الاستيطان ينخرُ أساسات البلدة القديمة بالقدس

الاستيطان ينخرُ أساسات البلدة القديمة بالقدس

البوصلة – يتدلى علمٌ إسرائيليٌ كبير على مبنى ضخم في حي الواد بـ”البلدة القديمة” من مدينة القدس المحتلة، وغالبًا ما يتواجد أفراد شرطة إسرائيليون على مدخل المبنى.

والمبنى، هو واحد من مبانٍ عديدة، وضعت جماعات استيطانية إسرائيلية، اليد عليها خلال العقود الأخيرة.

ويتكرر المشهد، في عدد من الحارات، بالحيَّين “الإسلامي” و”المسيحي” بالبلدة القديمة، ويمكن ملاحظتها من خلال العلم الإسرائيلي الذي يرفع على أسطحها أو واجهتها.

ويقيم مستوطنون إسرائيليون في عدد من هذه المباني، ولكنها في جزء كبير منها، عبارة عن مدارس دينية، تُشرف عليها جماعات يمينية إسرائيلية متشددة.

الأبرز من بين هذه الجماعات هي “عطيرات كوهانيم”، التي تتخذ من “حي الواد” مقرا رسميا لها، وتكرس نفسها من أجل “وضع اليد” على أكبر عدد ممكن من العقارات.

و”حي الواد” المؤدي إلى المسجد الأقصى، هو واحد من أكثر الأحياء نشاطا بالبلدة القديمة.

وتُقسّم البلدة القديمة إلى 4 أحياء رئيسية، وهي “الإسلامي” و”المسيحي” و”الأرمني”، إضافة إلى ما يطلق عليه “الحي اليهودي” الذي أقيم بعد العام 1967، على أنقاض “حارة الشرف”.

والبلدة القديمة بالقدس، هي المنطقة الواقعة داخل سور بناه السلطان العثماني سليمان القانوني، التي تضم المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.

وتبلغ مساحة البلدة القديمة نحو 900 دونم (الدونم ألف متر)، أي ما نسبته 0.71% من المساحة الكلية للمدينة بشقيها الغربي المحتل عام 1948 والشرقي المحتل عام 1967.

ويرى المحامي اليساري الإسرائيلي، والخبير في شؤون القدس دانيال سيدمان، أن البلدة القديمة هي قلب الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ويقول سيدمان لوكالة الأناضول: “في البلدة القديمة، تلتقي كل المكونات، وفيها تتركز حركة المستوطنين الى حد كبير”.

وأضاف: “يُطلِق المستوطنون على الحي الإسلامي بالبلدة القديمة اسم الحي اليهودي الجديد، كجزء من الطموح لتغيير هويته”.

وتابع: “ولذا، فإن البلدة القديمة، هي مركز طموح حركات المستوطنين في القدس الشرقية، كما هو الحال بالنسبة لمحيطها مثل (حيي) سلوان والشيخ جراح، فعليها يتركز نشاطهم”.

وأشار سيدمان إلى أن الجماعات الاستيطانية تتحرك من “منطلقات عقائدية”.

ووفقا لمعطيات مركز القدس لبحث السياسات، وهو مؤسسة إسرائيلية تستند تقاريرها إلى معطيات رسمية إسرائيلية، فقد كان يقيم بالقدس الشرقية المحتلة نهاية العام 2019، نحو 345 ألف فلسطيني، و227 ألف مستوطن إسرائيلي.

ولكنّ غالبية المستوطنين، يقيمون في مستوطنات، أقيمت على أرض القدس الشرقية بعد عام 1967.

فاستنادا إلى المركز ذاته، فإن 3 آلاف يهودي، يعيشون حاليا بما بات يسمى “حارة اليهود” مقابل 22 ألف فلسطيني بالحي الإسلامي، و4 آلاف فلسطيني بالحي المسيحي و2200 فلسطيني بالحي الأرمني.

وثمة ألف مستوطن إسرائيلي، يستوطنون في منازل داخل الحيَّين الإسلامي والمسيحي.

ويقول سيدمان: “الكثير من هذه المنازل تم أخذها بعد الاحتلال (1967)؛ فخلال الفترة بين 1948 -1967 كانت البلدة القديمة فلسطينية بالكامل، ولم يكن هناك يهود فيها”.

وأضاف: “بعد حرب 1967، أخذت إسرائيل الحي اليهودي، وفقط اليهود يسمح لهم بالعيش في الحي اليهودي، فلا يمكن للفلسطيني المسلم أو المسيحي شراء عقار فيه أو المطالبة باسترداد أملاكه هناك”.

وتابع: “أعطت حكومة إسرائيل سلطات، وأموال لمنظمات المستوطنين لوضع اليد على ممتلكات فلسطينية في الحيَّين الإسلامي والمسيحي، وقد تم ذلك من خلال الدعم الفاعل من قبل حكومة إسرائيل، وبشكل خاص خلال سنوات الثمانينات والتسعينات (من القرن الماضي)”.

وأشار سيدمان إلى أن المستوطنين استولوا على ممتلكات فلسطينية تم الإعلان عنها كـ”أملاك غائبين” على الرغم من أن هناك أناس يعيشون فيها.

ولا تُخفي الجماعات اليمينية الإسرائيلية، رغبتها بالسيطرة على البلدة القديمة، وبخاصة تلك الأحياء القريبة من المسجد الأقصى، ولكنها تجد صعوبة في ذلك.

وتقود جمعية “عطيرات كوهانيم” هذه المهمة منذ سنوات السبعينات، وتتلقى لأجل ذلك دعما ماليا سخيا من أثرياء اليهود حول العالم.

وتجد “عطيرات كوهانيم” الدعم من المؤسسات الحكومية الإسرائيلية، وبخاصة ممن يُسمى بـ”حارس أملاك الغائبين”.

وتقول على موقعها الإلكتروني: “اليوم، هناك أكثر من ألف عائلة يهودية، ومئات الأطفال، ومراكز اللعب، والمعابد اليهودية في المنطقة القريبة من منطقة جبل الهيكل (أي المسجد الأقصى)”.

وأضافت: “هذه جالية يهودية صغيرة ولكنها مزدهرة في البلدة القديمة في القدس والتي كانت ذات يوم مركزًا للحياة اليهودية والنشاط”.

وتقول “عطيرات كوهانيم” إن انتصار إسرائيل على العرب عام 1967 واحتلالها الضفة الغربية بما فيها القدس، “سهّل بناء حي يهودي جميل (في البلدة القديمة) على 13 بالمئة من مساحتها”، وتستدرك: “لكننا ما زلنا أقلية في قدسنا”.

وتكمل المنظمة الاستيطانية: “لقد عدنا إلى الوطن، ولكن هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به، نعود ببطء ولكن بثبات إلى جميع أجزاء قدسنا”، على حد زعمها.

وفي هذا الصدد، يقول المحامي سيدمان، في حديثه لوكالة الأناضول إن المستوطنين، يحاولون التوغل في البلدة القديمة منذ سنوات، لكنه يوضح أنهم لم يحققوا نجاحات في السنوات الأخيرة داخل البلدة القديمة، وإنما في المناطق المحيطة بها.

ويضيف: “نعم إنهم يواصلون المحاولة، وهناك الكثير من الأموال، فالمستوطنون ليسوا بحاجة إلى المزيد من الأموال”.

ويكمل: “هم يذهبون إلى صاحب العقار الفلسطيني ويقولون سندفع لك 5 أو 6 أضعاف ثمن عقارك، وقد نجح ذلك أحيانا قليلة”.

واستدرك، الخبير في شؤون القدس: “يمكنني القول إن أغلبية ساحقة من الفلسطينيين في الحيَّين الإسلامي والمسيحي رفضوا هذه العروض، ولكنها متواصلة”.

وإضافة إلى الدعم المؤسساتي لوضع اليد على المنازل الفلسطينية بالبلدة القديمة، فإن الحكومة الإسرائيلية تقدم الدعم لحماية المستوطنين، من خلال شركات أمن خاصة.

وقال سيدمان: “هناك عشرات ملايين الدولارات في الميزانية الإسرائيلية للحراس من شركات خاصة، الذين لا يكتفون بمراقبة الأملاك التي يتواجد فيها المستوطنين بل ويرافقونهم”.

ويشتكي الفلسطينيون من محاولات عديدة، ينفذها مستوطنون لإجبارهم على ترك منازلهم بالبلدة القديمة.

ومن بين هذه المضايقات، إلقاء النفايات على منازل فلسطينيين أو انتشار أفراد الشرطة عند مداخل المنازل، أو إطلاق أصوات الأغاني في ساعات الليل وغيرها.

وقال سيدمان: “هناك احتكاك دائم، وهناك قوة شرطية تخدم مجتمع سكاني واحد، وليس الآخر، وهذه القوة موجودة بشكل دائم، وهناك مئات من الكاميرات الشرطية، ولا يمكنك أن تدخل البلدة دون أن ترصدك إحدى هذه الكاميرات”.

ويقول فلسطينيون ويساريون إسرائيليون، إن الاستيطان بالبلدة القديمة يهدف إلى تغيير هويتها.

وقال سيدمان: “سترى الآن أيضا دوريات الشرطة الإسرائيلية ومركز للشرطة وحراس أمن”.

وأضاف: “سترى الأديان الإسلامية والمسيحية واليهودية في مكان يتواجد فيه الفلسطينيون تحت الاحتلال الإسرائيلي، والمستوطنات هي إحدى أدوات الاحتلال الإسرائيلي”.

ويختم سيدمان حديثه بالقول: “البلدة القديمة مدينة عربية، بتواجد أمني إسرائيلي مكثف وفيها مستوطنون مزروعون يسعون للسيطرة عليها، وهذا أعتقد أنه يقوّض الهوية التاريخية للبلدة القديمة”.

الاناضول

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: