سحرُ الصدقةِ

سحرُ الصدقةِ

نشرة فاعتبروا 92

الدكتور عبدالحميد القضاة

          يقول الغزالي رحمه الله جاءتني برقية من البلد تطلب حضوري فورًا، فأدركت أن خطرًا داهم الأسرة، وسافرتُ وأنا مشتت الذهن، واسودّت أفكاري عندما رأيت دكان أبي مغلقا، تحرّكت قدماي بلا وعي إلى البيت، ورأيتُ أبي يصرخ من “مغص كلوي” أُصيب به، والأولادُ من حوله حيارى، وقد أعطاه الطبيب بعض الأقراص المخدّرة، ولكن الآلام كانت أربى وأقسى.

          وقال الطبيب لا بد من جراحة تستخرج ما في الكلى من حُصيَّات، وفتحتُ الدكان ووقفت مكان أبي أعمل، وأنا خبيرٌ بذلك لأني في أثناء الإجازة الصيفية أساعده، ومضت عدة أيام ونحن نتروّى ونتدارس ما نصنع، أجور الأطباء فوق الطاقة، ولو أمكن إعدادها فإن الجراحة يومئذ غير مأمونة العُقبى، وقد مات عمٌّ لي في جراحة مشابهة، ماذا نصنع؟.

          وحاصرني غمٌ ثقيل، وأخذت شخوص الأشياء تتقلص أمام عيني، وثبّتُ بصيرتي على شيء واحد، الله وحسب!، وجاء رجل يشتري بعض الأغذية، ولما قدمتها له قال لي بصوت ضارع: ليس معي ثمن الآن، وأقسم بالله أنّه صادق، وأنّه غدا يجيء بالثمن .

          وكان الرجل محرجا فقلت له: خذ البضاعة وهي مني إليك، وانصرف الرجل غير مصدّق ما سمع، أما أنا فذهبت إلى ركن في الدكان، وقلت: يا ربّ، نبيّك قال لنا: “داووا مرضاكم بالصدقة”!، فأسألك أن تشفي أبي بهذه الصدقة، وجلستُ على الأرض أبكي، وبعد ساعةٍ سمعت من يناديني، فذهبت على عجل، وفوجئت بأبي يلقاني وراء الباب يقول: لقد شفيت بحمد الله، وفي صباح اليوم التالي كنت في الكلية أحضر الدروس مع الزملاء.

تنافر الشكل والمضمون

          المرأة التي تلبس جلباباً أضيق من جلدها، ينم عن كل مفاصل جسمها، ماذا أخفت من مفاتنها؟!، ما الفرق بينها وبين الحاسرة؟،هل هذا منسجم مع مضمون التدين والجلباب؟.

          أمّا الشاب الذي رأيته يُصلي بالمسجد بالبنطلون القصير، بحجة أنه يستر العورة، أو الذي يرتدي الجينز الساحل، وفوق ذلك ينقر صلاته كنقر الديك، وهو يحسبُ أنه يُحسن صُنعا.

          والمتدين الذي ثار شعره وطالت لحيته، لا يُكرمها لا تهذيبا ولا ترتيبا، وكأنّ كل شعرةٍ من لحيته أعلنت الحرب على أختها، ونسي أنّ ديننا كلهُ ذوقٌ وجمالٌ، وحُسن مخبرٍ و مظهرٍ.

          صورٌ تعكسُ بعض واقعنا اليوم، فهل نعيها ونبدأ بتبديلها في أسرنا أولاً؟، ونعلّمها أبنائنا وبناتنا كي يتجنبوها، ونتعاهد أن ننبذ التنافر، لينسجم المظهر بالمضمون في حياتنا،  لقوله تعالى : “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ”.

(البوصلة)

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *