القصة الكاملة لأزمة أرمينيا.. صواريخ إسكندر الروسية تفجر المعارضة في وجه باشينيان

يبدو أن القرار الذي اتخذه رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بالتوقيع على اتفاق وقف الحرب في إقليم ناغورني قره باغ لم يكن “مؤلما” فقط على حد تعبيره، بل كان الشرارة التي لا تزال تشتعل وتستعر نيرانها، وقد تشكل النهاية التي تضع حدا لمسار حكومته.

كان الاتفاق في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي قضى بإعادة مناطق شاسعة من الإقليم إلى الجارة اللدودة أذربيجان، حينها تحول البطل إلى “خائن” ومسؤول أول وبشكل مباشر عن الهزيمة، رغم أن القرار حظي بدعم الجيش.

وبعد الاتفاق “الهزيمة” صمتت قيادة الجيش، ودعمت رئيس الوزراء، وكأنها كانت تعض على جرحها، بعد هزيمة عسكرية مذلة في مواجهة عدو البلاد التاريخي، أذربيجان.

في المقابل، نظمت المعارضة احتجاجات ومظاهرات طالبت باستقالة رئيس الوزراء، بعد ما وصفتها “بإدارة كارثية” للصراع الدامي في إقليم ناغورني قره باغ، الذي استمر 6 أسابيع مع أذربيجان، وأسفر عن مقتل نحو 6 آلاف بين مدني وعسكري من كلا الطرفين.

صورايخ إسكندر تفجر الأزمة

جاء يوم 24 فبراير/شباط الماضي، حين أعلن باشينيان أن صواريخ إسكندر الروسية كانت السبب في الهزيمة أمام أذربيجان، إذ لم ينفجر منها سوى 10% خلال الحرب؛ وفتح رئيس الوزراء النار على نفسه، سواء من قيادة الجيش أو المعارضة، أو حتى من الحليف الروسي.

فقد أثارت هذه التصريحات سخرية وضحكا على الملأ من قبل تيغران خاتشاتريان نائب رئيس الأركان العامة لأرمينيا، الذي أعلن أن هذه الصواريخ لم تستخدم أصلا في الحرب الأخيرة.

بعد ذلك، طلب باشينيان من الرئيس الأرميني أرمين سركيسيان إقالة خاتشاتريان، ردا على تلك السخرية، وهو ما أثار غضب قيادة الأركان المتربصة، التي طالبت على الفور رئيس الوزراء بالاستقالة، واعتبرت أنه “لم يعد قادرا على اتخاذ القرارات الضرورية”، كما جددت تحميله مسؤولية الهزيمة في الحرب أمام أذربيجان.

وقالت هيئة الأركان في بيان “طريقة إدارة الحكومة الحالية غير الفعالة والأخطاء الجسيمة على صعيد السياسة الخارجية جعلت البلاد على حافة الانهيار”.

محاولة انقلاب

رد باشينيان على الجيش بقرار إقالة رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة أونيك غاسباريان على خلفية ما وصفها بمحاولة انقلاب عسكري تجري في البلاد، ودعا أنصاره للنزول إلى الشارع ردا على هذه المحاولة.

وفي خطابه أمام حشود مناصريه، أكد رئيس الوزراء -الذي ظهر بعد ذلك مع زوجته وابنه وابنته خارج المبنى الرئيسي للحكومة- أن “المشكلة الأهم الآن هي إبقاء السلطة في يد الشعب، لأنني أعتبر ما يحدث انقلابا عسكريا”.

لكنه شدد على أن “من المهم تجنب المواجهات رغم التوتر المتصاعد”، وقال إن “خطر الانقلاب يمكن إدارته، فليس لدينا أعداء داخل أرمينيا، لدينا فقط أخوة وأخوات”.

تطورات متلاحقة

وجددت المعارضة حشد أنصارها، وخرج آلاف المحتجين إلى شوارع العاصمة يريفان على مدار الأيام الماضية للمطالبة باستقالة رئيس الوزراء، وأكدوا رفضهم أسلوب إدارته الحرب مع أذربيجان، التي يعتبرها كثيرون “إهانة وطنية”.

ودعا باشينيان المعارضة للكف عن الاحتجاج، وبدء محادثات للبحث عن حل للأزمة السياسية، وقال إن البلاد ستتجاوز الأزمة بالاحتكام للدستور.

كما كان للرئيس أرمين سركيسيان -الذي يعد منصبه رمزيا إلى حد كبير- دور في مساندة المعارضة والجيش، إذ أعلن رفضه حتى الآن توقيع أمر رئيس الوزراء بإقالة رئيس هيئة الأركان العامة للجيش، وقالت الرئاسة في بيان إن الأزمة “لا يمكن حلها من خلال التغييرات المتكررة للمسؤولين”.

بعد فترة وجيزة من البيان الرئاسي، كتب باشينيان على فيسبوك أنه سيرسل الأمر إلى الرئاسة مرة أخرى، قائلا إن قرارها لم ينزع فتيل الأزمة “على الإطلاق”.

واليوم، طالب مجلس الأمن القومي الرئيس الأرميني بالتصديق على قرار رئيس الحكومة بإقالة رئيس هيئة الأركان، في وقت يتواصل فيه الغليان في الشوارع مع احتشاد أنصار الحكومة ومعارضيها.

من جهته، عرض زعيم إقليم قره باغ أرايك هاروتيونيان الوساطة بين باشينيان وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وقال “أرقنا بالفعل ما يكفي من الدماء، وحان الوقت لتجاوز الأزمات والمضي قدما”، وحث جميع الأطراف على عدم التصعيد.

الموقف الروسي والدولي

لم تتخذ موسكو خطوات تصعيدية على الأرض، واعتبرت أن تصريحات باشينيان عن منظومة صواريخها كانت مبنية على معلومات مضللة نُقلت له، وذكّرت وزارة الدفاع الروسية بأن صواريخ إسكندر استخدمت بنجاح في سوريا وأثبتت فعاليتها.

واكتفت القيادة الروسية بالتعبير عن قلقها إزاء ما يحدث في الجمهورية السوفياتية السابقة، التي توجد بها قاعدة عسكرية روسية، وحثت الطرفين على حل الأزمة سلميا، وفي إطار الدستور.

من جهتها، دعت الولايات المتحدة الخميس إلى “ضبط النفس”، وحثت القوات المسلحة الأرمينية على “عدم التدخل” في الشؤون السياسية للبلاد، كما دعا الاتحاد الأوروبي الجيش الأرميني إلى البقاء على الحياد في المسائل السياسية.

مستقبل الأزمة

ويرى مراقبون أن الأزمة السياسية في أرمينيا ستستمر في وقت يزداد فيه المشهد تعقيدا؛ إذ إن الشعب الأرميني يدرك أنه في حال استقال باشينيان، فإن السلطة ستعود إلى أولئك الذين اندلعت الثورة الملونة ضدهم، والذين لم يفلحوا على مدار عقدين من الزمان في حل أزمة إقليم قره باغ.

وقد يكون إشعال شرارة حرب جديدة مع الجارة المنتصرة أذربيجان مخرجا حيث يعلو حينها صوت الرصاص على كل صوت.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *