تصفية زعيم الكانيات.. حفتر يتخلص من أداة جرائمه في ترهونة

تصفية زعيم الكانيات.. حفتر يتخلص من أداة جرائمه في ترهونة


بنفس الطريقة وذات المدينة وربما الأسباب عينها التي اغتيل من أجلها الرائد محمود الورفلي، تمت تصفية محمد الكاني، قائد مليشيا الكانيات، التابعة لمليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، والمسؤولة عن أكبر المقابر الجماعية في ليبيا منذ 2011.

فبحسب روايات متعددة، نقلتها وسائل إعلام محلية وناشطون إعلاميون، هاجمت قوة مسلحة تتبع كتيبة طارق بن زياد، التي يقودها أحد أبناء حفتر، بيت محمد الكاني، في مزرعة بمنطقة بوعطني، في الضواحي الشرقية لمدينة بنغازي (شرق)، فجر الثلاثاء، وأطلقت النار عليه فأردته قتيلا.

ووُجهت أصابع الاتهام في اغتيال الكاني، إلى الكتيبة، التي تُعد رفقة اللواء 106، القوة الضاربة لحفتر في بنغازي، وأشبه بشرطة عسكرية، تهدف لقمع أي محاولة تمرد ضد اللواء المتقاعد وأبنائه، وتصفية قادة الوحدات الذين لا يُظهرون الولاء الكافي له.

فمحمد الكاني، ومليشيا الكانيات، التي أسسها مع إخوته وحملت لقبهم، موضوعين على قائمة العقوبات الأمريكية والبريطانية، لمسؤوليتهما عن أكبر المقابر الجماعية في مدينة ترهونة، ولولا روسيا التي تملك حق الفيتو، لتم إدراجهما على لائحة العقوبات الأممية.

وتأتي تصفية محمد الكاني، بعد أربعة أشهر من اغتيال محمود الورفلي، المطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية لاتهامه بارتكاب جرائم حرب، خاصة بعد تصوير فيديوهات وبثها عن إعدامات جماعية ارتكبها في حق محتجزين لديه.

ويخشى العديد من قادة اللواء التاسع ترهونة (الكانيات) وضباط آخرون في مليشيات حفتر من الموالين لسيف الإسلام القذافي، أو من التيار المدخلي، أو حتى من لهم طموحات لخلافة اللواء المتقاعد، أن تتم تصفيتهم الواحد تلو الآخر.

فحفتر له أسباب عديدة تدفعه للتخلص من أشرس قادة مليشياته، إن أصبحوا يشكلون خطرا على حلمه في حكم ليبيا، بغض النظر عن الخدمات التي قدموها له.

** التخلص من صندوق أسود آخر

بقدر ما أفرح مقتل زعيم الكانيات أهالي سكان مدينة ترهونة (90 كلم جنوب شرق طرابلس)، الذين عانوا لسنوات من جرائم التعذيب والتنكيل في القتل، بقدر ما آلمهم عدم تقديمه للعدالة ومحاكمته على جرائمه، والأهم من ذلك الكشف عن مصير ذويهم المفقودين، سواء إن كانوا أحياء أو أمواتا.

لكن حفتر ليس من مصلحته انكشاف مزيد من الحقائق، التي قد تميط اللثام عمن خطط ودبر وأمر بارتكاب مثل تلك الجرائم، التي ترقى لتكون جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهو ما حرك محكمة الجنايات الدولية، والأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا للتحقيق بشأنها.

وحفتر لا قِبل له بمواجهة المجتمع الدولي ومؤسساته الحقوقية، خصوصا مع استمرار اكتشاف مزيد من المقابر في ترهونة، آخرها الثلاثاء، في نفس اليوم الذي قتل فيه “الكاني الكبير”.

فمحمد الكاني، كان أكبر إخوته الذين شكلوا مليشيا الكانيات وأكثرهم تأثيرا، وإن كان شقيقه النقيب محسن، أكثر شهرة منه في تنفيذ جرائم القتل، قبل أن يتم القضاء عليه في قصف لطائرة بدون طيار في 2019.

واعتمد حفتر على اللواء التاسع (الكانيات) كرأس حربة في هجومه على طرابلس (2019-2020)، وحققت هذه المليشيا اختراقات عميقة في المحاور الوسطى والشرقية في عملية العدوان على طرابلس، وكانت أشد على الجيش الليبي من مليشيات حفتر القادمة من الشرق.

والمعلومات التي يمتلكها محمد الكاني عن حفتر، من شأنها أن تقود الأخير إلى محكمة الجنايات الدولية، وتنهي مشروعه لحكم ليبيا.

وفي هذا الصدد، تقول ليندا أولستين، رئيسة المنظمة النرويجية لحقوق الإنسان، إن الاغتيالات التي تحصل ببنغازي، لمتورطين في جرائم حرب من الموالين لحفتر، تؤكد أن هناك سعيا من قبله لإخفاء الأدلة التي تؤدي لتورطه، لاسيما أنه يحاول تلميع نفسه للترشح للانتخابات.

وتضيف أوليستن، أن “هناك انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في بنغازي، بما في ذلك تزايد عمليات الاغتيالات الممنهجة والمرتبطة ببعضها لأسباب غير معروفة”، في إشارة إلى اغتيال محمود الورفلي، والمحامية حنان البرعصي، والنائبة سهام سرقيوة، والحقوقية سلوى بوقعيقص وغيرهم، كلهم قتلوا في بنغازي.

** الحبل يضيق على حفتر في فرجينيا

تواصل محكمة فرجينيا الأمريكية النظر في القضايا التي رفعتها عائلتان ليبيتان ضد حفتر، الذي يحمل الجنسية الأمريكية، ولديه أملاك بملايين الدولارات في نفس الولاية، بشأن ارتكابه جرائم حرب.

وآخر تطورات هذه المحاكمة رد حفتر على أسئلة محكمة فرجينيا الفدرالية كتابيا، بعد أن منحته المحكمة أجلا انتهى في 20 يوليو/تموز الجاري.

والملفت في أسئلة المحكمة، أنها تطرقت لملف محمود الورفلي، الضابط في قوات الصاعقة التابعة لحفتر، والذي اتُهم الأخير باغتياله.

وأورد عماد الدين زهري المنتصر، رئيس مؤسسة الديمقراطية وحقوق الإنسان،ومقرها في الولايات المتحدة، أن حفتر يرفض الإجابة عن الأسئلة الخاصة بمحمود الورفلي أو المتعلقة بأمر القبض عليه من قبل الجنائية الدولية، ويكتفي بالقول “إنها تفصح عن نفسها بنفسها” ولا تعقيب لديه.

ويوضح المنتصر، في منشور على شبكات التواصل الاجتماعي، نقله عنه موقع “ليبيا الأحرار”، أن حفتر يستدل على امتلاكه حصانة بأنه “يلتقي برؤساء الدول، وأنهم يعاملونه كرئيس دولة”، وفق كتاب رده، على الرغم من حكم المحكمة أنه لن يسمح له بادعاء الحصانة في القضية.

فحفتر يواجه معضلتين رئيسيتين في هذا الملف، تأكيد محكمة فرجينيا الفدرالية اختصاصها في الدعوى المرفوعة ضده، ورفضها قبول مزاعمه بأنه يملك حصانة رئيس دولة أو شبه رئيس دولة.

لذلك فهو مهدد في أي لحظة بصدور حكم بمصادرة أملاكه أو جزء منها والمقدرة بنحو 8 ملايين دولار في ولاية فرجينيا لوحدها، بحسب وسائل إعلام أمريكية.

والأخطر من ذلك بالنسبة لحفتر، أن إدانته بارتكاب جرائم حرب من محكمة أمريكية، سيحرمه من الترشح لرئاسة ليبيا، إذ أن من الشروط التي يطرحها المشرعون الليبيون على المترشح للرئاسة أن لا يكون مدانا بانتهاكات لحقوق الإنسان.

فالجرائم التي ارتكبها محمود الورفلي ومحمد الكاني، موثقة لدى جهات محلية ودولية، ويصعب على حفتر الفكاك منها، باعتبارهما كان يعملان تحت إمرته.

وتبدو تصفية قادة الوحدات المسلحة المطلوبين دوليا في جرائم حرب، أحد خيارات حفتر لتخفيف الضغوط الأمريكية والبريطانية عليه، خاصة وأن السفير البريطاني لدى ليبيا نيكولاس هوبتون، أكد خلال تفقده للمقابر الجماعية في ترهونة، عزم حكومة بلاده دعم التحقيقات الجارية ومحاسبة مرتكبي تلك الجرائم.

كما أن قتل محمد الكاني، من شأنه زيادة شعبيته في ليبيا، وتحسين صورته دوليا، وهذا ما يفسر تأكيد محمود المصراتي، الإعلامي المقرب منه، أن مليشيات حفتر من تقف وراء قتل الكاني أثناء مداهمة للقبض عليه، “بأمر قضائي”.

بينما أنكرت مليشيات حفتر، سابقا، قتلها محمود الورفلي، رغم وجود دلائل كثيرة تثبت ذلك.

** وأد التمرد في معقله

غير أن هناك رواية أخرى لأسباب تخلص مليشيات حفتر من محمد الكاني، أوردها المحلل السياسي الدكتور فرج دردور، الذي قال في تدوينة له، إن قادة مليشيا الكانيات اجتمعوا (لم يحدد المكان والزمان) “وعبروا عن استيائهم من تهميش الرجمة (حفتر) لهم، وعدم صرف أجرتهم”.

ويضيف دردور، أن قيادة مليشيات حفتر فهمت من هذا الاجتماع “بأنه تمرد، فأسرعوا للقضاء عليهم. وليس لمقتلهم أي صلة بجرائم ترهونة المشترك فيها” مع حفتر.

وكان اللواء التاسع الكانيات، يزعم أن عدد عناصره يقدر بأكثر من 5 آلاف مسلح، فرّ معظمهم من ترهونة إلى شرق ليبيا، وبالأخص إلى بنغازي وأجدابيا، قبل أن يتم نقل جزء منهم إلى مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس) وإلى الجنوب الغربي في قاعدة تمنهنت الجوية بسبها (750 كلم جنوب طرابلس).

ومنذ انسحابهم في يونيو/حزيران 2020 من الغرب إلى الشرق، وقعت عدة اشتباكات واحتكاكات بين مليشيات حفتر وعناصر الكانيات في كل من بنغازي وأجدابيا وسرت.

وأصبحت الكانيات عبئا على حفتر في ظل نقص التمويل، خاصة بعد برودة الأرض (توقف القتال)، وعدم تخصيص حكومة الوحدة الوطنية ميزانية لمليشيات الشرق، وتقلص الدعم المالي الخارجي.

وتسود حالة ارتباك بين عناصر مليشيا الكانيات، بحسب حسابات تابعة لها، خاصة مع وُرود أنباء عن اعتقال عبد الرحيم الكاني، آخر قادة الكانيات، ودعوات للثأر من حفتر، والتحالف مع أعدائه، وتحذير قيادات أخرى في مليشيات حفتر من نفس مصير الكاني والورفلي.

وتشير صفحات تابعة لما يسمى اللواء التاسع ترهونة، أن الدور قادم على حسن الزادمة، قائد اللواء 128 (من قبيلة العبيدات في الشرق) والرائد عمر امراجع، قائد كتيبة طارق بن زياد (من قبيلة المقارحة الموالية لسيف الإسلام القذافي في الجنوب)، والمبروك سحبان، قائد القوات البرية (من المقارحة أيضا وموالي للقذافي) وعبد الرزاق الناظوري، قائد أركان مليشيات حفتر (من قبيلة العرفة في مدينة المرج بالشرق)، والمرشح لخلافته في حالة وفاته.

ما يعني أن حفتر قد يتخلص في المرحلة المقبلة من كل المطلوبين دوليا في مليشياته، والمتورطين في جلب المرتزقة الأفارقة، أو المعنيين بالتعاقد مع الشركات الأمنية مثل فاغنر الروسية.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *