دون حطب أو محروقات أو كهرباء.. هكذا يقضي السوريون شتاءهم

دون حطب أو محروقات أو كهرباء.. هكذا يقضي السوريون شتاءهم

البوصلة – يرتبط الشتاء في ذهن الإنسان المعاصر بكل تلك المشاهد الدافئة التي عادة ما تكون أمام مدفأته أو في منزله المعزول عن البرد، بتقنيات البناء الحديثة والتدفئة المركزية. أما شتاء السوريين، ومنذ 10 أعوام لا يرتبط إلا بمشاهد من ساعات طوال تقضيها العائلات في محاولة للتغلب على البرد والصقيع اللذين يتسربان من كل مسام منازلهم أو شققهم التي لا تصلها الكهرباء إلا ساعات قليلة كل يوم.

ومع اقتراب شتاء هذا العام، بدأ السوريون بحثهم الدؤوب عن وسائل تدفئتهم في ظل زيادة ساعات التقنين الكهربائي، والانخفاض الحاد في المخصصات الحكومية من المحروقات، واحتكار الحطب من قبل التجار، وغيرها من المنغصات التي تحول بينهم وبين الدفء.

أسعار فلكية ومدارس بلا تدفئة

لا يبدو أن التقنين الكهربائي وحده هو ما يحول بين السوريين وهذه المدافئ والحصائر، وإنما أيضا ارتفاع أسعارها في السوق إلى درجة يبدو اقتناؤها بالنسبة للبعض حلما بعيد المنال، لاسيما وأن القوة الشرائية لرواتب موظفي القطاعين العام والخاص في انخفاض مستمر قياسا بالغلاء الذي تشهده مختلف السلع في السوق السورية.

وكغيرها من السلع، شهدت أسعار وسائل التدفئة المختلفة ارتفاعا غير مسبوق، فوصل سعر مدافئ الشمعات ابتداء من الصغيرة ذات الشمعة الواحدة والجودة المنخفضة 80 ألف ليرة (23 دولارا) وانتهاء بالكبيرة ذات 3 شمعات متوسطة الجودة بـ 500 ألف ليرة (145 دولارا)، في حين تراوح سعر المتر الواحد من حصائر الكهرباء بين 60 ألف ليرة و80 ألفا (ما بين 17 و23 دولارا).

أما أسعار مدافئ الوقود، فتراوحت ما بين 100 ألف ليرة للمدافئ صغيرة الحجم وبين المليون ليرة للمدافئ كبيرة الحجم (ما بين 29 و285 دولارا)، في حين وصل سعر مدافئ الحطب المصنعة محليا إلى 250 ألف ليرة (71 دولارا).

وإضافة إلى هذا الغلاء الفاحش بأسعار وسائل التدفئة الكهربائية، شهدت جميع أسعار الثياب الشتوية للإناث والذكور غلاء مماثلا.

تحكي فدوى (48 عاما)، أم وربة منزل من ريف دمشق، عن معاناتها مع فصل الشتاء والغلاء بالقول “لا يتم توزيع مادة المازوت في مدارس بناتي بالشكل الكافي ولا توقد المدافئ في الصفوف المدرسية، وهذا ما يضطرني كل شتاء إلى شراء عدد أكثر من المعاطف الشتوية ليتسنى لهن تبديلها على مدار السنة، وهذا العام تبدو الأسعار غير مناسبة بالنسبة لنا ولذلك قد ألجأ إلى الاستدانة”.

وفي سياق متصل، أشار مدير تربية دمشق في حكومة النظام سليمان يونس، في أحد اللقاءات الإذاعية، إلى أن المخصصات الحكومية من مادة المازوت للمدرسة الواحدة في مناطق النظام لهذا العام لن تتجاوز 1500 لتر، بمعدل 50 لترا خلال الفصل الواحد (4 أشهر) لكل شعبة صفية تستوعب 40 طالبا.

أزمات السوريين

اعتاد السوريون خلال الشتاءات السابقة على ابتكار الحلول والبدائل للتدفئة تحت ضغط التقنين الكهربائي ونقص المخصصات الحكومية من مادة المازوت، ومن تلك الحلول الرائجة كان استعاضتهم عن مدافئ الوقود والكهرباء بمدافئ الحطب، حيث استقر سعر طن الحطب السنوات القليلة الماضية على 90 ألف ليرة (25 دولارا).

أما في هذا العام فيتراوح سعر طن الحطب ما بين 430 و640 ألف ليرة (من 123 إلى 183 دولارا) وهي كمية بالكاد تكفي لتدفئة عائلة لمدة شهر، ويعود السبب في هذا الارتفاع بأسعار الحطب إلى عدة عوامل أهمها قوانين منع الاحتطاب واحتكار بعض الشخصيات النافذة لها، إضافة للانهيار الاقتصادي المتسارع الذي تشهده البلاد وتدني سعر صرف الليرة أمام العملات الأجنبية، وزيادة تكلفة نقل الحطب من محافظة إلى أخرى بسبب الرسوم التي تفرضها الحواجز العسكرية على طرقات السفر.

ويقول هاشم (36 عاما، اسم مستعار)، الموظف في شركة استيراد وتصدير في محافظة السويداء “في منزلي مدفأتان وأحتاج سنويا لأوقدهما إلى 4 أطنان من الحطب، ولم تكن كلفة هذه الأطنان السنوات السابقة تتجاوز 350 ألف ليرة (100 دولار) أما هذا العام فأصبح ثمنها مليوني ليرة (570 دولارا)”.

ويضيف للجزيرة نت “ولا يمكننا الاعتماد على المازوت حيث يصل سعر اللتر حرا إلى 3500 ليرة (دولار واحد)، وفي السوق السوداء ما بين 4 آلاف و500- 5 آلاف ليرة، وتحتاج العائلة هنا في السويداء خلال العام إلى 350 لترا بالحد الأدنى، أي ما ثمنه 1.4 مليون ليرة (400 دولار) وبالطبع لن يتمكن أحد من توفير هذا المبلغ خاصة إذا كان موظفا مثلي”.

وليس هاشم استثناء، كون معظم السوريين في مناطق النظام لا يمكنهم تخصيص مبلغ مليونين أو مليون ونصف المليون لأغراض التدفئة، وبالتالي لا يمكنهم الاعتماد على المحروقات أو الحطب، ولا على الكهرباء نتيجة للتقنين الجائر.

وفي حين كانت مخصصات العائلة من مادة المازوت خلال السنوات الثلاث الماضية 200 ليتر توزع دفعة واحدة بداية فصل الشتاء، أصبحت هذا العام على دفعات، وفي كل دفعة يُصرف 50 لترا فقط، وهو ما لا يكفي أي عائلة لأكثر من 10 أيام، أما أسطوانات الغاز -التي كانت تباع في المؤسسات الحكومية بحسب الطلب- أضحت اليوم تباع عبر تطبيق حكومي يصرفها للعائلة بموجب “الدور” الذي قد يستغرق 3 أشهر، وتحصل على جرة واحدة فقط مهما بلغ عدد أفرادها، وبذلك يصعب الاعتماد على مدافئ الغاز أيضا.

يذكر أن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة النظام قد رفعت سعر لتر المازوت المدعوم من 180 إلى 500 ليرة، وغير المدعوم من 2400 إلى 3500 ليرة في يوليو/تموز من هذا العام.

وتشهد البلاد أزمة وقود منذ عام 2011، وتقدر خسارات قطاع النفط خلال 11 عاما من الصراع بـ 19.5 مليار دولار، ويرجع السبب في ذلك إلى فقدان النظام سيطرتهُ على العديد من الحقول الكبرى إضافة إلى العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه أميركيا وأوروبيا.

الشريحة الأكثر تضررا

يعد النازحون إلى مناطق سيطرة النظام الشريحة الأكثر تضررا مع اقتراب فصل الشتاء، حيث يعيش الكثيرون منهم في شقق سيئة الكسوة أو غير مكسوة أصلا، تقع في مناطق عشوائية بالكاد تصلها الخدمات من ماء وكهرباء.

ويغدو العيش في تلك الشقق، مع مجيء شهور الشتاء الأكثر برودة، أمرا في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلا، وهذا حال ميساء (48 عاما، اسم مستعار)، نازحة من الحسكة إلى ريف دمشق، التي تعيش وابنها في شقة غير مكسوة في منطقة كشكول، فتقول للجزيرة نت “تصبح جدران الشقة كالجليد بحلول ديسمبر/كانون الأول، ولم يعد الأطفال قادرين على احتمال البرودة، ولا يمكننا الاستحمام أو النوم أو دخول الحمام أو الإتيان بأية حركة دون الاستغناء عن البطانية من شدة البرد، ونكون مضطرين عندئذ للانتقال إلى شقة أختي المكسوة حيث البرد هناك أخف منه في شقتنا”.

وفي حين تجد ميساء مكانا تغادر إليه بحلول ديسمبر/كانون الأول، هناك العديد من العائلات النازحة التي لا تبرح مكانها محاولة مجابهة ذلك البرد بالعديد من الوسائل التي قد تعود عليها بالأذى أحيانا، فالعديد منهم يحاولون إشعال الثياب والنايلون والأقمشة البالية وغيرها من المواد على شرفة الشقة مستغلين أنها غير مكسوة ولن يقوموا بإتلافها، ولكن سرعان ما يتحول الأمر إلى كارثة صحية مع تسرّب الدخان إلى سائر أنحاء الشقة.

ورغم عدم تسجيل حالات اختناق في مناطق سيطرة النظام لغياب الشفافية في المؤسسات وصعوبة العمل الصحفي، فإن إياد (28 عاما، اسم مستعار)، طبيب الأمراض الصدرية في مشفى حكومي بدمشق يقول “عاينت خلال الشتاء الماضي عشرات من حالات الاختناق بسبب وسائل التدفئة البديلة التي تستعملها بعض العائلات مع اشتداد البرودة، حيث تعرض أفرادها لانبعاثات كثيفة من غاز أول أكسيد الكربون وغيره من الانبعاثات السامة التي تسببت في ضيق التنفس، ووصلت بالبعض إلى مرحلة الاختناق”.

ولا تقتصر معاناة النازحين في الشتاء على العيش في شققهم التي لا ترد البرد، وإنما تضاف إليها ضروب أخرى كعدم قدرة بعضهم على تحصيل مخصصاته من مادة المازوت، إما لعدم تمكنه من التسجيل في البطاقة الذكية لفقدانه بعض الأوراق الضرورية أثناء الحرب، وإما لأسباب تقنية تتعلق ببطء توزيع هذه المخصصات من قبل الجهة المعنية.

ومن ضمن هؤلاء أم محمد (63 عاما)، نازحة من ريف حمص إلى دمشق، التي لم تحصل على مخصصاتها من المازوت هذا العام فلم يصلها الدور ولن يصلها قبل حلول يناير/كانون الثاني بحسب تقديراتها المبنية على معلومات البطاقة الذكية، وتقول “لم تصلني رسالة الاستلام حتى الآن وهناك الآلاف قبلي، وبذلك لن يكون لدينا هذا الشتاء سوى هذه المدفأة الكهربائية التي لا يمكن التعويل عليها، ولا أدري ما العمل، لقد انجبت ابنتي قبل شهرين مولودا جديدا ولا يمكن أن ندعه يتعرض للبرد، لا يمكنني أن أقول شيئا، غير أني أسلم أمري لله”.

وتشير التقديرات إلى أن أعداد النازحين داخليا قد بلغ 6.7 ملايين شخص بحلول عام 2020، ويعاني معظمهم من أزمات معيشية وصحية وغذائية نتيجة للانهيار الاقتصادي المتسارع الذي تشهده البلاد.

الجزيرة

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: