جيوبوليتكال: دور مصر الإقليمي يتآكل.. وموقفها من حرب غزة تكتيكي

جيوبوليتكال: دور مصر الإقليمي يتآكل.. وموقفها من حرب غزة تكتيكي

السيسي مع نتنياهو

قال موقع «جيوبوليتيكال فيوتشرز» الأمريكي إنه منذ انقلاب عبدالفتاح السيسي على الرئيس الشهيد محمد مرسي، بدأ دور مصر الإقليمي يتآكل، لافتًا إلى أن موقفها من حرب غزة تكتيكي.

وأضاف أنه في يونيو 2009، ألقى الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” خطابا إلى العالم الإسلامي مقترحا بداية جديدة في العلاقات العربية الأمريكية.

واختار “أوباما” أن يلقي خطابه غير المسبوق في جامعة القاهرة كاعتراف بالدور التاريخي لمصر في العالم الإسلامي.

لكن التطورات اللاحقة، بما في ذلك الانتفاضات العربية وصعود تنظيم “الدولة الإسلامية”، حطمت الآمال في حدوث هذا التحول على كلا الجانبين.

ومع ذلك، برزت مصر كقوة إقليمية آخذة في التراجع منذ عقود، وابتداء من أوائل السبعينيات خلال رئاسة “أنور السادات”، أصبحت البلاد تركز على الداخل بشكل متزايد.

وأعطى النظام الأولوية لمحاربة المعارضة السياسية والتيار الإسلامي في الداخل بدلا من إبراز القوة في الخارج.

ومنذ انقلاب الجنرال “عبدالفتاح السيسي” عام 2013 على الراحل “محمد مرسي”، كانت السياسة الخارجية لمصر انعكاسا لشئونها الداخلية.ولم يحاول معظم رؤساء الدولة المصرية استعراض سلطتهم خارج حدود مصر، بالرغم من وجود استثناءين ملحوظين، وهما الملك فاروق والرئيس “جمال عبدالناصر”.

وكان “فاروق” من نسل “محمد علي”، الذي استولى على السلطة في مصر عام 1805 وتطلع إلى إنشاء مملكة عربية.

وقرر “فاروق” أن ينخرط في الحرب العربية في فلسطين ضد الاحتلال عام 1948 وذلك ضد رغبة حكومته وقيادة الجيش.

وفي عام 1950، أغلق ممر “تيران” أمام الاحتلال، وفي العام التالي لعب دورا أساسيا في صياغة معاهدة الدفاع العربي المشترك لمواجهة الاحتلال.

أما “عبدالناصر” فقد قدم دعما عسكريا واقتصاديا لحرب الاستقلال الجزائرية في 1954-1962.

وفي عام 1957، أرسل “عبدالناصر” قوات إلى سورية للدفاع عنها ضد غزو تركي محتمل.

وفي عام 1960 أرسل وحدات من الجيش إلى الكويت بعد أن هدد الرئيس العراقي “عبدالكريم قاسم” باحتلالها.

وبعد ذلك بعامين، أرسل ثلث الجيش المصري إلى اليمن للدفاع عن النظام الجمهوري الوليد بعد انقلاب أطاح بالملك.

وحتى بعد الهزيمة المذهلة لمصر في نكسة عام 1967، ظل “عبدالناصر” شخصية قوية في العالم العربي.

وعلى رغم أن العديد من القادة العرب نظروا إليه على أنه عدو، إلا أن الغالبية العظمى من الجمهور العربي رأته نصيرا للقومية العربية بلا منازع.

لكن منذ وفاة “عبدالناصر” عام 1970، أصبحت طموحات مصر الإقليمية محدودة. وأدرك الرؤساء المصريون أن سوء الأحوال الاقتصادية سيجعل من الصعب لعب دور قيادي في السياسة الإقليمية.

وعارض “أنور السادات”، الذي خلف “عبدالناصر”، إرسال جندي مصري واحد للقتال نيابة عن العرب.

وخلال فترة رئاسته، قاطع معظم القادة العرب “السادات” لأنه أبرم اتفاقية سلام مع الاحتلال دون أن يعود للإجماع العربي.

وأرسل “حسني مبارك”، الذي أصبح رئيسا عام 1981 بعد اغتيال “السادات”، قوات مصرية إلى السعودية عام 1990 كجزء من التحالف الأمريكي لـ”تحرير الكويت من الغزو العراقي”.

لكن تحرك “مبارك” لم يكن مدفوعا برغبة مصر في أن تصبح قوة إقليمية ولكن برغبة في منع العراق من أن يصبح قوة إقليمية أكبر.

وحذا “السيسي” حذو “مبارك” في الغالب، وركز على شؤون الأمن الداخلي. وبصفته الوحيد الذي نظم انقلابا للاستيلاء على السلطة منذ عام 1952، ظل اهتمام “السيسي” الأكبر هو السيطرة، وليس إعادة ترسيخ قيادة مصر في العالم العربي. 

ولا يوجد لدى “السيسي” طموحات للهيمنة الإقليمية.

ومع ذلك، فهو لا يريد أن تلقي السياسات الخارجية العدوانية لولي العهد السعودي والإماراتي بظلالها على الدور التاريخي لمصر في المنطقة.

ولدى “السيسي” مخاوف عميقة من اتفاقات التطبيع بين دول الخليج والاحتلال، التي تهدد بإضعاف دور مصر كوسيط في المحادثات مع إلاحتلال.

واكتسبت القاهرة سمعتها كوسيط سلام إقليمي بعد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.

لكن منذ ذلك الحين، لجأ الفلسطينيون إلى تركيا لتسهيل المصالحة بين حماس وفتح، بينما طلبت حماس مساعدة قطر لتخفيف حصار الاحتلال على غزة.

وتتزايد عزلة مصر اقتصاديا كذلك.

وفي أكتوبر الأول الماضي، وقعت شركة خطوط الأنابيب في كيان الاحتلال صفقة مع الإمارات لنقل النفط من أبوظبي إلى أوروبا عبر خط أنابيب إيلات-عسقلان.

ويقلل الاتفاق فعليا عبور شحنات النفط عبر قناة السويس بنسبة 17%، كما يهدد خط أنابيب نفط “سوميد” المصري الممتد من خليج السويس إلى الإسكندرية.

وخلال الحرب الأخيرة في غزة، تبنت مصر نهجا استباقيا يبدو عليه التأييد النسبي للفلسطينيين مقارنة بجولات سابقة.

وفي عام 2014، ضغطت مصر على حماس لقبول شروط الاحتلال لوقف إطلاق النار، ولكن هذه المرة، توسطت في صفقة دخلت حيز التنفيذ دون أي شروط مسبقة، فيما اعتبرت القاهرة أن الاحتلال هو الطرف المعتدي في الصراع.

ومع ذلك، شكر رئيس وزراء الاحتلال “بنيامين نتنياهو”، “السيسي” على تسهيل وقف إطلاق النار.

أما حماس، فقد تشككت في عرض مصر بمبلغ 500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة.

وتجدر الإشارة إلى أن الشركات المصرية التي تديرها القوات المسلحة ستقود جهود إعادة الإعمار، وأن هذه الجهود ستزيد من نفوذ مصر في غزة.

واعتبرت وسائل الإعلام التي يسيطر عليها النظام في مصر أن جهود القاهرة لوقف إطلاق النار تمثل بداية لعصر ذهبي في السياسة الخارجية المصرية.

وأشادت وسائل الإعلام بمهارات التفاوض لدى المسئولين المصريين، متجاهلة حقيقة أن الرئيس الأمريكي “جو بايدن” لعب الدور الحاسم في وقف القتال.

ويبدو الادعاء بأن مصر تستعيد دورها كوسيط سلام دولي أجوف؛ لأن مصر غالبا ما تنظر إلى غزة باعتبارها مسألة محلية تكتيكية وليست إقليمية.

وكانت مصر قد سيطرت على قطاع غزة من عام 1948 حتى عام 1967. وعلى أية حال، فإن الوساطة الناجحة لا تجعل من دولة ما قوة إقليمية.

وبالغ الإعلام المصري في إنجازات “السيسي”، وزعم أن دبلوماسيته الحازمة تحمي الفلسطينيين من عدوان الاحتلال .

وكانت وسائل الإعلام المصرية قد قادت الدعاية حول انقلابه العسكري، زاعمة أنه ثورة شعبية أنقذت مصر من الإخوان المسلمين، كما مجدت الحشد الهائل للقوات المصرية شمال غربي البلاد باعتباره حول اتجاه الأزمة الليبية لصالح مصر.

ولدى مصر عدد لا يحصى من المشاكل التي يجب أن تتعامل معها. فلديها اقتصاد ضعيف، ودين ثقيل، ونظام تعليمي ضعيف، ومعدلات بطالة عالية.

ووفقا للبنك الدولي، بلغ نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي 3 آلاف دولار في عام 2019، مقارنة بـ 8 آلاف دولار كمتوسط لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وعلى الرغم من أن الدخل الحقيقي شهد نموا متواضعا خلال الأعوام القليلة الماضية، إلا أنه غير مستدام على المدى الطويل؛ لأن الإصلاحات الاقتصادية في مصر سطحية.

ويعتمد الاقتصاد المصري بشكل كبير على القطاع العام بقيادة القوات المسلحة.

وأوصى صندوق النقد الدولي الحكومة بتشجيع القطاع الخاص، ولكنها بدلا من ذلك زادت من مشاركة الجيش في الاقتصاد.

وأنهى الانقلاب العسكري عام 1952 قرنا من التطور الرأسمالي. وكان لتأميم “عبدالناصر” للاقتصاد عواقب وخيمة على النمو الاقتصادي في مصر.

وعندما أبرم “السادات” اتفاقية السلام مع الاحتلال خفض الميزانية العسكرية، لكنه سمح للقوات المسلحة بلعب دور نشط في الاقتصاد لتوفير الإيرادات.

وفي عهد “مبارك”، سيطر الجيش فعليا على الاقتصاد، وهو اتجاه نما في عهد “السيسي”، الذي يعتمد على ولاء كبار ضباط الجيش الذين يعارضون أي محاولات للخصخصة.

وتواجه مصر أيضا تمردا (تراجعت شدته) في شمال سيناء، ونزاعا حول المياه مع إثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي.

وتسبب المشروع، الذي لا يزال قيد الإنشاء، في تخفيض إنتاج مصر من المحاصيل الأساسية (القمح والأرز والسكر) بأكثر من 25%. 

ولا يمكن لدولة ذات اقتصاد يسيطر عليه الجيش وتواجه تهديدا وجوديا فيما يخص إمداداتها المائية أن تصبح قوة إقليمية. 

وتتمتع مصر بمزايا جيواستراتيجية تؤهلها للعب دور إقليمي رائد، فهي تمتد عبر أفريقيا وآسيا وأوروبا، وتسيطر على أحد أهم الطرق البحرية في العالم، وهي الدولة الأكثر اكتظاظا بالسكان في العالم العربي، وتتميز بتجانس سكانها.

ومع ذلك، لا يزال تركيز مصر يتجه إلى الداخل، ولا يهتم شعبها كثيرا بالشئون غير المصرية.

وبالنظر إلى حالة اقتصاد البلاد، فمن غير المرجح أن يتغير هذا الوضع في أي وقت قريب.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: