الوجه الآخر لزوكربيرغ.. الاستبداد الخفي لمالك فيسبوك وواتساب وموجّه أفكارنا

البوصلة – قبل نحو عام ونصف، تحديداً في مايو/أيار 2019، نشر كريس هيوز، الزميل السابق لمارك زوكربيرغ وشريكه السابق أيضاً في مشروع فيسبوك، مقالاً مطولاً في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بعنوان “حان الوقت لإنهاء علاقتنا بفيسبوك”.

كريس هيوز يعمل حالياً رئيساً مشاركاً لمشروع الأمن الاقتصادي ومستشاراً أول في معهد روزفلت للدراسات الأمريكية، تحدث في المقال بحرارة عن تجربته الطويلة مع مارك زوكربيرغ، بدءاً من غرفتهما المشتركة بالسكن الطلابي في جامعة هارفرد، والحلم الكبير الذي جمعهما بإنشاء موقع تواصل اجتماعي، وصولاً إلى تحول ذلك الحلم إلى موقع عالمي يجذب المليارات حول العالم ويتربع على عرش النظام الرأسمالي داخل أمريكا وخارجها، ويعجز الجميع عن الابتعاد عنه ولو لأيام قليلة.

المقال كان بمثابة صرخة من كريس استنجد فيها بالحكومة الأمريكية للحدّ من هيمنة مارك المتزايدة واحتكاره، ليس فقط للسوق الرقمي في العالم، بل أيضاً لعقول الناس وحياتهم، ومحاصرتهم من خلال ثلاث منصّات لم يعد بوسع أحد تقريباً العيش من دونها، فيسبوك وإنستغرام وواتساب، على الرغم من “إنسانية مارك على المستوى الشخصي” فإن “إنسانيته تحديداً هي ما تجعل سلطته المطلقة إشكالية للغاية” على حد وصف كريس.

ترجع أهمية العودة إلى هذا المقال، للجدل الكبير المصاحب لقرار “واتساب” الأخير فرض شروط استخدام جديدة تجبر مستخدميه على قبول انتهاك خصوصياتهم أو توقُّف الخدمة عنهم نهائياً، فيما اعتبره كثيرين “ديكتاتورية رقمية”، وانقسم الجدل المثار حول القرار بين من يطالب باستبدال تطبيقات أخرى بواتساب للحدّ من تغوُّله، ومن يهوّن من الخطوة بدعوى أننا “مخترقون في كل الأحوال وهذا ثمن التمتُّع بثورة الاتصالات”.

أجبر “واتساب” مستخدميه على قبول شروط الاستخدام الجديدة أو وقف الخدمة عنهم نهائياً اعتباراً من 8 فبراير/شباط 2020 (TRT عربي)

كيف يدير مارك فيسبوك وأفكارنا؟

اعتذر كريس عن تأخره في كشف الكثير من كواليس إدارة فيسبوك، الموقع الذي قدّم نفسه للجميع وبدأ كمشروع بوصفه واجهة الحرية ومقاومة السلطة المنظمة، ليتحول بمرور الوقت إلى أداة مسلطّة على رقاب الجميع بلا استثناء، وليكتسب مؤسِّسه سلطة تتجاوز الكونغرس نفسه.

أوضح كريس أن ما دفعه إلى الكتابة انطلاقاً من شعور عارم بالغضب والمسؤولية كان الانحدار الأخلاقي المتسارع للموقع ومديره، المتمثل فيما وصفه بـ”انتهاكات الخصوصية القذرة التي سرّبت عشرات الملايين من بيانات المستخدمين في حضن شركة استشارات سياسية” واستغلالها في تحقيق فوز ترمب بالانتخابات عام 2016 فيما عُرف بفضيحة “كامبريدج أناليتيكا”، والتلاعب بخطاب الكراهية على الرغم من ادعّاء العكس، والترويج للأخبار المزيفة، والأهم من ذلك كله “الدافع الشره للسيطرة على وقتنا واهتمامنا، والهيمنة على الأفكار التي تشغل بالنا” على حد وصفه.

حذّر كريس من “النفوذ الخرافي” الذي يتمتع به مارك تحديداً، الذي “يتجاوز في تأثيره أي شخص آخر في القطاع الخاص أو الحكومي” على السواء، لافتاً إلى أنه لا يتحكم فقط في 3 منصات رئيسية يستخدمها مليارات الأشخاص يومياً “فيسبوك وواتساب وإنستغرام”، بل يتحكم أيضاً في إدارتها وحده وهو ما دفع كريس إلى ترك مشروع فيسبوك في وقت مبكر عام 2007 وبعد أقل من 5 سنوات فقط على المساهمة الأساسية به.

تمكّن مارك خلال سنوات قليلة من “تهميش مجلس إدارة فيسبوك وتقليص عمله إلى ما يشبه اللجنة الاستشارية” على حد وصف كريس، ليستأثر مارك وحده بالقرارات الهامة إذ “يتحكم في نحو 60% من نسبة التصويت على القرارات الداخلية، ويتمكن وحده من تحديد كيفية عمل الخوارزميات المتحكمة في استعراض ما يظهر أمامك من منشورات، ويقرر إعدادت الخصوصية التي يمكن استخدامها، وحتى الرسائل التي تتلقّاها من دون غيرها”.

اعتبر كريس مارك ومشروعه “تهديداً حقيقياً للديمقراطية”.

مارك وكريس أثناء العمل على إطلاق مشروع “فيسبوك” أثناء دراستهما بجامعة هارفرد  (NYTimes – Rick Friedman)

احتكار السوق

حذّر كريس في مقاله من احتكار فيسبوك المتزايد للسوق الرقمي العالمي وترك هامش قليل جداً من الخيارات أمام المستخدمين، عن طريق الإطاحة بأي منافس أو مبتكر صغير من خلال ضمّه تحت جناحه ثم إلغائه تماماً لاحقاً كما حدث مع “واتساب” و “إنستغرام”، أو عن طريق نسخ التقنية الجديدة وإضافتها لفيسبوك كما حدث بعد إضافة خاصية “الستوريز” التي أدّت إلى إنهاء تطبيق “سنابشات”.

لا تضرّ تلك الهيمنة فقط بأي شركة ناشئة تحاول الابتكار وتصطدم بوحش “فيسبوك” كما يوضح كريس، بل أيضاً تحصر جميع المستخدمين في عدد قليل جداً من الخيارات، التي تحسم طريقة تفاعلهم مع الآخرين واطلاّعهم على الأحداث الخارجية وبالتالي تتحكم في طريقة تفكيرهم وتعيد صياغتها داخل قوالب يملك خيوطها شخص واحد.

يلوم كريس لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية بشدة، على السماح لمارك بالاستحواذ على تطبيقي “واتساب” و”إنستغرام”، ليطيح بمؤسسيهم لاحقاً بسبب “خلافات إدارية”، ويُحكم حصاره على “مختلف أشكال التواصل الإنساني الحديث” وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز.

أين نذهب؟

في مقاله يرى كريس أنه لا طريقة لكسر هذه الدائرة المحكمة من دون تدخل حكومي جاد وحاسم للحدّ من نفوذ مارك وشركاته على الجماهير.

يوضّح كريس استغلال مارك لتفوُّقه التكنولوجي في محاججته لأي استجواب حكومي أو محاولة للحدّ من هيمنته قانونياً، كما حدث سابقاً عدة مرات، إذ يستغل جهل المُشرعّين بالأدوات الرقمية وينفذ من خلالها.

يلفت المقال إلى صعوبة الخروج من دائرة الاحتكار المتزايدة هذه، فحتى “عندما يرغب الأشخاص في ترك فيسبوك، لا يتوفر أمامهم بديل مفيد يمنحهم المعنى”.

مع تزايد المخاوف من انتهاك الخصوصية وانعدام الثقة في أمان المنصات الاجتماعية، بدأ المستخدمون من جميع أنحاء العالم محاولات إنهاء علاقتهم بفيسبوك. تحديداً عقب فضيحة “كامبريدج أناليتيكا” حذف ربع المستخدمين التطبيق من هواتفهم، وفقاً لمركز بيو للأبحاث، قبل أن يعودوا إلى تحميله مجدداً بعد أيام قليلة.

يتساءل كريس بيأس: “بعد كل شيء أين يذهب الناس؟”، لكنه يعود ليؤكد أننا “نمتلك بالفعل الأدوات التي تساعدنا كجماهير على كبح هيمنة فيسبوك” قبل أن يستدرك: “يبدو فقط أننا نسيناها”.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *