الصومال.. انتخابات قبلية تشل حركة التعددية الحزبية

الصومال.. انتخابات قبلية تشل حركة التعددية الحزبية

– الأطراف المعنية لم تتمكن من الاتفاق حول آلية تطبيق نظام الأحزاب في انتخابات 2021 رغم إقرار البرلمان لقانون الأحزاب السياسية منذ 2016
عضو بمفوضية الانتخابات: الولايات الفيدرالية تخشى أن تصب التعددية الحزبية لصالح النظام الحاكم، وبعض القبائل تتخوف من احتمال تهديده لمصالحها
رئيس حزب “هلدور”: الأحزاب قد لا تحقق أهدافها حاليا لوجود 4 تحديات هي التأثير القبلي وغياب المعايير الحزبية والوضع الأمني وإدارة إقليم “صوملايلاند”
محلل سياسي: حماس كبير في الصومال لنظام الأحزاب ومع الوقت سيكون بديلا للنظام القبلي المهين ما يؤدي لتجاوز قاعدة 4.5 وعودة الكلمة الفصل للشعب

منذ عام 2018، يأمل الصوماليون بالعودة إلى خوض تجربة نظام التعددية الحزبية، في محاولة لطي صفحة المحاصصة القبلية في تقاسم المناصب السيادية منذ عقود.

لكن حتى الآن لم يُكتب النجاح لهذه التجربة، بسبب النموذج الفيدرالي الذي تراهن عليه القوى السياسية خوفا من أن تسفر تلك التجربة عن تغيير في المعادلة السياسية في بلد يتعافى من تداعيات حرب أهلية اندلعت مع انهيار الحكومة المركزية في 1991.

وتبنى الصومال نظام التعددية الحزبية في ستينيات القرن الماضي لأول مرة، ورغم أن التجربة لم تعمر سوى تسع سنوات؛ بسبب انقلاب عسكري عام 1969، إلا أن كثيرين يعتبرونها “الفترة الذهبية” للبلاد، حيث كان للشعب حرية اختيار من يحكمه.

وبموجب نظام الانتخابات غير المباشرة المعمول به حاليا، وفي ظل عدم تطبيق التعددية الحزبية انتخابيا، يختار شيوخ القبائل نواب البرلمان، على أن يختار النواب الجدد رئيسيا جديدا للبلاد، في 10 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.

** انتخابات 2021

واستُبعدت الأحزاب السياسية من المشاركة في الانتخابات المقبلة في 2021، رغم أن البرلمان أقر قانون الأحزاب السياسية، في أبريل/نيسان 2016، بسبب غياب التوافق بين القوى السياسية، بما فيها رؤساء الولايات الفيدرالية، حول تبني نظام التعدد الحزبية في الانتخابات الحالية.

والإثنين، انطلقت في ولاية “جنوب غرب الصومال” انتخابات جزئية غير مباشرة لمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، بينما أتمتها “جوبالاند” (جنوب)، الخميس، ومن المنتظر أن تجرى الولايات الثلاثة المتبقية، وهي “هيرشبيلى” و”غلمدغ” و”بونتلاند”، انتخاباتها في الأيام المقبلة، بحسب لجنة الانتخابات الفيدرالية من دون تحديد تواريخ.

ويتكون المجلس من 54 عضوا، ويمثل الولايات الفيدرالية، حيث ينتخب أعضاؤه من قبل برلمانات الولايات الخمسة.

بينما يمثل مجلس الشعب الغرفة الأولى للبرلمان، ويبلغ عدد أعضائه 275، وينتخبه حوالي 30 ألف ناخب، وفق نظام قبلي يحوز توافقا سياسيا لا يرتبط بعدد السكان.

وتأجلت الانتخابات البرلمانية والرئاسية أكثر من مرة؛ بسبب خلافات سياسية بين الحكومة المركزية من جهة والولايات والمعارضة من جهة ثانية حول كيفية إدارة مجرياتها، قبل التوصل إلى اتفاق لإنهاء الأزمة في مايو/أيار الماضي.

** تحول سياسي

ووفق محللين، فإن مصادقة البرلمان على قانون الأحزاب السياسية كانت بمثابة تحول قد يمهد الطريق لإنهاء حقبة المحاصصة القبلية، أي قاعدة 4.5.

وتم استحداث هذه القاعدة في مؤتمر المصالحة الصومالية بجيبوتي عام 2000 كمعيار لتقاسم السلطة، وهي تعطي لأربع قبائل صومالية رئيسية حصة كاملة في حين تتقاسم القبائل الباقية مجتمعة نصف حصة.

وقال حسين عبدي، عضو مفوضية الانتخابات، للأناضول، إن نظام التعددية الحزبية، الذي أقره البرلمان، كان يستهدف إعادة الصومال إلى مسار الأحزاب السياسية، بعد نحو 50 عاما، ومن أجل تجاوز قاعدة 4.5، التي تتقاسم على أساسها المناصب طيلة السنوات الماضية.

وأضاف أن “تشكيل الأحزاب السياسية أظهر حاجة البلاد الماسة لتجاوز المحاصصة القبلية، التي تهمش بعض شرائح المجتمع، حيث بادرت معظم القوى السياسية إلى تشكيل أحزاب سياسية استعدادا لخوض الانتخابات المقبلة، بالرغم من ضعف تأثيرها في العملية السياسية”.

ورأى أن “عملية انتقال البلاد إلى نظام التعددية الحزبية تحتاج إلى توافق بين القوى السياسية، لكن الأطراف المعنية لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق شامل حول آلية تطبيق نظام الأحزاب في الانتخابات الحالية”.

وأرجع ذلك إلى “سببين، أحدهما سياسي والآخر اجتماعي، والسياسي هو اعتقاد معظم رؤساء الولايات الفيدرالية أن تبني نظام الأحزاب السياسية هو أمر سابق لأوانه نظرا للواقع الذي تمر به البلاد، وأنه قد يصب لصالح النظام (المركزي) الحاكم”.

أما السبب الاجتماعي، وفق عبدي، فهو “هاجس يثير مخاوف بعض القبائل حول نظام التعددية الحزبية، حيث تراه واجهة لفئة معينة تهدد مصالحها وليس أحزابا ذات توجهات سياسية ورؤى وطنية”.

وفي 2018، وافق رؤساء الولايات الفيدرالية والحكومة المركزية على تطبيق نموذج الاقتراع الحزبي في انتخابات 2021، لكن رؤساء الولايات تراجعوا عنه بذريعة ضيق الوقت وعدم إمكانية إجراء انتخابات حزبية في ظل غياب أرضية مناسبة.

** تحديات جمة

وقال رئيس حزب “هلدور”، عبد القادر محمد، إن “الأحزاب السياسية في الصومال تخطو أولى خطوتها حتى تصبح أحزابا رسمية قد تساهم في رسم خريطة سياسية ديمقراطية، على غرار دول العالم بدلا من نظام المحاصصة القبلية، لكنها تواجه تحديات جمة قد تجعل من الصعب تحقيق أهدافها في الوقت الحالي”.

وأضاف محمد للأناضول أن “الانتقال نحو نظام التعددية الحزبية فكرة واردة لا خلاف عليها في البلاد، لكن علامة الاستفهام تظل تدور في مخيلة كثيرين: هل حانت لحظتها أم أنها تجربة سياسية لم يحن أوانها بعد؟، وهو ما يحول دون مشاركة الأحزاب السياسية في الانتخابات الحالية”.

وتابع: “تطبيق نظام الأحزاب السياسية يتطلب إجراءات مدروسة وأرضية مناسبة وهو ما لم يتوفر حتى الآن”.

ورأى أن “الأحزاب السياسية الموجودة حاليا لا تعدو كونها في المرحلة الأولية وتمهد الطريق إلى مرحلة أخرى قد يكون لديها أثر بالغ في العملية السياسية”.

وحول التحديات أمام الأحزاب في الصومال، تحدث محمد عن “أربعة محاور، منها التأثير القبلي السائد لدى شرائح المجتمع، حيث ترى القبيلة أنها صمام أمان لتحقيق مصالح أفرادها، وهو ما يجعل من الصعب على المرء الخروج بسهولة من حاضنة قبيلته وانضمامه إلى أحزاب سياسية”.

وأوضح أن “المحور الثاني هو غياب المعايير الحزبية لدى الأحزاب السياسية التي تشكلت في البلاد نتيجة قلة الوعي السياسي لدى المجتمع بسبب تفشي الأمية بنحو 80 بالمئة، وثالثا هو التحدي الأمني، فما تزال بعض المناطق تخضع لسيطرة حركة الشباب الصومالية (متمردة تتبع تنظيم القاعدة)”.

أما المحور الرابع، وفق محمد، فهو “التحدي الجيوسياسي، فإدارة صوماليلاند (إقليم أرض الصومال) ترى نفسها مستقلة عن باقي الصومال، وتمثل تحديا كبيرا أمام نشر نظام التعددية الحزبية في البلاد”.

** مستقبل الأحزاب

وبحسب أحمد عينب، وهو محلل سياسي، فإن “المجتمع الصومالي بمختلف شرائحه مستعد لخوض تجربة نظام الأحزاب السياسية”.

وعزا “عينب” ذلك في حديث مع الأناضول، إلى أن “التطورات السريعة في البلاد سياسيا واقتصاديا وأمنيا لا تتناغم مع استمرار المحاصصة القبلية، وهو يعتبر بالنسبة للصوماليين جزء من الديمقراطية، لأنه كان السبيل الوحيد لإعادة نظام الدولة بعد انهيار الحكومة المركزية عام 1991”.

وأردف أن “تجربة الأحزاب السياسية قد تبدو جديدة نوعا ما في الصومال، وقد تتطلب مزيدا من الوقت لتطبيقها، لكن اللافت للانتباه هو وجود حماسة كبيرة داخل المجتمع لنظام الأحزاب السياسية”.

وحول تشكل أحزاب كثيرة في البلاد، رجح “عينب” أن “معظم تلك الأحزاب ستتلاشى مع الوقت، فالكثير منهما تحمل الأفكار والأجندة نفسها وقد تتحد مع مرور الزمن، وربما تنحصر الأحزاب في المستقبل القريب في 4 أحزاب رئيسية ذات أيدولوجيات مختلفة”.

ورأى أن “التوجه الجديد الذي يندفع نحوه المشهد السياسي، وهو الأحزاب السياسية، سيكون بديلا مناسبا للنظام القبلي الذي يهيمن على مجريات السياسية الصومالية، ومع الوقت سيرتفع الوعي السياسي لدى المجتمع حول نظام الأحزاب، ما يؤدي إلى تجاوز قاعدة 4.5، وعودة الكلمة الفاصلة للشعب ليختار من يدير البلاد”.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *