الحرائق تشوه جمال لبنان الطبيعي وتفاقم أزماته الاقتصادية

الحرائق تشوه جمال لبنان الطبيعي وتفاقم أزماته الاقتصادية

ـ لبنان شهد أواخر يونيو الماضي، اندلاع موجة حرائق كبيرة بمختلف مناطق البلاد
ـ الحرائق طالت غابات عكار (شمال) ومناطق في جنوب البلاد وشرقها
ـ الحرائق استمرت لأيام بعد خروجها عن السيطرة في ظل ضعف الإمكانات لإخمادها

لبس لبنان ثوب الرماد باكرا هذا العام، بسبب الحرائق التي اجتاحت عددا من مناطقه خاصة في شمال البلاد.

في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، شهد لبنان سلسلة حرائق كبيرة، امتدت على كامل أراضيه من الشمال إلى الجنوب، وتمت الاستعانة آنذاك بطوافات من قبرص، للمساعدة في عمليات الإطفاء.

هذا العام، تكرر المشهد نفسه، لكن باكرا، فقد اندلعت أواخر يوليو/ تموز المنصرم، موجة حرائق كبيرة ضربت تحديدا غابات عكار (شمال)، واستمرت لأيام بعد خروجها عن السيطرة، إضافةً إلى حرائق طالت مرج بسري (جنوب)، دير القمر (الشوف)، بكفيا (شرق) وعددا من المناطق.

** الحرائق تتعدى معدلها السنوي

ذكر مدير برنامج “الأراضي والموارد الطبيعية” بمعهد الدراسات البيئية في جامعة “البلمند” (خاصة) جورج متري، أن “نسبة الغابات في لبنان هي 13 بالمئة، أي 1300 كلم مربع من مساحة البلاد الإجمالية (10452 كلم مربعا)”.

وأضاف للأناضول: “أما نسبة الأراضي الحرجية، حيث الأشجار غير المرتفعة والأقل كثافة، فهي 11 بالمئة من مساحة لبنان، أي 1100 كلم مربع”.

ولم يخفِ المتحدث، أن “نسبة الحرائق زادت في السنوات الثلاث الأخيرة بشكل كبير”، مشيرا أن “المعدل السنوي للحرائق هو ألف هكتار”.

وأردف: “عام 2019، احترق 3000 هكتار في لبنان من الغابات والمساحات الخضراء، أي 3 مرات أكثر من المعدل السنوي، وعام 2020 احترق 7000 هكتار، أي 7 مرات أعلى من المعدل السنوي”.

وتابع: “حتى أواخر يوليو 2021، بات مشتعلا أكثر من 1200 هكتار، علما أن المعدل آنذاك كان يصل 300 هكتار، إلا أننا تخطيناه بأشواط حتى اليوم”.

واستطرد: “مثلا، خسرت عكار (شمال) في موسم 2020 ـ 2021 حوالي 14 بالمئة من مساحة غاباتها”.

** الخسائر الناجمة عن الحرائق

كشف رئيس مجلس إدارة مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية (حكومي) ميشال افرام، أن “الخسائر الناتجة عن الحرائق في لبنان ضخمة جدا، وأكبر من التقدير”.

وعدد المتحدث، للأناضول، بعضا من الخسائر البيئية الناتجة عن الحرائق الأخيرة في لبنان، التي وصفها بـ”المدمرة”، منها:

ـ خسارة مساحات كبيرة من الأشجار المعمرة: صنوبر، لزاب، سنديان، أشجار مثمرة، زيتون وغيرها.

ـ نفوق عدد من الحيوانات التي تعيش ضمن الغابات والأحراج: ثعلب، نمس.

ـ خسارة الطيور التي تعيش ضمن الغابات والأحراج (المحلية أو المهاجرة).

ـ تغير المناخ بحيث يصبح أكثر صحراويا.

ـ احتراق التربة وكل مكوناتها البيولوجية كالبكتيريا، بحيث أصبحت ضعيفة وغير متماسكة.

ـ الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بمحاصيل المزارعين ومواشيهم.

فيما لم يصدر عن السلطات اللبنانية أي تقرير حول الخسائر الناجمة عن الحرائق، حتى نشر هذا التقرير.

** هل تجدد الغابات نفسها؟

أوضح متري، أن “الكثير من الغابات المحترقة لا تستطيع الإنبات بشكل طبيعي بعد الحريق (تجديد نفسها)، خاصة أشجار الأرز والشوح واللزاب، أي أن خسارتها تصبح دائمة”.

بالمقابل، أفاد بأن “غابات الصنوبر البري لديها إمكانية الإنبات الطبيعي، ما عدا في حالات معينة (إن كانت النيران شديدة أو بسبب طول فترات الجفاف بعد الحريق أو غيرها)”.​​​​​​​

** حرائق مفتعلة

مع كل حريق تطرح أسئلة كثيرة عن أسبابه، وهنا اعتبر متري، أن “حرائق لبنان دائما ما تكون مفتعلة، عن قصد وعن غير ذلك”.

واستدرك: “لا تتحمل أي إدارة مسؤولية الحرائق ولا أحد يحاسب، رغم وجود وثيقة تحمل اسم الاستراتيجية الوطنية لإدارة حرائق الغابات، أقرها مجلس الوزراء منذ العام 2009، لكنها لم تطبق”.

هذه الوثيقة، حددت مسؤولية كل جهة رسمية في لبنان، ودورها قبل الحرائق وخلالها وبعدها، بحسب المتحدث.

وشدد على أن “عملية مكافحة الحرائق مكلفة جدا، وتفوق قدرات لبنان المالية، أما عملية الوقاية فتكلفتها متدنية”.

من جانبه، أكد افرام، أن “تحذيرات كثيرة حول الحرائق أطلقتها مصلحة الأبحاث الزراعية منذ بداية يونيو (حزيران) الماضي، ولم يتم الأخذ بها كما لم يتم اتخاذ أي إجراءات وقائية”.

واستطرد: “لم يؤخذ بالتحذيرات، لأنه لا أحد يحاسب من يتلكأ عن القيام بدوره”.

ودعا البلديات والوزرات المعنية إلى “القيام بإجراءات عدة للتخفيف من الحرائق، منها تنظيف جوانب الطرقات بشكل دائم، ومراقبة الأماكن المخصصة لإشعال النار في الغابات والأحراج”.

وأردف: “فضلا عن إنشاء طرق خاصة تستطيع من خلالها سيارات الدفاع المدني العبور إلى وسط الغابات، وإنشاء برك للمياه فيها”.

** نقص لوجيستي

ليس خفيا أن التجهيزات والمعدات المخصصة لإطفاء الحرائق في لبنان خجولة، فمثلا يعاني الدفاع المدني من مشاكل لوجيستية كثيرة.

وكشفت مصادر مقربة من الدفاع المدني، للأناضول، أن “هناك نقصا كبيرا في العتاد وعدد المتطوعين”.

وأضافت أن “نحو نصف سيارات الإطفاء معطلة، بظل توقف إجراءات صيانتها بسبب عدم توفر الاعتمادات المالية وارتفاع سعر صرف الليرة أمام الدولار”.

والمشكلة الكبيرة، أن لا وقود مازوت كاف لتتزود به سيارات الإطفاء، وقد تم عقد اتفاق مؤقت مع الجيش اللبناني لتزويد الدفاع المدني بالمازوت، بحسب المصادر.

ولم تخفِ المصادر، أن “هناك هبات قُدمت للدفاع المدني لم تُسلم لهم من قبل الدولة حتى الساعة لأسباب عدة”.

وليس لبنان البلد الشرق أوسطي الوحيد الذي اجتاحته الحرائق في الأسابيع الماضية، إلا أنه يبقى الأصغر حجما بمساحاته الخضراء، والأقل جهوزية لمواجهتها.

وبسبب أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ أواخر 2019، يعاني لبنان من انهيار مالي، أدى إلى صعوبة في توفير النقد الأجنبي المخصص لاستيراد مشتقات الوقود وسلع رئيسة أخرى كالأدوية والمستلزمات الطبية.

الاناضول

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: