الصين ليست مشكلة أميركا الأولى ولكن شركات التكنولوجيا الكبرى هي المعضلة

الصين ليست مشكلة أميركا الأولى ولكن شركات التكنولوجيا الكبرى هي المعضلة

في أحدث وأشمل جهد لإصلاح قوانين مكافحة الاحتكار منذ قرن من الزمان في أميركا، قدمت مجموعة من أعضاء مجلس النواب الأميركي من الحزبين في وقت سابق من هذا الشهر، حزمة مكونة من خمسة قوانين مقترحة ستجعل من الصعب على شركات التكنولوجيا الكبرى إكمال عمليات الدمج والاستحواذ، وتمنعها من امتلاك الشركات المنافسة.

وتأتي هذه الإجراءات في أعقاب تحقيق مطول أجرته اللجنة الفرعية القضائية التابعة لمجلس النواب بشأن مكافحة الاحتكار في أربع شركات تكنولوجية عملاقة هي أمازون (Amazon) وآبل (Apple) وفيسبوك (Facebook) وغوغل (Google)، والتي اكتملت العام الماضي، ووجدت مخالفات واسعة تمارسها هذه الشركات وتنتهك فيها قوانين مكافحة الاحتكار.

هذه الإجراءات أثارت ضجة واسعة في أميركا والعالم، وجوبهت باعتراضات شديدة من قبل الشركات الأربع، واعتبرها مراقبون بمثابة بداية الطريق في مشوار تفكيك هذه الشركات لإنهاء هيمنتها على الأسواق الأميركية والعالمية.

وتزامن هذا الإجراء مع تعيين أستاذة القانون “لينا خان” رئيسة  للجنة التجارة الفدرالية الأميركية الأسبوع الماضي، وهي المعروفة بتشددها في تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار، وقد أثار هذا التعيين في هذا المنصب الحساس اعتراضات كبيرة، ومخاوف من قبل شركات التكنولوجيا العملاقة التي بدأت بشن حملة مضادة هدفها نشر الخوف والتشكيك في جدوى إقرار مثل هذه القوانين الجديدة، أو التشدد في تطبيقها، مدعية أن مثل هذه الإجراءات ستساعد في استيلاء الصين على الأسواق الدولية، وتسيُّدها على مستقبل التكنولوجيا المتقدمة في العالم.

الكاتبة والصحفية شيرا أوفيد، المتخصصة في شؤون التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي في صحيفة نيويورك تايمز، تناولت كل هذه المخاوف والشكوك، وحملات التخويف التي تقودها شركات التكنولوجيا ضد سن قوانين جديدة لمكافحة الاحتكار في مقالة مطولة نشرتها الصحيفة مؤخرا، ننقلها لكم كاملة لأهميتها.

خداع واسع النطاق

تقول الكاتبة في مقالتها، إننا نحتاج إلى إجراء نقاش واسع حول ما قد يكسبه الأميركيون أو يخسرونه إذا نجح المسؤولون الحكوميون في فرض تغييرات على طريقة عمل شركات التكنولوجيا الكبرى والخدمات التي تقدمها للجمهور.

والشيء الوحيد الذي يقف في وجه هذا النقاش الضروري هو أسلوب التخويف الذي تتبعه هذه الشركات وحلفاؤها، وادعاءاتهم التي لا أساس لها بأن إضعاف شركاتهم العملاقة والمهيمنة سيؤدي إلى زيادة القوة الصينية، ويقود إلى كسب بكين للحرب الاقتصادية الدائرة بينها وبين الولايات المتحدة.

هذه طريقة مخادعة فكريا، وتهدف إلى الإلهاء وإبعاد الناس عن طرح الأسئلة الحقيقية التي يجب أن تطرح، لأنهم بكل بساطة يرفضون أي تغيير قد يطرأ على طريقة عملهم، ويحد من حجم أرباحهم.

حملة واسعة من التشكيك والتخويف

وتوضح الكاتبة أن الخطوات الجديدة التي تم البدء بها، سواء كانت قوانين مكافحة الاحتكار الجديدة التي اقترحها النواب في الكونغرس، أو دعوة لينا خان إلى التنفيذ الصارم لقوانين محاربة الاحتكار لوقف ما أسمته استغلال شركات التكنولوجيا الكبرى للمستهلكين، قد تؤدي إلى كشف الغطاء عن ممارسات هذه الشركات، وتحد من نفوذها الطاغي وقد لا تفعل، نحن في مرحلة ضبابية تجعل من الصعب التنبؤ بما قد يفعله الكونغرس وبقية الولايات والمحاكم والمسؤولون الحكوميون لتغيير قواعد اللعبة، ولا نعرف أيضا ما إذا كانت هذه الإجراءات ستفيد أكثر مما تضر.

لكن هذه الشركات القوية واللوبي الذي يدعمها بدؤوا في شن حملة واسعة من التشكيك والتخويف من خلال الإيحاء بأن الإجراءات والقوانين التي ستحد من قوتهم وسيطرتهم ستؤدي أيضا إلى خلق الظروف المناسبة كي تسيطر الصين على العالم. يقولون ذلك وينشرونه الآن بشكل واسع في وسائل الإعلام التابعة لهم، ولكنهم لا يقولون كيف سيحدث ذلك، كيف ستسيطر الصين على العالم إذا تم وضع حدود لتغولهم هم على هذا العالم؟!

وتضرب أوفيد مثالا على ذلك بما قاله مسؤول في “نيت شويس” (NetChoice) وهي مجموعة تمثل كلا من غوغل وفيسبوك وأمازون لصحيفة “واشنطن بوست” (Washington Post) في معرض تعليقه على مجموعة القوانين المقترحة لتنظيم عمل شركات التكنولوجيا الكبرى، “في الوقت الذي يتطلع في الكونغرس إلى فرض مجموعة قوانين لمحاربة الاحتكار وتعزيز الأمن السيبراني يجب على المشرعين الأميركيين عدم تمرير أي قانون من شأنه أن يمهد الأرض لسيطرة شركات منافسة ودول أخرى، ويفتح البيانات الأميركية أمام جهات غير جديرة بالثقة”.

وتقدم الكاتبة مثالا آخر يسير في الاتجاه نفسه هو ما قالته “مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار” وهي مجموعة لرسم السياسات والإستراتيجيات تمولها شركات التكنولوجيا الكبرى حول تعيين لينا خان رئيسة للجنة التجارة الفدرالية الأميركية “في الوقت الذي تزداد فيه المنافسة العالمية شراسة، فإن الشعبوية المناهضة للاحتكار ستسبب ضررا كبيرا ودائما على الشركات الأميركية، وسيعود بالفائدة فقط على المنافسين الأجانب الذين لا يستحقون الثقة”.

حجج واهية لا تصمد أمام المنطق لثانيتين

وتوضح الكاتبة أن الشعب الأميركي يرغب فعلا في وجود شركات أميركية قوية قادرة على المنافسة في الاقتصاد العالمي، ولكن هذا الشعب نفسه لا يرغب بكل تأكيد في جعل حفنة من ملوك التكنولوجيا الذين يعملون بطريقة غير عادلة، سادة مهيمنين على اقتصادنا وحياتنا ومستقبل أطفالنا.

وتؤكد أوفيد أن الحجج الأمنية التي يسوقونها لا تصمد أمام اختبار المنطق لثانيتين فقط. وتضيف “هل منعت هذه الحجج الأمنية شركة أمازون من بيع علامتها التجارية الخاصة بالبطاريات؟ وكيف يمكن للقوانين الجديدة المقترحة والتي تمنع هذه الشركات من فعل ما يحلو لها بمعلوماتنا وبياناتنا الشخصية أن تضعف أميركا؟ إنهم يبيعون بياناتنا، وكل المعلومات الخاصة جدا بنا كل يوم لمن يدفع أكثر. وكيف يمكن أيضا لتشريعات محاربة الجريمة الإلكترونية أن تضعف الشعب الأميركي؟ إنها جميعا حجج واهية لا تصمد أمام المنطق والتفكير العقلي السليم”.

وتتابع “حسنا، نستطيع أن نفهم المخاوف المشروعة تماما بشأن قيام الصين بتشكيل مستقبل التكنولوجيا العالمية بطرق قد تتعارض مع مصالح أميركا وقيمها. ومن الصواب القلق بشأن قيام بكين بسرقة أسرار أميركا التقنية والعلمية، لكن كل هذا لا علاقة له أبدا بمنع فيسبوك من شراء شركة مثل إنستغرام في المستقبل، أو منعها من الاستحواذ بقوة المال على تطبيق واتساب، أو منع غوغل من شراء يوتيوب، أو أن لا تكون آبل قادرة على بيع خدمات اللياقة والموسيقى في أجهزة آيفون التابعة لها”.

كل هذا -حسب الكاتبة- لا علاقة له بمنع الشركات الصغيرة الناشئة من المنافسة باستخدام سياسة العصى والجزرة، أو لعب ألعاب قذرة خفية ليس أقلها تقديم الأموال الطائلة لكبار التقنيين العاملين في هذه الشركات الناشئة لخطف المواهب منها. أو تقديم الأموال الطائلة أيضا لشراء هذه المؤسسات وهي في مهدها ثم إغلاقها بعد الاستيلاء على أفضل منتجاتها.

وتقول الكاتبة إن الحد من قدرة شركات التكنولوجيا العملاقة على إثراء نفسها، ومراكمة الأموال على حساب الشعب الأميركي لن يضعف قدرة البلاد على كبح الانتهاكات الصينية، أو دعم الشركات الأميركية.

وتضيف، “لنتذكر أن وراء المحاولات الفوضوية التي يقوم بها لوبي التكنولوجيا في واشنطن وخارجها لإعادة تصور كيفية عمل هذه الشركات، وتحديد دورها المستقبلي وهيمنتها الطاغية، لنتذكر أن هناك أيضا أسئلة دقيقة حول دور التكنولوجيا في حياتنا”.

أسئلة صعبة تحتاج لإجابة

وتختم الكاتبة مقالتها بطرح أسئلة في غاية الأهمية، فهل سيكون لدينا سيطرة أكبر على معلوماتنا الشخصية، وخدمات تسوق أفضل، واقتصاد أكثر عدلا إذا نجحنا في الحد من سيطرة شركات التكنولوجيا، وقلصنا من جشعها واحتكارها للأسواق؟

ثم كيف نحدد ما نعتقد أنه سلبيات يجب أن نتخلص منها في عمل هذه الشركات دون أن ندمرها أو على الأقل دون تدمير ما هو مفيد لنا حقا في حياتنا اليومية؟

وتشير أوفيد إلى أن هذا هو نوع الأسئلة التي يجب أن يتعامل معها المشرعون وصانعو السياسة في الولايات المتحدة، وهي أسئلة صعبة، و”يجب أن يشارك الجميع في الإجابة عنها، بما في ذلك شركات التكنولوجيا، وهذا هو السبب الذي يجب أن تتوقف فيه هذه الشركات عن إلحاق الضرر بنفسها وبالشعب الأميركي من خلال محاولتها تشتيت انتباهنا بالحديث عن نقاط متوهمة من مثل أن الصين ستسيطر على أسرارنا وبياناتنا ومستقبلنا”! – الجزيرة

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *