تأثير اضطرابات البلقان السياسية على مستقبل البوسنة

تأثير اضطرابات البلقان السياسية على مستقبل البوسنة

ميدان السبيل الشهير في سراييفو في البوسنة خال من الناس (الجزيرة)

وصلت الأزمة السياسية في البوسنة والهرسك إلى نقطة خطيرة، خاصة في ظل تأثيرات إقليمية محتملة من دول الجوار.

تكثيف صربيا علاقاتها الخاصة مع أحد كياني البوسنة والهرسك، تزامن مع الحراك السياسي في غرب البلقان خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وتشكيل الحزب التقدمي الصربي (SNS) المسيطر على الحكومة.

وخلقت وثيقة “استراتيجية التعزيز والحفاظ على العلاقات بين الوطن والشتات والصرب في المنطقة” (المذكرة 2) عام 2011، والتي قدمتها مجلة “سلوبودنا بوسنة” (مارس 2013) للجمهور البوسني، تحذيرًا ضروريًا في المنطقة.

وعلى غرار المذكرة الصادرة عام 1986، استندت هذه الوثيقة إلى سياسة صربيا الكبرى المتمثلة في “الدم والأرض” التي تؤدي إلى تقويض الوضع في دول الجوار.

كان الهدف من تلك الوثيقة هو تقليل الضرر الذي لحق بصربيا من هزائم الحرب، وشعورها بالذنب والمسؤولية، والعمل على مساواة المعتدين بالضحايا، ولكنهم لم يهدفوا إلى مواجهة الماضي، بل إلقاء اللوم على الآخرين.

** الجهات المزعزعة لاستقرار المنطقة

تم ذكر الاقتباس التالي في بداية الوثيقة باعتباره الفكرة الرئيسية، ولكنه في الواقع يلقي الضوء على كل شيء يحدث في البوسنة والهرسك، وما جري في دول غرب البلقان خلال العقد الماضي.

“تعد البوسنة والهرسك قضية أكثر أهمية، ولكنها أيضًا أسهل بكثير من حالة كرواتيا والجبل الأسود، وذلك بفضل اتفاقية دايتون، وحقيقة موقف المجتمع الدولي المجزأ والمربك والمثالي حول ما يسمى بالبوسنة والهرسك الموحدة، الجزء المسلم الوحيد في المنطقة. إن حقيقة أن أطرافاً معينة من المجتمع الدولي لن يكون لديها أي موقف ضد تقسيم البوسنة والهرسك، يعد سلاحاً بالغ الأهمية يجب استخدامه إلى أقصى حد لتحقيق الأهداف المحددة. وقد يستغرق تحقيق هذه الأهداف عدة سنوات، أو عقودًا على الأكثر”.

من خلال تدخل صربيا، وبدعم من روسيا، في انتخابات مقدونيا الشمالية عام 2017، أصبحت بلغراد بالفعل تعمل على زعزعة استقرار جارتها الجنوبية. كما أظهرت الانتخابات في مرتين متتاليتين في الجبل الأسود (2016 و 2020) بشكل جذري مدى قوة العلاقة بين بلغراد وموسكو، ومدى تزامن الأحداث في غرب البلقان مع بعضها البعض.

يقدم تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، مقره واشنطن، نظرة ثاقبة للتدخل الخبيث تحت رعاية وحماية “الإخوة السلافيين”، والتي تعيدنا إلى ذكريات تاريخية للتعرف على “روسيا اليوم” استنادا إلى الإمبراطورية الروسية والتحالفات ضد العثمانيين قبل قرنين من الزمان.

صرح السياسي الصربي زاركو كوراتش، لموقع استينومير (Istinomer) بأن “التطلعات الصربية في المنطقة تتزايد، وأن صربيا تشعر كما لو أنها فازت في الانتخابات في الجبل الأسود، وهذا لا يمكن أن يمر دون عواقب على المنطقة، وأن حلم الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش في أن يصبح زعيمًا إقليميًا قد أكتمل”.

ويمكن ملاحظة ذلك في المبادرات التي تأتي من فوسيتش، وخاصة مبادرة “البلقان المفتوح”. إن هذا الوضع هو ما يدركه الجميع، ولكن لسبب ما، ليسوا مستعدين لقوله بصراحة.

** إشكالية مبادرة “البلقان المفتوح”

استنادًا إلى (المذكرة 2) تحديدًا، التي تحدثت عن صعود ومكانة الدولة المهيمنة في البلقان، من الممكن اكتشاف سبب هذا “الانفتاح”.

بدأت سردية “العالم الصربي” بالظهور بشكل متزامن مع مبادرة “البلقان المفتوح”، لذلك، لا شك في أن الانفتاح يخدم في المقام الأول اندماج الصرب في المنطقة.

فاستئناف السيطرة الكاملة على الجبل الأسود، وتقطيع أوصال كوسوفو، وزعزعة الاستقرار وصولاً إلى تقسيم البوسنة والهرسك، هي الأهداف الرئيسية التي يتم تنفيذها يوميا.

ومن المثير للاهتمام، أن موسكو تدعو إلى “العالم الصربي” كمفهوم إنساني مبرر ومتوافِق مع القانون الدولي. ومن خلال النظر إلى المستوى الجيوسياسي، يمكننا فهم موقف روسيا.

يعتقد ألكسندر دوجين، المنظر الروسي لصعود وسيادة أوراسيا، أن المحور الجديد يجب أن يقوم على التكوين الثلاثي بين برلين وموسكو وبكين، بصفتهم حاملي هيكل “الإمبراطورية الأوراسية” المستقبلية. ويعتقد دوجين أيضاً أن الدولة الرئيسية التي تضمن النفوذ الروسي في البلقان هي صربيا.

فتحت النفوذ الروسي والصيني، يجب أن تصبح صربيا القوة التي تهيمن على جنوب شرق أوروبا وتأمن الممرات الاقتصادية إلى ألمانيا، ولكن يبقى التساؤل المهم قائماً حول كيفية تنفيذ هذه النظرية في ظل التحولات في الجغرافيا السياسية.

ومع ذلك، فإن “العالم الصربي” الذي اقترحه القادة الصرب ليس مفهومًا ثقافيًا أو إنسانيًا، بل على العكس من ذلك، فإن الأمر كله يتعلق بإنشاء كيان عسكري وسياسي وأمني عابر للحدود، قادر على المشاركة في إنشاء نظام أوروبي-آسيوي جديد.

** دور تركيا في حل الأزمة

الإجراءات الأخيرة التي قام بها ميلوراد دوديك، العضو الصربي في مجلس الرئاسي البوسني، والتي من خلالها هاجم الدولة البوسنية والهوية البوسنية (البوشناق) وكذلك السلام في الجزء الغربي للبلقان، تعد جزءاً من استراتيجية موسكو لزعزعة استقرار المنطقة لخدمة أغراضها الخاصة، فاللعبة الخطيرة التي يلعبها دوديك لديها القدرة على تأجيج التوترات إلى أعلى مستوى.

وفي هذا السياق، فإن دور تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان له أهمية حاسمة في أمن المنطقة.

وهنا يجب على أنقرة أن تفعل أكثر من مجرد كونها واحدة من الوسطاء. فبعد اجتماعات الرئيس أردوغان مع بكر عزت بيغوفيتش في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، ومع دوديك في 11 نوفمبر/تشرين الثاني، أصبحت إمكانية تطبيع الأوضاع في المنطقة أعلى.

وهذا، بفضل الرسائل الحازمة التي وجهها الرئيس التركي، وبفضل أيضاً الرسائل التي تم إرسالها إلى موسكو، والتي تفيد بأن دوديك أصبح استفزازياً كثيرًا مؤخرًا، وهذا يعرّض المصالح الروسية في المنطقة للخطر، ويعرّض أيضاً مصالح القوى الأخرى للخطر.

لا شك أن بلغراد تعوّل على تغييرات كبيرة في النظام الدولي، وخاصة فيما يتعلق بمناصرة فكرتي “العالم الصربي” و “البلقان المفتوح” في نفس الوقت.

ولذلك تُبذل حاليا جهود في المنطقة، بمساعدة موسكو وبكين، لبناء موقف عام يحقق بشكل أساسي مصالحها الخاصة في الوضع الجيوسياسي الناشئ. ولكن ما الذي يعنيه ذلك للبوسنة والبوشناق؟ لندع التاريخ يخبرنا.

————————————————————

* الكاتب خبير في تاريخ العالم المعاصر، ومحاضر بقسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في كلية العلوم السياسية بجامعة سراييفو الدولية (IUS).

الأناضول

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: