انتخابات 2020.. فاز “الخبز” وعزف الأردنيون عن صناديق الاقتراع

عمّان – البوصلة

ربما لم يكن تراجع نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات النيابية 2020 لاختيار المجلس النيابي التاسع عشر، عن تلك التي كانت في الانتخابات السابقة؛ لكنّ ما كان لافتًا هو الإقبال اللافت على “طوابير الخبز” وما أظهرته الصور من شعبية كبيرة لرغيف الخبز الذي تسيّد المشهد خلال الأيام الماضية وخاصة يوم الاقتراع.

خبراء استراتيجيون لخصوا المشهد السابق في تصريحات إلى “البوصلة” بكلمات قليلة: “إحباط الأردنيين.. وجائحة كورونا.. جعلت الصندوق مجرد أضغاث أحلام للأردنيين، منحت رغيف الخبز فوزًا محققًا في السباق لأنّ نتائجه مضمونة”.

المحلل السياسي والوزير الأسبق الدكتور بسام العموش عزا في تصريحاته إلى “البوصلة” عزوف الأردنيين عن الصناديق لأسبابٍ عدّة منها ما هو صحيٌ مرتبطٌ بمخاوف الجائحة، ومنها ما هو سياسيٌ مرتبط بإحباط الأردنيين ويأسهم من المجالس النيابية، ومنها ما هو مرتبطٌ بالبعد العشائري وتعقيداته؛ فضلاً عن أخرى مرتبطة بقانون الانتخاب وإفرازاته.

أمّا المحلل الإستراتيجي والطبيب منذر الحوارات فرأى رابطًا واقعيًا بين عزوف الأردنيين عن صناديق الاقتراع وتزاحمهم على طوابير الخبز، الأمر الذي يُعدّ مفارقة يجب أن يقف صاحب القرار والعقل الباطن للدولة الأردنية أمامها مطولاً ويقرأها بدقة، ليجيب على التساؤل لماذا يعزف الناس عن المشاركة في الانتخابات ويتهافتون على الخبز دون أي تدابير احترازية.

لهذه الأسباب عزف الأردنيون عن الصناديق

يؤكد الدكتور أن ارتفاع الإصابات والوفيات بكورونا المعلن عنها مؤخرًا بات هاجسا يؤرق الأردنيين ويخيفهم لا سيما وأن الرقم الأخير قارب المائة وفاة و6 آلاف إصابة وهذه أرقام مخيفة لم نعتد عليها ما دفعهم للخوف على صحتهم وعدم الذهاب للصناديق.

وأشار إلى أن البعض قاطع لأسباب عشائرية لا سيما وأن كثيرين نزلوا متنافسين يحملون اسم العشيرة ذاتها، وفي هذه الحال يجد الأردني خيار المقاطعة الأسلم حتى لا يغضب أحدًا من أقاربه المرشحين.

ومن جانب آخر أيضًا يرى العموش أن الأسباب السياسية تفرض نفسها لا سيما الإحباط الذي يفرض على الأردنيين بعدم جدوى المجالس المكررة دون أي تغيير للسياسات، فتمر الحكومات وموازناتها بسلام دون أن يوقفها أي مجلس نيابي.

كما أن العموش يحمّل قانون الانتخاب جزءًا كبيرًا من وزر المشهد الذي نراه اليوم، قائلا: القانون الانتخابي الذي يفرز 130 نائبًا كأفراد، يجعله مجلسًا مطلبيًا وليس سياسيًا؛ يتبعه حكومة غير سياسية ولذلك نبقى “مكانك سر”.

ويقول العموش: على كل حال ليس هناك قانون دون اعتراضاتٍ عليه وآراء متعددة.. لكن على كل حال المهم أن الانتخابات مرت بسلام وسيأتي برلمان جديد نتمنّى أن يكون فيه الخير”.

وأشار إلى أن المجلس الجديد سيحمل وجوهًا جديدة وأخرى من المجالس السابقة، وهذا شيء طبيعي، منوهًا بالقول إلى أن نسبة التصويت ضعيفة وقليلة، لكن ليس هناك أي اشتراط قانوني أو دستوري أن تكون النسبة عالية.

وشدد على أنه من المؤكد لو كانت انتخابات حزبية على شكل “كتل” وليست قوائم نسبية، تسمح لي بانتخاب كتلة معينة ببرنامجها سيكون هناك تنافس حاد وقوي، منوهًا إلى أننا وبدون مقارنة شاهدنا الانتخابات الرئاسية الأمريكية وكيف كان حجم التنافس فيها لأن الأمريكيين حسموا خياراتهم.

وينوه إلى أن الناخب في الأردن يعاني حين يريد الانتخاب من وجود أقارب له من العشيرة ذاتها حتى باتوا يهنّون العشيرة بفوزها ولا يهنّون النائب ذاته؛ وإفراز مجلس تحت هذه الظروف لا يرجى منه الكثير.

وعبر عن خيبة أمله من أن المجلس الجديد لن يختلف عن المجلس السابق، وسنجد فيه أصواتًا حرة وقوية، وأخرى مطلبية وهذا شيء طبيعي لأنّ حاجات الناس كثيرة، ولكننا نأمل من المجلس القادم أن تتعاون معه الحكومة وتطرح موازنات صحية اجتماعية بعيدًا عن الترف والنفقات والسيارات.

وأضاف بالقول: نريد من الحكومة أن تثبت لنا أنها تشعر بالألم الذي نعاني منه، لا سيما وأن الأردن اليوم مدين بـ 40 مليار دينار، متسائلا في الوقت ذاته “هل النواب اليوم سيمتلكون زمام المبادرة ويطالبوا بموازنة صحية اجتماعية، وإن كانوا كذلك فإننا نتمنى لهم التوفيق”.

الأردنيون يستحقون قانوناً انتخابيًا أفضل

وعن تجربة المجلس النيابي في عام 1989، أكد الدكتور بسام العموش على أنه “مجلس جاء بعد عطش من الأردنيين للديمقراطية وعودة الحياة السياسية والخلاص من الأحكام العرفية”.

ونوه إلى أن أهم ميزة في ذلك المجلس أنه لم يحصل فيه تلاعب مفضوح، على العكس في مجالس لاحقة جرى فيها التلاعب والتزوير باعتراف رئيس وزراء سابق بذلك.

وقال العموش: “ما يهمنّا اليوم هو أن تبقى سمعة الأردن العنوان وأن تكون الانتخابات كما أرادها الناس بغض النظر عن عدد من جاء للصندوق أكانوا 20% ام 30% فمن جاء للصندوق هو المهتم ومن لم يأت هو انتخب بطريقة سلبية لأنه أعطى فرصة للآخر”.

ويؤكد أننا “عندما نقلل عدد السياسيين في المجلس يزيد عدد المطالبين، والحلم لا يتحقق بإعادة قانون انتخاب 89 لا سيما وأنه لم يكن قانونًا عادلاً”، موضحًا أن القانون العادل بأن ننتخب جميع أعضاء مجلس النواب.

وأوضح العموش أن الأردن في عدد سكانه لا يزيد عن ولاية من الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يجوز أن يقسم لحارات ودوائر صغيرة، مطالبًا في الوقت ذاته ” إن كان هناك عودة للصوت الواحد فليكن صوتًا واحدًا لكل الناس وأين ما كانوا وينتخبوا أين ما كانوا، أو ينتخبوا قوائم برامجية”.

فاز الخبز لأن الصندوق “أضغاث أحلام”

الخبير الإستراتيجي والطبيب منذر الحوارات يرى أن الأردنيين عزفوا عن الصناديق لأنها لم تعد تشركهم في صناعة القرار والمستقبل، لا سيما وانهم لم يعد لديهم القناعة بأن صوتهم يحمل من القيمة ما يجعله هو الرهان الوحيد للمستقبل، وإلا لما تأخروا لحظة عن الإقبال على الصناديق.

وشدد على أن المجلس النيابي لم يعد انعكاساً لإرادة الشعب، ولا يعدو عن كونه أداةً بيد الحكومة هي من تأتي به وهي من تقرر أجنداته، وهي تريد الناس مجرد شهود على هذه المهزلة التي تتكرر كل اربع سنوات، وفي جردة حساب لكل اربع تزداد الأمور سوءاً وتراجعاً.

وتساءل الحوارات: أليس هذا مبرراً لتزاحمهم بالمئات على بوابات المخابز فهنا رغم الصعوبة سيحصلون على مرادهم رغم الجهد المبذول، وهناك رغم السهولة الظاهرة ليس من أمل للحصول على شيء وإن تزاحمت الوعود.

واستدرك بالقول: إذاً رغم جائحة كورونا والحجر القادم وإرهاق الجيوب، وقهر عزلة المنزل بلا عمل أو وارد للبيت فاز في السباق رغيف الخبز لأن نتائجه مضمونة، وخسر صندوق الاقتراع لأنه أضغاث أحلام لن تتحقق طالما لم يقتنع العقل الباطن للدولة أن إشراك الناس فعلاً لا زوراً هو طريق الخلاص الأول لكل ما نعانيه الآن.

(البوصلة)

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *