/
/
العراق بعد 18 عاماً من الاحتلال

العراق بعد 18 عاماً من الاحتلال

كان عام 2003 فاجعةً كبرى في التاريخ العربي والإسلامي، لا أحسب أنّ في تاريخ أمتنا العربية عاماً يدانيه تجزئة وانحلالاً وخراباً ودماراً وذلاً وهواناً وفرقة وانكساراً. لقد أطلّ ذلك العام الأغبر ليشهد ملوكاً يتدافعون بحثاً عن راشٍ أو وهّاب، ورؤساء يبحثون عن هبات وعطايا وسداد ديون، وأمراء لا حول لهم ولا قوة، وآخرين يفعلون ما يؤمرون من دون ضجيج. في ذلك العام التعيس، انقضّت الولايات المتحدة وبريطانيا، تعاونهما أكثر من ثلاثين دولة، لاحتلال العراق الشقيق، وليس بهدف إسقاط النظام الحاكم فيه، وإقامة نظام ديمقراطي، وإنّما لسحق الدولة العراقية، كي لا تقوم لها بعد قائمة.
محمد المسفر1

كان عام 2003 فاجعةً كبرى في التاريخ العربي والإسلامي، لا أحسب أنّ في تاريخ أمتنا العربية عاماً يدانيه تجزئة وانحلالاً وخراباً ودماراً وذلاً وهواناً وفرقة وانكساراً. لقد أطلّ ذلك العام الأغبر ليشهد ملوكاً يتدافعون بحثاً عن راشٍ أو وهّاب، ورؤساء يبحثون عن هبات وعطايا وسداد ديون، وأمراء لا حول لهم ولا قوة، وآخرين يفعلون ما يؤمرون من دون ضجيج. في ذلك العام التعيس، انقضّت الولايات المتحدة وبريطانيا، تعاونهما أكثر من ثلاثين دولة، لاحتلال العراق الشقيق، وليس بهدف إسقاط النظام الحاكم فيه، وإقامة نظام ديمقراطي، وإنّما لسحق الدولة العراقية، كي لا تقوم لها بعد قائمة.

(2)

كان في مقدّمة المحرّضين لإلحاق الدمار بالعراق وأهله الميامين حفنةٌ من الحاقدين الذين ادّعوا نسبهم إلى العراق الشقيق، وهم ليسوا من أهله حسباً ونسباً، قدّموا التقارير الكاذبة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وأنّه قتل شعبه ودمّر كيان هذا الشعب. قالوا في العراق ونظام حكمة في ذلك الزمان ما لا يقال، وراحوا يجوبون عواصم الدنيا يحرّضون على العراق العربي الأبيّ وشعبه العظيم. حقّقوا مناهم، ليس بأيديهم، وإنّما بأيدي دول عظمى، وسلاحها وجبروتها، بقيادة الولايات المتحدة. في مثل هذا الشهر من ذلك العام (2003) تم احتلال العراق، وعينت قوة الاحتلال الأميركية السفير بول بريمر، ليحكم أقدم دول الحضارات الإنسانية، العراق. أمر هذا الحاكم الدخيل بحلّ أجهزة الدولة، بكلّ مكوناتها، بعد إحراق أو نهب مكتبات بغداد ومتاحف العراق؛ الذاكرة التاريخة لحضارة بلاد ما بين النهرين. وعيّن عصابة من الكذّابين الوشاة الحاقدين على العراق وأهله، ما عرف في ذلك الزمان باسم “مجلس الحكم”، وعين إبراهيم الجعفري أول رئيس لهذا المجلس تحت الاحتلال الأميركي – البريطاني عام 2003. وكان الرجل قبل ذلك يقيم في طهران ولندن. ثم كان أول من تولى رئاسة الحكومة أيضاً في ظل الاحتلال بصفته منتخباً من المكون الشيعي.

ثم في عهد نوري المالكي رئيساً للوزراء، ارتكبت أكبر الجرائم في حق الشعب العراقي، خصوصاً من أهل السنّة، وولد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وهو يتباهى بأنّه الذي أمر بإعدام الرئيس العراقي صدام حسين الذي كان أسيراً لدى قوات الاحتلال الأميركي. وماذا عن إياد علاوي، أول رئيس لمجلس الوزراء معين تحت سلطة الاحتلال، وما فعله في الفلوجة شاهد عيان.

(3)

كان إياد علاوي من أشد الناس عداء للحكم الوطني في العراق، ومن الداعين إلى إسقاطه. اسمعوا ما يقول اليوم: “العملية السياسية في العراق سببت الفساد والمشكلات. أنا شخصياً خجلان من الاشتراك بالانتخابات، ومن المساهمة باختيار القوائم الانتخابية. ولا أقبل أن أرشّح نفسي، ولا أصدقائي أريدهم أن يفعلوا، وتسأل إلى أين وصلنا؟”. يقول القاضي وائل عبد اللطيف، وهو أحد أعضاء لجنة كتابة الدستور العراقي في ظلّ الاحتلال، وكان عضواً في مجلس الحكم الانتقالي، بقيادة السفير الأميركي بريمر: “المستوى العام في بلدنا يتراجع في التعليم والتربية والصحة والأمن. والفقر يتزايد، والأمية ترتفع معدلاتها. والبلد أصابته آفة المخدّرات التي تأتي من دول الجوار. والقوى السياسية هيمنت على كلّ مفاصل ومؤسسات الدولة، بما فيها المصارف، وباتت لديها فصائل مسلحة انتزعت لها صفة رسمية، والسرقات طائلة، وتراجع في البنية التحتية وأمراض السرطان تفتك بالناس” (العربي الجديد، 9/4/2021). وتأكيداً لقول القاضي عبد اللطيف، بلغ عدد الأميين في العراق عام 2015 سبعة ملايين ونصف المليون، تراوح أعمارهم بين 15 عاماً و55، علماً أنّ العراق كان في ثمانينيات القرن الماضي في عهد الحكم الوطني العروبي يمتلك منظومة تعليمية تتفوق على دول محيطه، بشهادة “اليونيسكو”، التي أفادت بأنّ العراق يعاني حالياً من تصاعد نسبة الأمية لتتجاوز 47% للأعمار بين 6 و55 عاماً. ويذكر المتحدث باسم وزارة الصحة لمحطة “تي. آر. تي” الفضائية أنّ معدل الإصابة بمرض السرطان في العراق بلغ 2500 إصابة سنوياً، وقد ارتفع المعدل بنسبة 200% عام 2020.

يقول النائب فارس برفكاني: “منذ 18 عاماً، لا نرى تقدّماً، بل كلّ ما نراه هو تدهور يوما بعد يوم. العراقيون اليوم يعانون الأمرّين، والمواطن يدرك أنّ خيرات بلاده تذهب إلى غيره، وأنه ليس الهدف الأسمى للقوى السياسية التي تدير البلاد، بل لجهات غيره، ويؤكد أنّ الثمن كان غالياً بمئات آلاف الضحايا والجرحى والمفقودين والمختطفين وملايين الأيتام والأرامل والدمار على طول الخريطة العراقية” (العربي الجديد، 9/4/2021). ويقول عزت الشابندر، الذي كان من أبرز المحرّضين على إسقاط النظام الوطني في العراق، على شاشة قناة “العراقية” الرسمية: “جئنا على أعتاب تغيير نفذته قوة غاشمة، لها أهدافها، ولم تسقط نظام صدام حسين لأجل عيون العراقيين على الإطلاق. وأنا قلت وأكرر القول: لو كنت بهذا الوعي الذي أمتلكه الآن حول أميركا ونواياها، لوقفت ضد الغزو الأميركي وليبقى صدام حسين. ما خلفة الغزو أبلغ جرحاً وضرراً ودماراً من بقاء صدام. ونحن في العراق بلا دولة”.

(4)

في “عراق دولة المليشيات” اليوم، 250 حزباً سياسياً، فيما الولايات المتحدة، بعظمتها، فيها ثلاثة أحزاب، اثنان منها يتناوبان على السلطة بطريقة ديمقراطية، وإن شابها خلل في السنوات الأخيرة، إلّا أنّها قادرة على إعادة صياغة مجتمعها السياسي. وفي بريطانيا ثلاثة أحزاب سياسية كبرى. وفي العراق اليوم 83 مليشيا مسلحة، هي التهديد الحقيقي لأمن العراق وسلامته واستقلاله وسيادته. يقول عضو الحزب الشيوعي العراقي علي السوداني إنّ أكثر من نصف هذه المليشيات تدين بالولاء لإيران، وتتسلم رواتب من الدولة العراقية، وتعمل ضد العراق وضد مصالح الشعب، إنّها الخطر الأكبر على البلاد.

ومن عجب أنّ الموازنة التي أقرت قبل أيام تقدّر بـ88 مليار دولار، فيما نصف العراق يعيش في ضعف شديد في الكهرباء والطبّ والتعليم والأمن، وغير ذلك من المرافق العامة. لقد انشغل زعماء المليشيات في إقرار الموازنة بإقرار حصصهم، مثل مليشيات الحشد الشعبي الذي لم يوافق ممثلوه في البرلمان على الموازنة إلّا بعدما خصص له بند يغطي نفقات أكثر من 30 ألف وظيفة اسمية. وهكذا بقية زعماء المليشيات الحزبية.

في عهد النظام الوطني، وبعد حرب دامت ثماني سنوات، وحصار ظالم شارك فيه أيضاً الجوار العربي، فإنّ الحصص التموينية لم تنقطع عن كلّ شعب العراق، وكانت الكهرباء على الرغم من الدمار الذي حلّ بالعراق الذي كان في حال أفضل مما هو فيه اليوم بعد 18 عاماً من حكم الطوائف.

آخر القول: ردّدوا معي قول الحق: “وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون” (الشعراء، آية 227). صدق الله العظيم.

(العربي الجديد)

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on email

رابط مختصر للمادة:

  • Trending
  • Comments
  • Latest