خبير اقتصادي: دور ديوان المحاسبة أكبر بكثير من مجرد إصدار تقرير سنوي

عمان – رائد الحساسنة

أكد الخبير الاقتصادي محمد البشير في تصريحاتٍ لـ “البوصلة” أن الدور الرقابي المرجوّ ماليا وإداريا من ديوان المحاسبة أكبر بكثير من مجرد إصدار التقارير السنوية، على الرغم من أهميتها في كشف خللٍ كبير وتجاوزات مالية وتشريعية للمؤسسات الحكومية أسهمت بشكلٍ كبير بإغراق الأردن في مديونية بعشرات المليارات.

وقال محمد البشير: “إنه يجب على السلطة الرابعة ممثلة بالصحافة وقوى المجتمع الأردني تعظيم الأدوار التي يقوم بها ديوان المحاسبة لما لها من أهمية كبيرة”، معبرًا عن أمله في أن يكون الدور المستقبلي لديوان المحاسبة كذراع حقيقية لمجلس النواب في كشف التجاوزات والفساد المالي والإداري وعدم الاكتفاء بدور الرقابة المالية فقط.

واستدرك بالتأكيد على ضرورة التركيز على البنود الجوهرية في عمل الديوان ذات التوجيه لتجسير الفجوة للدخول بين موظفي القطاع العام ليكون له دورٌ حقيقي ليس فقط رقيبًا ماليًا، بل كرقيب إداري وذلك عبر ما تمّ مؤخرًا من تعديل القانون الذي منح الصلاحيات في الرقابة الإدارية على أجهزة الحكومة لديوان المحاسبة.

وأضاف أنه “مطلوب اليوم تحقيق استقلالية ديوان المحاسبة بشكل حقيقي وأن يكون ارتباطه بمجلس النواب فلا يجوز للحكومة أن تعين رئيس ديوان المحاسبة، وهذه واحدة من الثغرات الرئيسية، لأن واجب ديوان المحاسبة أن يدقق على السلطة التنفيذية، فكيف يمكن أن تكون نتائج تقرير الديوان إن كان يعين رئيسه من قبل الحكومة التي تنسب بتسميته”.

ونوه إلى أن أهمية ارتباطه بمجلس الأمة تكمن في دور المجلس الرقابي الذي يقوم به وفقًا للدستور، وهو الذي يفترض أن يكون صاحب الصلاحية بتعيين رئيس ديوان المحاسبة.

ولفت البشير إلى مشكلة تأخر ديوان المحاسبة في تقديم تقاريره خلال الأعوام السابقة بسبب عدم الإنجاز المبكر لواجباته؛ مشيدًا في الوقت ذاته بتقديم الديوان لتقريره للعام 2018 مبكرًا مقارنة بالأعوام السابقة التي قدم عنها عددًا من التقارير دفعة واحدة.

وطالب البشير بأن لا يكون دور الديوان مرتبطًا بالتقرير السنوي فقط،  بل يجب عليه في حالة المخالفات الجسيمة إرسالها مباشرة لمجلس النواب ابتداءً عند اكتشافها، وأن يكون هناك تقرير ربعي يمثل رقابة مبكرة على المؤسسات الحكومية.

يجب منح ديوان المحاسبة حق الرقابة المسبقة

ونوه إلى أن مدقق الحسابات الخارجي اليوم ملزم بتقديم حسب التعليمات والأوراق المالية أن يصادق على بيانات مالية ربعية كل ثلاثة أشهر، فلماذا لا يفعل ديوان المحاسبة ذلك؟

وعبر الخبير الاقتصادي عن رفضه لفكرة مهمة التدقيق اللاحق لديوان المحاسبة رغم أهميتها، مطالبًا الحكومة بالتوقف عن منع ديوان المحاسبة من القيام دوره وتعطيله، متسائلا: لماذا يأتي دور ديوان المحاسبة بعد حدوث الحدث، وبعد إقرار ونفاذ بعض الاتفاقيات والمشتريات والعقود، فيجب أن يكون ديوان المحاسبة مبكرًا ذا علاقة.

وقال البشير: أجد أن التدقيق السابق مهم جدًا وضرورة وتعميق دور ديوان المحاسبة والأخذ بعين الاعتبار للأهمية النسبية للذي ينشر ويرسل لمجلس النواب، مؤكدًا أنه يجب مشاركة ديوان المحاسبة بالعطاءات والرقابة خاصة عند صرف المبالغ الكبيرة بحدود معينة ضمن ترتيب محدد لذلك.

وانتقد الخبير الاقتصادي إغراق تقارير ديوان المحاسبة لمجلس النواب بأرقام صغيرة، مؤكدًا أن أحد مشاكل مجلس النواب أنه عندما يأتيه كمية كبيرة من التفاصيل ويغرق فيها الأمر الذي من شأنه أن يجل التقرير يؤجل ويحول للجان، مطالبًا أن يكون هناك مسألة جوهرية وإذا ارتأى مجلس النواب أن يحول بعض الأرقام والتفاصيل إلى مؤسسات معينة لتدقيقها فيمكن الاستعانة بخبراء فنيين خارجيين ليقوموا بهذا الدور التفصيلي.

ديوان المحاسبة كأداة رقابية وقائية

وشدد الخبير الاقتصادي محمد البشير في حديثه لـ “البوصلة” على ضرورة أن يقوم ديوان المحاسبة بدوره الإداري الوقائي لمنع حدوث التجاوزات في المؤسسات الحكومية  وهذا الأمر من شأنه أن يصب في صالح تطوير عمل الديوان كأداة رقابية وقائية وتقييمية في الوقت ذاته.

ولفت البشير إلى إحدى القضايا التي اطّلع عليها وحصلت في نهاية التسعينات عندما تم شراء جهاز طبي لأحد المستشفيات الحكومية بقيمة 600 ألف دينار، ومن ثم تم إلقاؤه في مخزن ولم يستفد منه المرضى لأنه لم يستخدم.

ونوه إلى أنه يجب منح ديوان المحاسبة صلاحيات إذا ما اضطر لتقييم أي عملية شراء في أيّ قطاع، أن يأتي بخبير فني خبير في المختبرات أو الأجهزة وعلى كافة الصعد أجهزة طبية سيارات كهرباء وغيرها، ويستطيع القيام بواجبه من خلال مهمات مكملة، وأن يكون ديوان المحاسبة هو الذراع الحقيقي لمجلس النواب.

وعبّر البشير عن أسفه لا سيما وأن مجلس النواب  وهو الأهمّ حُولت مهامه وعندما يصبح هذا التحالف بين السلطة السياسية التقليدية وبين رأس المال منتجًا لمجلس النواب، يتحول هذا المجلس من دوره الرقابي إلى مجلس خدمي للأحباب والأصحاب والأقارب وأبناء الجغرافيا والمناطق، مؤكدًا أن كل ذلك حرف المجلس عن دوره بأن يكون تشريعياً ورقابيًا وأصبح عمله الأكبر للحالة الخدمية.

وتابع حديثه بالقول: إن ما سبق جعل ديوان المحاسبة كذراع حقيقية لمجلس النواب ومجلس الأمة بشكل عام أقل أهمية، بمعنى أنه إذا كان الأب مستهترًا ولا يقوم بدوره الحقيقي؟ فكيف يمكن للأجهزة الأخرى أن تقوم بدورها الحقيقي.

المجتمع الأردني مطالب بتفعيل دوره الرقابي

وطالب البشير المجتمع الأردني بأن يقوم بدوره الرقابي، قائلا: إن هذا ينسحب على قوى المجتمع المختلفة، التي تعاني من عدم قدرتها أن تكون الرديف الثالث رقابيًا.

ومن وجهة نظره فإن الرقابة الحقيقية تكمن في ثلاث جهات؛ فالرقابة الأولى ممثلة بمجلس الأمة والثانية تتمثل بديوان المحاسبة والرقابة الثالثة بالقوى الشعبية من أحزاب ونقابات مهنية وجمعيات، وهذه المؤسسات دورها رقابي لأنها القاعدة الحقيقية للسلطات والدولة ويجب أن تكون رقيبة عليها.

ونوه البشير إلى أنه عندما يتعطل دور الجهات المذكورة سالفًا يحدث هذا الأداء المترهل والفساد المنتشر والمأساة التي نعيشها اليوم.

وشدد على أن القصة برمّتها مرتبطة بالإصلاح السياسي فنحن ما زلنا غير قادرين كقوى مجتمعية على فرض إصلاح سياسي حقيقي يكون قادرًا على أن يغير من القوى الفاعلة في الدولة والمجتمع الأردني.

ووجه رسالة للحكومة مفادها: آن الأوان أن تعترفوا بأن كل الخطط التي وضعوها سواء منفردين أو مع الصناديق الدولية فسبع اتفاقيات مع صندوق النقد والثامنة في الطريق، كافية لإثبات فشل الحكومات المتعاقبة بتحقيق أي هدف من الأهداف التي وضعوها.

القيمة الحقيقية لتقارير ديوان المحاسبة:

وعلى الرغم من تأكيده على أن الدور المطالب به ديوان المحاسبة اليوم أكبر بكثير، إلا أنه نوه إلى أهمية الدور الذي يقوم به الديوان، إذ أنه تمّ تحويل وزيرين اليوم في مجلس النواب إلى النيابة العامة نتيجة لتقارير ديوان المحاسبة السابقة.

ونوه البشير إلى أنوأي عمل مالي فيه تدقيق سيكون له آثار قطعًا، لكن المشكلة في الأردن تتمثل في الانتقائية بالتعامل مع الحوادث، وسببه الرئيسي نتاج للقوى الفاعلة في المجتمع.

وقال الخبير الاقتصادي: أحياناً ما بين خلق ضحية وعمل دعائي وعمل إعلامي وما بين حقيقة وجود مشاكل اقتصادية سببها هؤلاء الفاسدون بينهما يأتي دور المجتمع وقدرته على أن يكون فاعلاً في دفع الأجهزة الرقابية لتفعل فعلها.

وخلص إلى القيمة المضافة لتقارير ديوان المحاسبة ليست التي نريد، “فنحن نريد ما هو أكثر من ذلك، ونتأمل أنه فعلاً من خلال السلطة الرابعة الصحافة أن تقوم مع باقي مؤسسات المجتمع الأردني بتعظيم ذلك”، على حد تعبيره.

“ديوان المحاسبة” يكشف مخالفات حكومية تكبد الخزينة ملايين الدنانير

وكشف تقرير ديوان المحاسبة للعام 2018 جملة من المخالفات التي ارتكبتها المؤسسات الحكومية وكبدت الخزينة مئات الملايين، وبلغ عددها 3531 مخالفة للقوانين والأنظمة والتشريعات.

وبين التقرير الذي حصلت “البوصلة” على نسخة منه، أن أهم المخالفات المالية والتشريعية ذات الأهمية النسبية العالية على سبيل المثال لا الحصر، تتمثل في: الإعفاءات الجمركية، والتهرب الضريبي والجمركي والمخالفات الجمركية، والأوامر التغييرية، والمكافآت، والموازنات والحسابات الختامية.

(البوصلة)

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *