حسين الرواشدة
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on telegram
Telegram

رابط مختصر للمادة:

رسالة إلى أبي…!

حسين الرواشدة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

تزامن ميلاد أبي مع تأسيس الدولة الأردنية، (1921)، وبالتالي أصبح عمره من عمرها، واكبها خطوة خطوة، التحق بالجيش العربي في مطلع الاربعينيات، وتنقل بين عمان والقدس وبغداد، ثم تقاعد من الخدمة والتصق بالأرض، كان يحبها وتحبه، أنجز من رحمها ما يكفينا، وانجب أحد عشر مولودا من الأولاد والبنات.

تشبه قصة أبي، كما قصص الكثير من الإباء والاجداد، قصة بلدنا، فقد كان يعيش دائما على «البركة»، قال مرة: انه مثل الربان في وسط البحر، تتقاذف سفينته «الأمواج» من كل اتجاه، فتكاد تغرق احياناً، لكنه يمسك «بالدفة» ويتحدى، حتى اذا وصل الى «المرسى» عاد مرّة أخرى لمصارعة الأمواج من جديد.

يشبه وجه أبي وجه بلدنا قبل ان تداهمه العاديات، كان حنطياً مثل سنابل القمح حين تنتصب ساجدة على البيدر، كانت الخطوط التي ارتسمت عليه مزيجاً من قوس قزح، يا الهي.. كم لوحته هبوب الرياح الجنوبية واشعة الشمس اللاهبة، كنت حين احدق فيه أرى «الرغيف» وكأنه خرج للتو من التنور، ما اشبه خريطة الوطن التي تشبه هذا «الرغيف» قبل ان نستورده بوجه أبي البشوش احياناً ،والممزوج بالحزن احياناً أخرى.

أتذكر اليوم ما فعله أبي في مئة عام، وما فعلته به هذه السنوات الطويلة،  ثم اقارن ما فعلته الدولة في عشرة عقود وما فعلته بها هذه العقود المديدة، اكتشف أن «الإنجاز» يبدو متطابقاً تماما، خذ التعليم مثلاً، فقد أصرّ أبي على أن يكمل أولاده التعليم الجامعي وأن ينالوا أعلى الشهادات العلمية، خذ مثلا آخر في الصحة، كان حريصاً ان يكون طعامناً صحياً وسليماً، خذ ثالثاً في الاخلاق والقيم، لم يسامحنا ابداً حين يتعمد أحدنا ان يكذب او يتزلف او «يقول ما لا يفعل»، خذ رابعاً في الانضباط بالنظام العام، لقد علمنا دروساً في الحرية والعدالة والمسؤولية…وكذلك فعلت الدولة.

ما فعلته به الأيام كان يشبه أيضاً ما فعلته بالدولة التي نشأ فيها ومعها، لقد ذاق طعم الظلم والعقوق مثلما ذاقته، وانعزل أحياناً عن الناس مخافة شرهم، وعاند وكافح ليبقى واقفاً مثل الأشجار التي زرعها، وتحمل غصة «الفقر» بمزيد من التعفف والإصرار على العمل والإنتاج، كان صديق المعوزين و»الدواج» والغرباء…يوزع عليهم من خيرات ما يزرع ويفتح لهم أبواب بساتينه ليشاركوه من «الغلّة»…تماما كما الدولة ايضاً.

أحدق الآن في المرآة، فلا أجد أبي بيننا، لقد تغيرت الدنيا وأحوالها، وتغيرنا مثلها، والدولة ايضاً، كنت سأسأل أبي سؤالاً واحداً فقط: يا ابي لو كتب الله لك ان تدخل المئة الثانية من عمرك ما الذي يمكن ان تفعله…هل ستتغير انت؟

رحم الله أبي وعظم الله اجركم واجرنا ايضاً.

نكمل غداً ان شاء الله.

(الدستور)

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *