناحية يأتي الملف السوري في طليعة المباحثات المصرية التركية لعودة العلاقات بين البلدين، حيث سبق أن اشترطت القاهرة على أنقرة خروجها من سوريا وليبيا من أجل تطبيع العلاقات.

كما تشير تقديرات دبلوماسيين سابقين في مصر، إلى إمكانية حدوث انفراجة في الموقف العربي من سوريا مع التقدم في مفاوضات فيينا لعودة أميركا إلى الاتفاق النووي مع إيران ورفعها العقوبات تدريجيا عنها، والتطورات المحتملة لمحاولات التقارب بين السعودية وإيران.

وعلى جانب آخر، فإن مصر خطت خطوات نحو تمرير الغاز المصري إلى لبنان عبر الأراضي السورية، وسط تقديرات بعدم ممانعة واشنطن لذلك، في ضوء قانون قيصر الذي يمنع التعامل مع النظام السوري أو دعمه تحت أي ظرف كان.

لقاء استكشافي

وعن دلالات وأبعاد لقاء شكري والمقداد، يرى الأكاديمي والباحث المصري في العلوم السياسية محمد الزواوي، أنه “يبدو لقاءً استكشافيا من القاهرة؛ للاستعلام عن آخر تطورات الوضع في سوريا، والترتيبات التي يعد لها حاليا بقيادة روسيا من أجل خوض فترة انتقالية”.

وفي تصريحات للجزيرة نت، قال الزواوي إن هناك شبه إجماع عربي على إعادة سوريا مرة ثانية إلى الجامعة العربية، ولكن تبقى معرفة الترتيبات التي يعدّ لها حاليا من موسكو.

وبحسب الأكاديمي المصري، فإن التقارب المصري السوري أمر طبيعي داخل منظومة التحالفات المصرية ودوائر اهتمام السياسة الخارجية للقاهرة، في حين ربما تتباين أهمية سوريا لبعض الدول العربية الأخرى، باعتبار أنها لم تعد على ما كانت عليه قبل الثورة، فهي بحاجة إلى المساعدة أكثر من كونها دولة مؤثرة في تعزيز التحالفات الإقليمية.

وأضاف أن النظام السوري نظام براغماتي علماني، يتخذ من علاقته مع إيران علاقة مصلحية، ومن ثم فإن تحالفه مع طهران ليس إستراتيجيا، لكن علاقته مع موسكو أكثر عمقا، وبالتالي فإن مخرجات الترتيبات الروسية الحالية هي التي من شأنها أن تحدد طبيعة ونطاق عودة سوريا مرة ثانية إلى الجامعة العربية.

ورقة ضغط!

وحول تداعيات التقارب المصري السوري على المباحثات المصرية التركية، أشار الزواوي إلى أن مصر حاولت من قبل أن تعقد تقاربا مع أكراد سوريا من أجل الضغط على تركيا، واستقبلت مبعوثين منهم في القاهرة، لكنها تراجعت عن هذا النهج لعدم رغبتها في خوض حروب بالوكالة مع تركيا، باعتبار وزن كلا البلدين على المستوى الإقليمي.

وأضاف أن خوض حروب بالوكالة مع تركيا ليس مأمونا للجانبين، واستغلال أوراق ضغط على تركيا في سوريا يمكن أن يؤدي إلى أن تقوم أنقرة بالخطوة ذاتها في ليبيا، وهو ما من شأنه أن يضر بمصالح الدولتين، ومن ثم فإن التقارب في ملفات بعينها وترك الصراع في ملفات أخرى يبدو أنه الحل الأوفق لكل من القاهرة وأنقرة.

وفيما يتعلق بطبيعة التقارب المصري مع النظام السوري وأبعاده على تحركات القاهرة تجاه الأردن والعراق، قال الزواوي إن مصر تحاول إنشاء دائرة جديدة في الإقليم بعد انهيار الدائرة العربية، والتقارب مع العراق والأردن وسوريا من شأنه أن يعزز من مكانة القاهرة اقتصاديا، وأن يرفع من مستوى التعاون من اقتصادي إلى سياسي وإستراتيجي مستقبلا.

وأشار إلى أن سوريا تعد عنصرا مهما في تلك الإستراتيجية، بالنظر إلى الثقل التاريخي لسوريا ومكانتها في الإستراتيجية العسكرية المصرية، كأحد أهم عناصر تطويق إسرائيل ومنعها من التفرد بدولة دون أخرى في الإقليم.

ضوء أخضر

متجاوزا الرأي السابق باعتبار لقاء شكري والمقداد لقاءً استكشافيا، أبدى الأكاديمي والمحلل السياسي حسن نافعة عدم استغرابه من اللقاء الرسمي المعلن، مشيرا إلى أن الاتصالات بين النظام المصري ونظيره السوري لم تنقطع، وهي مستمرة منذ عدة سنوات.

وفي تصريحات للجزيرة نت، قال نافعة إن مصر مهتمة جدا بما يحدث في سوريا، حيث تعتبر أن ما يحدث فيها نتاج عملية تخريب ومؤامرة كبرى شاركت فيها دول عربية وأخرى من خارج الإقليم، وبالتالي فهي ضد فكرة تنحية بشار الأسد.

وفيما يتعلق بعودة سوريا إلى الجامعة العربية، استبعد نافعة أن تتحمس مصر في تبني حملة لإعادة المقعد السوري رغم تأييدها الرسمي لهذه العودة؛ حرصا على علاقاتها مع السعودية وبعض دول الخليج الأخرى التي ترفض الأمر.

وفيما يتعلق بتداعيات التقارب المصري السوري على المصري التركي، استبعد الأكاديمي المصري أن يكون اللقاء خطوة مقصودة لعرقلة مباحثات إعادة تطبيع العلاقات، موضحا أن التقارب التركي المصري يمكن أن يساعد على حلحلة بعض الأزمات في المنطقة، ومنها أزمتا سوريا وليبيا.

وعن تعارض مشروع خط الغاز المصري الواصل إلى لبنان عبر سوريا، مع عقوبات قانون قيصر الأميركي الذي يمنع التعامل مع النظام السوري أو دعمه، شدد نافعة على أن المشروع لن يمر إلا بموافقة الولايات المتحدة التي يبدو أنها أعطت الضوء الأخضر لتدشينه.

وعزا ذلك إلى أن واشنطن تخشى تغلغل إيران في الشأن اللبناني، خاصة بعد نجاح الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله في جلب البواخر الإيرانية المحملة بالمواد النفطية.

وأضاف نافعة أن قانون قيصر الأميركي سيستثني سوريا بشكل أو بآخر، حال تسجيل الصعوبات الفنية التي تعترض توصيل الغاز المصري إلى لبنان مرورا بالأردن وسوريا.

ومن جانبه، اعتبر مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير رخا أحمد حسن الجلسة التي جمعت الوزيرين “بداية طيبة لعودة العلاقات”، مشددا في تصريحات صحفية أن مصر تنتظر التوافق العربي لعودة سوريا إلى الجامعة العربية، وتعمل على إعادة فتح السفارات السورية في كل الدول العربية مرة أخرى.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: