بعد 64 عامًا من الاستقلال.. السودان يبحث عن دستور دائم

منذ أن نال السودان استقلاله عن بريطانيا قبل 64 عامًا لم تستطع الحكومات المتعاقبة وضع دستور دائم للحفاظ على المبادئ العامة المتفق عليها بين المكونات السياسية والاجتماعية وإعلاء المصالح الوطنية العليا.

فمع تبدل الحكومات العسكرية والأنظمة الديمقراطية الهشة، التي لم تصمد طويلا أمام الحروب والأزمات الاقتصادية ومشاكل ترسيخ الهوية الممزوجة بين العربية والإفريقية، ظل الدستور يتبدل في السودان منذ أول دستور مؤقت، في 1 يناير/كانون الثاني 1956.

مع صدور قانون الحكم الذاتي عام 1953، بغرض تنظيم إدارة السودان، بدأت رحلة البلاد مع صناعة أول دستور بعد الاستقلال، بصدور “دستور السودان المؤقت لعام 1956”.

لكن الفريق إبراهيم عبود قطع هذا الطريق بتنفيذه أول انقلاب عسكري، في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1958، فأول قرارات حكومته كانت تعليق العمل بالدستور.

وتوالت دورات الحكم العسكري والديمقراطي حتى 17 أغسطس/آب 2019، حين وقع المجلس العسكري (المنحل) وائتلاف قوى “إعلان الحرية والتغيير” وثيقة دستورية، في أعقاب عزل قيادة الجيش لعمر البشير من الرئاسة (1989: 2019)، في 11 أبريل/ نيسان 2019؛ تحت ضغط احتجاجات شعبية مناهضة لحكمه.

وفي 3 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وقعت الحكومة وممثلون عن “الجبهة الثورية” (حركات مسلحة) اتفاقية سلام في جوبا.

وفي 2 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، اعتمد مجلسا السيادة والوزراء تعديلات للوثيقة باسم “الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية (تعديل) لسنة ٢٠٢٠”.

ومن أبرز التعديلات، تمديد المرحلة الانتقالية نحو 14 شهرا، بحيث يبدأ حساب مدتها (39 شهرا) من تاريخ توقيع اتفاقية جوبا، بعد أن كان حسابها للمدة نفسها، لكن منذ 21 أغسطس/آب 2019.

وقالت رئيسة الحزب الليبرالي الديمقراطي بالسودان، ميادة سوار الدهب، للأناضول، إن “الدستور قضية مهمة.. وخلال الحقبة الماضية، عجزت النخب عن صنع دستور دائم.”

** جدل قانوني وسياسي

اعتبر نبيل أديب، خبير قانوني، رئيس لجنة التحقيق في فض اعتصام الخرطوم، أن “التعديل على الوثيقة غير دستوري، رغم أن التعديلات مطلوبة”.

وتابع: “كان يمكن أن يعتمد الاجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء الاتفاقية بين الحكومة والحركات المسلحة، وتكون سارية لحين تعديل الدستور بواسطة الهيئة المكلفة، وهي المجلس التشريعي (لم يتشكل بعد).”

فيما قال أحمد موسى عمر، رئيس اللجنة القانونية للجبهة الشعبية المتحدة– مسار شرق السودان لمفاوضات السلام، إن “الوثيقة الدستورية بها مشاكل كبيرة جدا ظهرت في التطبيق”.

وأردف عمر للأناضول: “الوثيقة الحالية مثلا لا تستطيع تعيين وتشكيل المحكمة الدستورية إلا عبر مؤسسات، وهذه المؤسسات لم يتم إنشاؤها بعد، والسودان الآن من دون محكمة.”

بينما يرى تاج الدين بانقا، قيادي بحزب المؤتمر الشعبي مختص بالشؤون الدستورية، أن “العلة في هذه الوثيقة الدستورية هي أنها كانت اتفاقية بين طرفين ولم تكن شاملة”.

وأضاف بانقا للأناضول: “لذلك اضطروا عند توقيع اتفاقية السلام إلى تعديل الوثيقة؛ لأنها لم تشمل كل الفاعلين في المشهد السياسي”.

وتابع: “إشكالية الدساتير التي تُصنع باتفاقات ثنائية أنها تخضع لتعديلات متكررة، وإذا حدث اتفاق سلام مع فصيلي عبد الواحد نور وعبد العزيز الحلو ستحدث تعديلات جديدة.”

** حاضنة سياسية ثلاثية

ضمن تعديلات الوثيقة، قبل أيام، حُذفت عبارة “لا مركزية”، وحلت محلها كلمة “فيدرالية”، على أن يكون قيام الأقاليم وهياكلها بعد قيام مؤتمر نظام الحكم.

وأقر التعديل تشكيل مجلس السيادة من 14 عضوا، 5 مدنيين تختارهم “قوي إعلان الحرية والتغيير”، و5 أعضاء يختارهم المكون العسكري، وعضو مدني يتم اختياره بالتوافق بين المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير، و3 أعضاء تختارهم الحركات الموقعة على اتفاقية جوبا.

ويُنشأ مجلس يُسمى “مجلس شركاء الفترة الانتقالية”، تُمثل فيه أطراف الاتفاق السياسي في الوثيقة الدستورية، ورئيس الوزراء، وأطراف اتفاقية جوبا.

وتضم هياكل السلطة في المرحلة الانتقالية 3 مجالس، هي: مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، والمجلس التشريعي، لكن الأخير لم يُشكل بعد، ولذلك فإن مجلسي السيادة والوزراء يجيزان القوانين والاتفاقيات.

وقال عمر: “هنالك خلط حاصل بين إدراج التعديلات الدستورية وإدراج وثيقة السلام، إدراج وثيقة السلام يتم بموجب المادة 70 من الوثيقة الدستورية، التي تلزم بإدراج اتفاقية جوبا، وهذا الأمر يتم باجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء.”

فيما قال بانقا: “أصبحنا في وضع دستوري جديد وتأسيس لفترة انتقالية جديدة، حدثت تعديلات جوهرية غيرت من تركيبة السلطة الانتقالية وأحدثت تعديلات في الحاضنة السياسية – الائتلاف الحاكم”.

وأردف: “وصارت الحاضنة السياسية الجديدة ثلاثية، تضم الحرية والتغيير وأطراف السلام والمكون العسكري.. هذه خطوة نحو تصحيح مسار الفترة الانتقالية”.

** غياب المحكمة الدستورية

في 16 يناير/ كانون الثاني الماضي، أعلن المتحدث باسم مجلس السيادة، محمد الفكي، رفض المجلس التجديد لقضاة المحكمة الدستورية، الذين انتهت ولايتهم، وطالب بأسماء جديدة.

وشكل غياب المحكمة الدستورية فراغا في السودان وأثار جدلا مستمرا حول قضايا قانونية.

وطلبت هيئة الدفاع عن المتهمين في محاكمة البشير وآخرين في قضية الانقلاب العسكري 1989 تعليق إجراءات المحاكمة، لعدم تشكيل المحكمة الدستورية، لكن المحكمة رفضت الطلب حينها، ووعدت بالنظر في المسألة.

وبدأت في 21 يوليو/ تموز الماضي، أولى جلسات محاكمة البشير وآخرين، باتهامات ينفونها، بينها تدبير “انقلاب” و”تقويض النظام الدستوري”.

وقالت رئيسة القضاء السوداني، نعمات عبد الله، في 22 سبتمبر/ أيلول الماضي، إن عدم تشكيل محكمة دستورية جديدة “يعطل تنفيذ أحكام الإعدام، الصادرة بحق عدد من منسوبي نظام البشير في قضايا قتل وتعذيب”.

واعتبر بانقا أن “الحماية الدستورية غير موجودة في غياب المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية”.

وتابع: “الحامي للدستور هو البرلمان.. مر أكثر من عام على تكوين الحكومة الانتقالية ولم يتم تعيين المجلس التشريعي، هنا فقدنا ضلعا كبيرا جدا للحماية الدستورية”.

واستطرد: “الضلع الثاني المكمل للحماية الدستورية هو المحكمة الدستورية، ولم تتكون منذ أكثر من عام أيضا بعد أن جعلت الوثيقة الدستورية المحكمة الدستورية تابعة لمجلس القضاء العالي، وصارت جزءا من السلطة القضائية، بدلا من أن تكون مراقبا عليها وعلى السلطتين التشريعية والتنفيذية.”

ودعا إلى “تصحيح الخلل في الوثيقة الدستورية، بمنح المحكمة الدستورية سلطة مستقلة”.

بدوره، قال مستشار حركة العدل والمساواة، عبد العزيز نور عشر، للأناضول: “هنالك عقبة في تعيين المحكمة الدستورية بعدم قيام مجلس القضاء العالي، ونحن أمام إنسداد دستوري.”

وأوضح أن “الإشكالية الدستورية تتمثل في حالة وقوع تنازع اختصاص بين سلطتين من سلطات الدولة، مثلا بين مجلسي السيادة والوزراء.

ورأى أن “أنسب صيغة هي النص في الدستور الانتقالي على كل القضايا المتعلقة باستكمال مؤسسات القضاء، وبينها المحكمة الدستورية.”

وقال أديب: “هنالك إخفاق في تنفيذ مطلوبات الفترة الانتقالية وفق الجداول الزمنية المتفق عليها، وبينها تكوين المجلس التشريعي”.

واستطرد: “كما لم يتم إنجاز اتفاقية السلام خلال 6 شهور، ولم تتم إجازة مجلس القضاء العالي وتكوين المحكمة الدستورية.. هنالك إخفاقات فيما يتعلق بالمسائل الدستورية.”

** دستور دائم

بعد نهاية الفترة الانتقالية، التي مُددت عقب توقيع اتفاقية السلام، يتطلع السودانيون إلى وضع دستور دائم لا تطاله التعديلات.

وقال نور عشر: “لا يمكن أن ننتقل فجأة من الوثيقة الدستورية إلى دستور دائم، نحتاج لمرحلة نعالج فيها كل هذه القضايا في دستور انتقالي يُنص فيه على كيفية بناء المؤتمر القومي الدستوري.”

وتابع: “تقدمنا في حركة العدل والمساواة بأطروحة تمزج بين عملية صناعة الدستور وقيام المؤتمر القومي الدستوري، الذي نسميه في الحركة مؤتمر شعب الأقاليم”.

وأردف: “بحيث تبدأ هذه المؤتمرات من المستوى القاعدي ثم المحلي ثم الولائي ثم في كل إقليم على حده، وأخيرا المستوى الاتحادي بجمع كل الأقاليم في مؤتمر قومي جامع، وهنا تضاف الأحزاب السياسية وأساتذة الجامعات والمختصين في المجال.”

وأوضح أن “المؤتمر القومي الدستوري مناط به إنتاج نوعين من التوصيات: توصيات متعلقة بالدستور تُحال إلى لجنة قومية لصياغة هذه المبادئ، وتوصيات كميثاق وطني جامع، لنحدد المصالح العليا للسودان وهي ملزمة لكل القوى السياسية”.

ودعا عمر إلى أن “النص في الدستور على المبادئ الدستورية الواردة في اتفاقية السلام المتعلقة بالقسمة العادلة للثروة والسلطة والخدمة المدنية وإعادة بناء الجيش على نسق جديد، وإدراج قوات الحركات المسلحة في جيش وطني واحد بعقيدة واحدة”.

وتابع: وكذلك “إصلاح المؤسسات العدلية، وإرساء مبادئ التنمية المتوازنة والمستدامة، ومعالجة الخلل في البنيتين الاجتماعية والسياسية، والمساهمة في بناء الدولة المدنية الحديثة وبناء دولة القانون”.

وزاد عمر: “كل هذه المبادئ تم إرساؤها في اتفاقية، وينبغي إدراجها كمبادىء دستورية كي نستطيع بناء الدستور الدائم”.

ورأى أن “الدستور ينبغي أن يكون مرضيا عنه من كل الشعب السوداني، عبر مساهمة كل أطيافه السياسية والإثنية والفكرية لمنح الدستور حماية جماهيرية”.

ورأى أديب أن “السودان في المرحلة الانتقالية بحاجة إلى إصلاح قانوني واقتصادي ونشر الحريات العامة.. نحتاج إلى إحداث توافق سياسي لصناعة الدستور”.

وتابع: “وأن يتفق الناس على مبادئ فوق دستورية لا يجوز المساس بها، وتشمل الحريات العامة وسيادة حكم القانون والهوية المتعددة للشعب السوداني.”

ورأت ميادة سوار الدهب أن “هنالك فرصة لبناء دستور دائم وتحقيق انتقال ديمقراطي في السودان”.

واختتمت حديثها بأن “الدستور الدائم يجب أن يمر بأسس، أهمها الإجماع الوطني والاستقرار المجتمعي بمشاركة الجميع، وأن يقبل كل الآراء والتوجهات، ويرسخ للعملية الديمقراطية في السودان.”

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *