“رضوان السعد”.. البلسم الشافي لجراح الأردنيين وبوصلته القدس

عمّان – رائد الحساسنة

“طبيب الفقراء”.. “بلسم المرضى”.. “أيقونة البذل والعطاء”.. “الطبيب الماهر القنوع الزاهد بما في أيدي الناس”.. “الطبيب الوطني العروبي الإسلامي الإنساني”.. كل هذه الأوصاف لا يمكن أن تقودك إلا لطريق واحد يوصلك إلى الدكتور رضوان السعد، الذي تلقى الأردنيون جميعًا خبر رحيله ببالغ الصدمة والحزن.

ولم يكن يدور في خلد الفقراء أن يقصدوا عيادة الدكتور رضوان السعد التي كانت تمتلئ بهم ويجدوها مغلقة لأن الرجل رحل إلى الدار الآخرة مودعًا، وهو الذي خدمهم لأكثر من أربعة عقود دون أن ينظر إلى ما في جيوبهم ولا إلى ما في أيديهم فكان بمثابة “التأمين الصحي” لهم جميعًا كما يحلوا لهم أن يصفوه.

الأردن خسر طبيبًا عروبيًا إسلاميًا إنسانيًا

“رحم الله الدكتور رضوان السعد كان وطنيا عروبيًا إسلاميًا إنسانيًا وهو خسارة ولكن قدر الله نافذ ونحن علينا أن نقبله”، بهذه الكلمات الممتلئة بالحزن والرثاء يتحدث الدكتور محمد البزور “أبو الحسن” في تصريحاته لـ “البوصلة“.

ويؤكد البزور أن “الدكتور رضوان السعد ترك بصمات في إربد ستذكرها الأجيال بتفانيه في خدمة عمله، وفي خدمته للناس، وخدمته لمهنته، وخدمته لقضيته”.

ويتابع حديثه بالقول عن طبيب الفقراء: “رحمه الله، صحيح أن كثيرًا من الناس يموتون ولا يتركون أثرًا، لكن الدكتور رضوان السعد سيبقى جزءًا من تراث مخيم إربد لما تركه من آثارٍ طيبة لا يمكن أن تنسى”.

“أنا أذكر عندما تم الضغط عليه من أجل تغيير كشفيته، عندما كانت أقل من دينار، وبقي مصرًا على أن تبقى كشفيته متواضعة، فهو نذر نفسه ليكون من الرجال الذين يخدمون أبناء وطنهم عمومًا، وأبناء مخيم إربد خصوصًا، وعلى الرغم من أن  عيادته في المخيم لكن تستغرب أن الناس كانوا يأمون عيادته من مختلف قرى إربد”، على حد تعبير البزور.

وحول سر العلاج الشافي الذي كان يقدمه لمرضاه يقول صديقه البزور لـ “البوصلة” إن الدكتور السعد كان طبيبًا عامًا إلا أنه يتميز بأنه يبث الراحة النفسية في نفوس مرضاه، فتكون استجابتهم للعلاج البسيط الرخيص كبيرة جدًا وسريعة.

يتابع حديثه بالقول: “اكتسب الرجل في هذا المجال أكثر من خصلة، فعلى الرغم من أن مهنة الطب تدر دخلاً كبيرًا على الأطباء، إلا أن الدكتور رضوان السعد اتخذها مهنة إنسانية، فخدم مخيم إربد وخدم الشعب الأردني”.

بوصلة رضوان السعد واضحة.. فلسطين

ورغم أن الحديث يغلب عند ذكر طبيب الفقراء فيما يتعلق ببراعته في تشخيص المرضى ومعاملتهم بكل إنسانية ومراعاة ظروف فقرهم وعوزهم، إلا أن الفقيد بحسب الدكتور البزور كانت “رؤيته للصراع مع العدو الصهيوني كانت رؤية واضحة لا تشوبها شائبة، يرى أن فلسطين عربية إسلامية من النهر إلى البحر، ولم يساوم على ذلك قط، ولا أعتقد أن هناك بيتًا في إربد لا يعرف الدكتور رضوان السعد هذا الرجل المتواضع النبيل الشهم الإنسان”.

وفي إجابته عن سؤال “البوصلة” ما هو السر الذي كل الأردنيين يحبون هذا الرجل؟ قال البزور بثقة العارف بصديقه الراحل: “حتى يحبك الناس، عليك أن لا تطمع فيما بأيديهم، وحتى تحبك النخبة عليك أن لا تنافسهم”، فالرجل لم يكن ينافس على موقع ولم يكن يطمع بما في أيدي الناس، على حد تعبيره.

ويقول البزور عن صديقه السعد: لم يكن يصلي في مسجد محدد بإربد، فكان الناس يشاهدونه دائماً في أكثر من مسجد، وربنا أكرمه بالحج قبل أربع سنوات أو خمس ونحن لا نزكي أحدًا على الله.

“لي به صلة شخصية، لا أستطيع إلا أن أشيد بمناقبه الحسنة الجميلة وأشعر بخسارة شخصية، رغم أني لم أعالج عنده كونه كان بيننا حديث يجمعنا عندما نلتقي شؤون الأردن والقضية الفلسطينية وشؤون السياسة بشكلٍ عام”، بهذه الكلمات يصف البزور العلاقة التي جمعته بالراحل السعد.

ويضيف أنه “على الرغم من أن مرجعيتي الثقافية والحزبية غير مرجعيته، فأنا مرجعيتي إسلامية ومرجعيته القومية، لكنه لم يحدث بينا في يومٍ من الأيام شحناء أو توتر”.

ويختم حديثه لـ “البوصلة” بالقول: “يجب على هذا السياق أن تكون جميع علاقاتنا، فأنا حبي لفلسطين وحبه لفلسطين، لم يكن يتناقض مع حبه لمخيم إربد والصريح والمغير ولبني كنانة، ومن يرى غير هذه الرؤية يجب أن يعيد النظر في دينه ويعيد النظر في عروبته ويعيد النظر في وطنيته”.

السعد.. الطبيب الماهر الزاهد فيما أيدي الناس

ومن أكثر ما يلفت الأنظار ويزيد الإعجاب بهذا الطبيب الماهر الذي لا يمكن أن يخطئ في تشخيص مرضاه كما يصفه كل من تعامل معه وعرفه من أهل محافظة إربد، أنه إنسانٌ قنوعٌ جدًا وزاهدٌ في هذه الدنيا، فرغم الحشود التي تجتمع كل يوم في عيادته إلا أن عيادته اتسمت بالبساطة والتواضع؛ فضلاً عن أن الرجل لم يكن يظهر بأي مظهر من مظاهر “الترف والفشخرة” رغم أنه كان قادرًا على ذلك لو أنه فرض كشفية على المرضى مثل تلك التي تحددها نقابة المهنة.

“فالدكتور رضوان السعد صاحب عيادة بسيطة ومتواضعة، كنت صغيرًا في ذلك الحين، وهو رحمه الله كان إنسانًا قنوعًا لأبعد الحدود”، بهذه الوصف عن الراحل تحدث المواطن الأردني إيهاب أبو الهيجاء لـ “البوصلة”.

“كل العائلة منذ أن فتح عيادته حتى جدتي ووالدي رحمهما الله وأطفالي وكل أفراد العائلة كنا نتردد على عيادة الدكتور رضوان السعد للعلاج”، يؤكد أبو الهيجاء.

ويرفض أن يكون مراجعة جميع أفراد أسرته للسعد بسبب الكشفية المتواضعة، فيقول أبو الهيجاء: “لم نكن نذهب للطبيب لأن كشفيته رخيصة؛ بل لأنه طبيبٌ بارع في مهنته ولا تخرج من عنده إلا وفي يدك التشخيص الصحيح لحالتك، وعلى الرغم من محاولاتي المتكررة إعطاءه مبلغًا أكبر من الكشفية المعتادة إلا أنّه كان يرفض ويصر على المبلغ الرمزي الذي يتقاضاه مقابل الكشفية”.

بل إنه يذهب لأبعد من ذلك فيقول: “الدكتور رضوان السعد باختصار كان يحمل المعنى الإنسان لمهنة الطب بكل صدقٍ وكل حب”، على حد وصفه.

يقول أبو الهيجاء فيما يذكره عن الراحل السعد: في بداية الثمانينات وحتى بداية التسعينات كان الدكتور رضوان السعد يتقاضى كشفية تقدر بنصف دينار أو أقل من ذلك.

ويتابع حديثه بالقول: ورفض كل الضغوط التي مورست عليه لرفع الكشفية، وكان المرحوم السعد يرد بالقول: “أنا صاحب قضية ومهنتي إنسانية وهم فقراء وأنا مكتفٍ بهذا القدر”.

ويؤكد أنه “تمّ تخييره بين زيادة الكشفية أو العمل مجانًا، وتحت الضغط الشديد رفع الأجرة من نصف دينار إلى دينار”.

يقول أبو الهيجاء: كان يدخل عليه المراجعون والمرضى، ولم يكن يطلب منهم الأجرة مطلقًا، وكثيرٌ ممن كانت أوضاعهم المادية صعبة كانوا يتلقون الفحص والعلاج ولا يدفعون قرشًا واحدًا، ولم يكن يسألهم مطلقًا.

في بعض المشاهد الإنسانية الراقية التي يمكن أن نعدها اليوم ضربًا من الخيال، لكن السعد جعل منها واقعًا معاشًا عمّق محبته في قلوب الفقراء الذين يراجعون عيادته، يؤكد أبو الهيجاء أنه كان يدخل إلى عيادته عددٌ من الأفراد ثلاثة أو أربعة ويتلقون الفحص اللازم والعلاج بـ “دينار واحد” فقط وتنتهي الأمور.

ويتابع حديثه لـ “البوصلة”: الدكتور رضوان السعد رحمه الله كان قديرًا جدًا في مهنته الطبية، فنحن كعائلة نراجع الدكتور السعد خلال المشاكل الصحية التي كانت تواجه أفراد العائلة، فكان تشخيصه للحالة أفضل من أطباء الاختصاص في كثيرٍ من الأحيان.

ويضيف: كنا نذهب للمستشفى ويشخص لنا الأطباء الحالة بطريقة، ومن ثم نعود للدكتور السعد فيشخص لنا تشخيصًا آخر فنتبع تشخيصه ويكون بالفعل هو الأصوب، وكثيرًا ما تكررت معنا هذه المواقف.

ويؤكد أبو الهيجاء قائلا: على الرغم من أن عيادته متواضعة وبسيطة وأدواتها متواضعة جدًا، لكنك إذا دخلت إليه رحمه الله تشتكي من أذنك ولاحظ شيئًا في عينك فإنه يفحص لك عينك أيضًا، وإن شاهد أي ملاحظة أخرى على جسم المريض فإنه لا يتوانا عن تقديم الكشف والنصح اللازم وكأنه أبٌ يتفحص أبناءه ويخشى عليهم ويقدم لهم المرهم المداوي.

“آخر شيء يفكر فيه المال، وعيادته مكتظة طوال الوقت، فإن وصلت التاسعة صباحًا للحصول على الكشف الطبي لديه، فإن دورك سيكون عصر ذلك اليوم”، على حد تعبير أبو الهيجاء.

ويضيف، كان الراحل السعد يتلمس حاجة مرضاه ويحس بحاجتهم وفاقتهم وكان لديه ميزة عجيبة، فهو لم يكن يكتب للمرضى سوى الأدوية “رخيصة الثمن الفعالة في العلاج”، ليس هذا فحسب، فطبيب الفقراء لم يكن يبخل على مراجعيه بعينات الأدوية المجانية التي كان يتحصل عليها من شركات الدواء ليخفف عنهم كلفة العلاج قدر المستطاع.

وينوه إلى أنه وعلى الرغم من الازدحام الشديد لديه في عيادته؛ إلا أنه يستقبل مراجعيه بابتسامة جميلة وهدوء شديد، ويعطي كل مريضٍ حقه من الفحص اللازم.

ويختم بوصف مشهد من حياة هذا الطبيب الزاهد بالقول: سيارته متواضعة جدًا من نوع “لادا” من السيارات القديمة، ولا يحب “البذخ والفخفخة” ولن تجد إنسانًا قنوعًا مثله فهو لا يحب المنظرة، أبدًا.

السعد “أيقونة الخير والعطاء”

ولم يكن لزملاء السعد في مهنة الطب إلا أن ينعوه بمشاعر عميقة من الحزن والألم، فنبأ رحيل قامة من القامات العالية في خدمة الإنسانية وعمل الخير في وطننا العزيز كان صادمًا للجميع.

يصفه زملاؤه بأنه كان بلسما لعلاج الفقراء وخير عون لهم.. فقد رحل تاركاً خلفه دروساً في الإيثار والتضحية وحب الخبر حيث وهب حياته طيلة عقود يداوي ذوي الدخل المحدود في مخيم اربد دون مقابل وبرمزية.

وبعيون زملائه كل هذا الرصيد من العطاء والحب جعله يحصد قلوب جميع أبناء الوطن بكل ما فيها من التقدير والاحترام حتى اصبح أيقونة الخير والعطاء.

ويصفون مشهد وداعه إلى مثواه الأخير بالقول: ها هم الألاف من أبناء الوطن من محبيك أتوك اليوم مودعين ومشيعين من كافة أرجاء الوطن وفاء لك ولما قدمت من عطاء قل نظيره.

وتسجل نقابة الأطباء نعيها الأخير بكل الأسف والحزن على رحيل هذا الطبيب الإنسان الذي كان معلما وقدوة لزملائه الأطباء في انتمائه لمهنته المقدسة ومن الذين آثروا مسيرة الوطن ورفعوا الراية بأمانة، وتختم بالدعاء إلى الله أن يرحم الفقيد ويسكنه فسيح جناته وأن يلهم أهله الصبر والسلوان وحسن العزاء.

ميدان الدكتور رضوان السعد

وإن كانت بلدية إربد الكبرى قررت تسمية تقاطع شارعي القدس مع القادسية باسم ميدان الدكتور رضوان السعد ليبقى معلمًا بارزًا لهذا الإنسان الطبيب الذي غمر الشمال وكل الوطن بكريم فعله وحسن خصاله، إلا أن الميدان الأكبر الذي سيبقى حاضرًا فيه “طبيب الفقراء”، هو قلوب محبيه ومن ترك على أرواحهم بلسمه الشافي ومبادئه العليا بأن تحرير الأوطان والطريق إلى القدس لا يكون إلا بالتضحية والبذل والإيثار.  

(البوصلة)

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *