دراسة قانونية: أوامر الدفاع مسّت جذور مبدأ فصل السلطات

دراسة قانونية: أوامر الدفاع مسّت جذور مبدأ فصل السلطات

البوصلة – كشفت دراسة أجراها الباحثان القانونيان نهلا المومني وسيف الجنيدي، إلى أن أوامر الدفاع الصادرة بموجب قانون الدفاع رقم 13 لسنة 1992، “مسّت جذور مبدأ فصل السلطات في البلاد، لتضمنها أحكاما موضوعية جديدة تنظم الحقوق من جهة وتفرض عقوبات جزائية بالمفهوم الضيق من جهة ثانية، لكنها تبقى خارج مظاهر الصلاحية التشريعية المنفردة للسلطة التنفيذية”.


وقدم الباحثان الدراسة للمجلة الدولية للدراسات القانونية والفقهية المقارنة للنشر، بعد أن تم تحكيمها وقبولها في نيسان (إبريل) الماضي.


وتتلخص الدراسة، بتأكيد “استحالة تأثير أوامر الدفاع على الصلاحية التشريعية سواء لمجلس الأمة أو للسلطة التنفيذية، وأن أوامر الدفاع ما هي إلا قرارات إدارية تنظيمية لا تدخل في نطاق الصلاحية التشريعية المنفردة للسلطة التنفيذية”.


كما تناولت الدراسة الأسباب الواقعية والقانونية لإشكالية التطبيق والتجاوز على نطاق الصلاحية التشريعية للبرلمان، الذي يرتقي إلى مرتبة “الانعدام”.


وأوصت الدراسة، بتعديل قانون الدفاع الأردني رقم 13 لسنة 1992 وفق 3 محاور هي، “تضمين قانون الدفاع نصا صريحا على المكانة القانونية لهذه الأوامر باعتبارها قرارات تنظيمية إدارية فقط، وإخضاع أوامر الدفاع لمعيارية تنظيمية من حيث اقتصارها على الحالات الاستثنائية الطارئة التي تهدد حياة الأمّة”، وأخيرا تحديد ما أسمته الدراسة بـ “طائفة الحقوق والحريات القابلة للتقييد أو التعطيل أثناء حالة الطوارئ”.


كما أوصت بتحديد النطاق الزمني لتطبيق أوامر الدفاع على أن “تدور وجودا وعدما” مع تفعيل قانون الدفاع وهي قاعدة فقهية قانونية تعني انتفاء الحكم مع انتفاء العلّة، وذلك من خلال النص صراحة على زوال الآثار القانونية لأوامر الدفاع بمجرد صدور الإرادة الملكية بوقف العمل بهذا القانون.


ودعت إلى مراجعة أوامر الدفاع الصادرة استنادا إلى قانون الدفاع بما يضمن انسجامها والغاية المعيارية والنطاق الموضوعي لإصدارها، والمتمثلة في مواجهة الطوارئ.
واستندت الدراسة في تقييم أوامر قانون الدفاع الذي صدرت إرادة ملكية بالموافقة على العمل به في منتصف آذار (مارس) 2020، بموجب قرار مجلس وزراء بسبب جائحة كورونا، إلى نصوص الدستور الأردني وطبيعة نظام الحكم في الأردن.

وعطّلت أوامر الدفاع التي يمنح القانون صلاحية إصدارها لرئيس الوزراء، حقوقا أساسية كحق التنقل وتعطيل بعض بنود قانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي وإعادة تنظيم العلاقات التعاقدية بين العمال وأصحاب العمل، في ضوء تعطّل النشاطات الاقتصادية، عدا عن تفويض وزير الصحة بصلاحيات وضع اليد على أي مستشفى خاص وصولا إلى تنظيم عمل مرفق القضاء.


وعن تقييم أوامر الدفاع من منظور دستوري والتي زادت منذ تفعيل القانون على 20 امر دفاع، خلصت الدراسة إلى “أن أثر شمولية أوامر الدفاع”، وتضمنها في بعض المجالات التي ذكرت أعلاه وغيرها، فرضت عقوبات بالمفهوم الجزائي وعطّلت بعض القوانين والتشريعات البرلمانية، ما أدى إلى نشوء جدل قانوني حول التكيّيف القانوني لأوامر الدفاع ومكانتها في النظام القانوني الوطني، وتجاوز معايير حقوق الانسان.
وأكدت أنه وبالرغم من “المكانة القانونية لأوامر الدفاع”، اعتبرها قانونيون “مكنة تشريعية بالمفهوم الضيّق”، إلا أنها “تبقى خارج نطاق مظاهر الصلاحية التشريعية المنفردة للسلطة التنفيذية، ومجرد قرارات إدارية إذ أن مبدأ الفصل بين السلطات قصر مظاهر هذه الصلاحيات بثلاثة أوجه للحكومة، لا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها، وحيث إن هذه القرارات أيضا قابلة للطعن بالإلغاء أو التعويض أمام القضاء الإداري، استنادا إلى المادتين 8و9 من قانون الدفاع”.


وأشارت الدراسة إلى أن حسم المكانة القانونية لأوامر الدفاع في النظام القانوني الوطني، ظهر في المبدأ العام الذي رسخه أحد قرارات المحكمة الادارية، الصادر في تشرين الأول(أكتوبر) 2020، وجعل الطعن بأوامر الدفاع بالإلغاء جائزا لدى القضاء الإداري.
كما استندت الدراسة في تقييم النطاق الموضوعي والزماني لأوامر الدفاع، إلى تعليق لجنة الحقوق المدنية والسياسية رقم 29 المتعلق بالمادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية، والذي أوجب أن تكون أي تدابير غير مقيّدة بالعهد، “ذات طابع استثنائي ومؤقت ومشروطة بـ3 محددات، من بينها الحفاظ على مبدأي المشروعية وسيادة القانون والتصرف ضمن أحكام الدستور، وأن تكون التدابير في أضيق الحدود مع تقديم تبرير “دقيق” ليس فقط لإعلان حالة الطوارئ، بل لأي تدابير محددة ترتكز على هذا الاعلان.


وقد خلا الدستور الأردني، وفقا للدراسة، من تحديد الضوابط الدستورية للنطاق الموضوعي لأوامر الدفاع، رغم أن الإرادة الملكية عند صدورها بتفعيل قانون الدفاع، أسست لبوادر أعراف دستورية مكمّلة لذلك النقص الدستوري، وحصرت النطاق الموضوعي في قانون الدفاع باعتباره قانونا استثنائيا، وأكدت على عدم التضييق على الحريات العامة وصونها.
لكن التطبيقات العملية لأوامر الدفاع، جاءت مخالفة لتلك المعايير ضمن 6 ممارسات واقعية من أهمها، تناقض الفلسفة التشريعية والواقعية من إصدار بعض أوامر الدفاع، وغياب مبدأ التدرج في العقوبة، وغياب التوازن بين القوى المجتمعية في ظل ضبابية الصياغة التشريعية، واستحداث أحكام جديدة تؤثر على التشريعات البرلمانية لمدة زمنية محددة، واعتبار أن العقوبات بالمفهوم الجزائي المنصوص عليها في أوامر الدفاع غير دستورية .


واعتبرت الدراسة أن وجود إشكاليات عملية في تنفيذ القرارات أو سن عقوبات غير قابلة للتطبيق، من شأنه أن يمس مبدأ سيادة القانون وهيبته.
ومن الأمثلة على تناقض الفلسفة التشريعية ما ورد في أمر الدفاع رقم 2، الذي قرر إيقاع عقوبة الحبس على من يخالف قرار الحظر والبلاغات الصادرة بموجبه لمدة سنة، وهي العقوبة التي كانت تخالف سياسة الحكومة والمجلس القضائي في مواجهة جائحة كورونا بالتوجه نحو إخلاء السبيل لآلاف الموقوفين قضائيا وإداريا والمحكومين منعا للاكتظاظ.
ومن الأمثلة المتعلقة باستحداث أحكام موضوعية جديدة، ما تضمنه البند 2 من أمر الدفاع رقم 8، بشأن حظر نشر أو تداول أي أخبار حول الوباء، لتضمن المنظومة التشريعية النافذة بنودا تجريمية كافية، عدا عن تضمن البند عبارات فضفاضة أضافت قيودا جديدة على حرية التعبير والصحافة.
كما عرضت الدراسة بدقة، أوجه الصلاحيات التشريعية المنفردة للسلطة التنفيذية بموجب الدستور، والمكانة القانونية لأوامر الدفاع في المنظومة القانونية الوطنية، وواقع ممارسة الصلاحية التشريعية على أرض الواقع، على مستوى مجلس الأمة وعلى مستوى الصلاحية التشريعية المنفردة للسلطة التنفيذية التي تعتبر صلاحية استثنائية وحصرية تتمثل في 3 مظاهر هي؛ اختصاصها في إصدار القوانين المؤقتة، واختصاصها في الاشتراك في العملية التشريعية، واختصاصها في إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصبغة التشريعية.
وأشارت الدراسة إلى أنه بالرغم من الصلاحيات التشريعية المنفردة للسلطة التنفيذية، إلا أنها في مسألة القوانين المؤقتة على سبيل المثال تستند إلى المادة 194/1 في الدستور الأردني وفق ضوابط واضحة وضيّقة، منعا لانحرافها أو اساءة استعمالها، وذلك في حالة غياب مجلس النواب في حالات الكوارث العامة والحرب والطوارئ والنفقات المستعجلة، على أن يعرض أي قانون مؤقت على مجلس الأمة في أول اجتماع لاحق يعقده وبطلانه في حال انقضاء مدة البت بها وهي دورتين متتاليتين.
ونوّهت الدراسة إلى أن النص الدستوري السابق قبل تعديله العام 2011، سمح بإصدار 213 قانونا مؤقتا خلال الفترة الزمنية الممتدة من 2001 وحتى 2003 في عهد حكومة واحدة، وصدور 48 قانونا مؤقتا خلال العام 2010، ما شكّل تجاوزا لغاية المشّرع الدستوري آنذاك.
وأكدت الدراسة التحليلية، أن المظهر الثاني المتعلق باختصاص السلطة التنفيذية بالاشتراك في العملية التشريعية، اقتصر على صلاحية الاقتراح التشريعي وإعداد مشروعات القوانين، بالرغم من عدة وقائع عملية اظهرت اقتصار مبادرات التشريع على مبادرات حكومية، كما جرى في التعديلات الدستورية التي بلغت 13 تعديلا في التاريخ الدستوري، لم يسجّل خلالها رفض للسلطة التشريعية لأي مشروع منها.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *