راشيل كوري.. أيقونة لفلسطين ذهب دمها دون عقاب

شعور والديها بالفقد ما يزال “حاضرا بقوة، وﻻ يزال يؤلمنا كل يوم”. ارتكبت بحقها جريمة مكتملة الأركان لا جدال فيها، وسط شهود عيان كثر.

كانت ترتدي آنذاك، ملابس برتقالية اللون للتعريف عن نفسها بأنها ناشطة حقوقية أجنبية، وكانت تنادي بمكبر الصوت على الجنود الإسرائيليين داخل “الجرافة” في محاولة لإيقافهم عن تجريف المنازل، دهستها الآلة “المجنزرة” بشكل متعمد.

لكن القاتل لم يعاقب ولم توجه له أية تهمة، وذهب دمها دون عقاب أو تعويض وسط صمت القبور من قبل الإدارة الأمريكية تحت إدارة الرئيس جورج بوش الابن.

عرفت بميولها الليبرالية، وبعواطفها الجياشة وبشجاعتها وشغفها بالعمل الإنساني، رحيلها بهذه الطريقة الوحشية كان صدمة للعالم وللفلسطينيين.

نشأت راشيل كوري المولودة عام 1979 في أولمبيا بولاية واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية، لعائلة يهودية وصفت نفسها بأنهم “أمريكيون عاديون، وليبراليون سياسيا، ومحافظون اقتصاديا، وهم من الطبقة الوسطى”.

كانت أصغر إخوتها لكريج كوري، الذي كان مديرا تنفيذيا في شركة تأمين، ووالدتها سيندي كوري.
بعد تخرجها من مدرسة كابيتال الثانوية، التحقت راشيل بكلية حكومية حيث درست الفنون. توقفت لمدة عام عن دراستها للعمل كمتطوعة في واشنطن في منظمة أمريكية للبيئة، وأمضت 3 سنوات في زيارات أسبوعية للمرضى العقليين.

انضمت لاحقا إلى منظمة حركة التضامن الدولية (آي إس إم) من أجل وقف عمليات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وانتهجت وسائل سلمية لتحدي إجراءات الجيش الإسرائيلي.

في سنتها الأخيرة، اقترحت برنامجا لدراسة مستقلة تسافر فيه إلى غزة، وتنضم إلى المتظاهرين من “آي إس إم”، وتبدأ مشروع “مدينة شقيقة” بين أولمبيا ورفح، وقبل مغادرتها، نظمت أيضا برنامج أصدقاء المراسلة بين الأطفال في أولمبيا ورفح.

وبثت العديد من الرسائل المصورة التي تتحدث عن الانتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.
رفضت راشيل قتل الفلسطينيين على يد القوات الإسرائيلية، وقالت في إحدى الرسائل إلى أهلها: “أحيانا كنت أجلس لتناول وجبة العشاء مع الناس وأنا أدرك تماما أن الآلة العسكرية الإسرائيلية الضخمة تحاصرنا وتحاول قتل هؤلاء الفلسطينيين الذين أجلس معهم”.

أثناء وجودها في رفح عام 2003، وقفت كوري أمام “الجرافات” الإسرائيلية، في محاولة لعرقلة هدم المنازل.

في الليلة الأولى لها في رفح، أنشأت وأعضاء “آي إس إم”، معسكرا داخل “القطاع جاي”، والذي وصف بأنه “حي مكتظ بالسكان على طول الخط الوردي وهدف متكرر لإطلاق النار من قبل برج مراقبة إسرائيلي”. وعبر وضع أنفسهم على نحو ظاهر بين الفلسطينيين والقناصة الإسرائيليين كانوا يأملون في وقف إطلاق النار من خلال عرض لافتات تفيد أنهم يمثلون جهات دولية، وعندما أطلق الجنود الإسرائيليون طلقات تحذيرية، فككت كوري وزملاؤها خيمتهم وغادروا المنطقة.

شهدت تلك الفترة عمليات واسعة ومشحونة لهدم المنازل في جميع أنحاء الشريط الحدودي، وتعرض المتظاهرون للخطر في كثير من الأحيان خلال هذه المواجهات، وأصيب أحد المشاركين البريطانيين بشظايا أثناء استرجاعه لجثة رجل فلسطيني قتل برصاص قناص، وحصلت أيضا مواجهة قريبة بين ناشط إيرلندي من الحركة مع “جرافة” مدرعة.

وأمام عدسات الصحافيين تعمد سائق “الجرافة” الإسرائيلية دهس راشيل والمرور على جسدها مرتين أثناء محاولتها لإيقافه قبل أن يقوم بهدم منزل في مخيم رفح جنوب غزة.

وفتح الجيش الإسرائيلي تحقيقا في مقتل راشيل، وقد أفاد سائق “الجرافة” في التحقيق أنه لم يستطع مشاهدتها وأنه من غير الممكن مشاهدة الناشطة التي ألقت بنفسها أمام “الجرافة”.

وأغلق المدعي العام في الجيش الإسرائيلي الملف بعد مرور 3 شهور على مقتلها تحت مبررات “عدم وجود دلائل تعمد قتلها”.

وقال إن الشرطة العسكرية وجدت أن راشيل قتلت نتيجة انهيار بناء عليها عندما كانت تحاول تسلق تلة من الأنقاض كانت “الجرافة” تقوم بتسويتها في مخيم رفح.

وقال الجيش أيضا إن سائق “الجرافة” لم يدرك أن كوري كانت أمامه، وأنه ما كان يتعين على الناشطين أن يتواجدوا في مثل تلك المنطقة العسكرية المغلقة.

ورفعت عائلة راشيل دعوة قضائية عام 2010 ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي، متهمة الجيش بقتل راشيل بشكل متعمد. وفي عام 2013 رفضت المحكمة الدعوة وبرأت الجيش من مقتلها.

وقال القاضي إن السائق لم ير الناشطة الأمريكية، مشيرا إلى أنه “كان بوسعها إنقاذ نفسها، وأنها وضعت نفسها في خطر”.

وحكمت المحكمة الإسرائيلية بأنه ليس هناك مبرر لدفع تعويضات، ولكن ليس على عائلة كوري دفع رسوم القضية.

وأصر والدها كريغ كوري على قناعته بأن سائق “الجرافة” شاهد ابنته. وقال إنه ما كان ينبغي أصلا السماح باستخدام “الجرافة” في مواجهة ناشطي السلام “العزل”، والذين أكدوا أن راشيل، كانت ترتدي زيا برتقالي اللون للتعريف بنفسها بأنها ناشطة أجنبية.

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان رفع دعوة ضد جيش الاحتلال في المحاكم الإسرائيلية، ولكن المحكمة المركزية في حيفا، ردت بتبرئة الجيش من مسؤولية قتلها.

موقف الإدارة الأمريكية كان هزيلا ومرتبكا، فقد اعتبر التحقيق الإسرائيلي في مقتل راشيل لم يكن كافيا. وقدم النائب الأمريكي براين بيراد مشروع قرار في الكونغرس الأمريكي يقضي بمطالبة الحكومة الأمريكية بإجراء تحقيق كامل في مقتل كوري، لكن “الكونغرس” لم يحرك ساكنا بهذا الشأن.

والداها تحدثا بعد استشهادها بكلام مشحون بالعاطفة حول اهتمامها بحقوق الإنسان وكرامته، مشيرين إلى أنها “كرست حياتها من أجل الجميع.”

وقال والدها: “كانت راشيل مفعمة بالحب والشعور بالواجب نحو إخوتها في الإنسانية أينما عاشوا، وضحت بحياتها وهي تحاول حماية غير القادرين على حماية أنفسهم”.

والدتها وصفت راشيل بأنها “كانت فتاة متدفقة بالعواطف، وقد فتحت أعين الناس على الوضع في غزة”.

وأصبحت كتابات راشيل، التي نشرت بعد مقتلها، رمزا للحملة الدولية التي تخوض غمارها أطراف عدة باسم الفلسطينيين.

وتمثل الرسائل التي كانت ترسلها إلى عائلتها “وثائق رائعة حقا عن إنسانيتها العادية، وتترك قراءتها أثرا عميقا في النفس، خصوصا عندما تصف مشاعر الود والقلق التي كان يبديها إزاءها كل الفلسطينيين الذين تصادفهم”. بحسب المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد.

وفيما بعد حولت تلك الكتابات إلى مسرحية حملت عنوان “اسمي راشيل كوري”، ودارت فصولها عن حياتها، وجابت المسرحية مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة.

وخلد اسم راشيل كوري في العالم أيضا، حيث أطلق على سفينة مساعدات إيرلندية إلى قطاع غزة، كما قامت المخرجة الفرنسية- الإسرائيلية سيمون بيتون بإنتاج فيلم “راشيل” الذي يصور معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة من خلال سرد موثق لقصة حياتها وموتها.

وقام والدا كوري بإنشاء “مؤسسة راشيل كوري للسلام والعدالة”. وأطلق اسمها على شوارع ومؤسسات في فلسطين.

ويعتقد قانونيون أنه يمكن تفعيل ملف راشيل كوري، ضمن الملفات التي ستقدم للمحكمة الجنائية الدولية من أجل التحقيق فيها ومحاكمة الجناة.

وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية، في آذار/ مارس الماضي، قرارا يقضي بولايتها القضائية على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.

ويمهد هذا القرار لفتح المحكمة تحقيقا في جرائم الحرب الناتجة عن الأعمال العسكرية الإسرائيلية ومن بينها مقتل راشيل.

راشيل التي نادت، ولها من العمر عشر سنوات، بإنقاذ آلاف الأشخاص من الموت جوعا، كان من الطبيعي أن تمضي حياتها على شواطئ مدينة سياتل الساحلية القريبة من بلدتها، لكنها آثرت القدوم إلى غزة، أرض الموت اليومي والحصار والمعاناة والحرمان، وأن تشهق آخر أنفاسها على تراب رفح تحت عجلات آلة الدمار والموت الإسرائيلية.

18 عاما ودمها ما يزال حارا ودافئا، كأن جسدها لا يزال ينزف وهي ملقاة على كومة التراب فيما يحاول رفاقها إغاثتها دون جدوى!!

علي سعادة – عربي 21

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *