سوريا .. الشاهد والمشهود

كل العالم خذل الشعب السوري، والعرب على رأس المُدانين، وإنْ يشفع لهم أن جلَّ أنظمتهم من طراز نظام المجرم بشار الأسد، ولكن لم تتح لكثيرين منهم الفرصة بعد لإظهار مدى قدرتهم على البطش وسفك دماء شعوبهم. على أي حال، الخذلان هو الخذلان، إذ تُرك السوريون لمصيرهم المحتوم أمام أدوات إجرام نظام الأسد والقوات الروسية وعسكر إيران ومليشياتها. أما ثالثة الأثافي فكانت تحميل الضحية مسؤولية الإرهاب وفشل الثورة الشعبية، فالشركاء في الخذلان لا يعنيهم أكثر من 400 ألف قتيل سوري (مصادر ترفع العدد إلى مليون)، وملايين الجرحى والمصابين، وثلاثة عشر مليوناً لا يجدون طعاماً يسد رمقهم كل يوم، وستة ملايين مهجّر خارج بلاده، ومثلهم نازحون داخلها، و100 ألف معتقل حالي، ومثلهم قتلوا في أقبية تعذيب النظام، وأكثر من 200 ألف مجهولي المصير. دع عنك الشرخ الذي لحق بالنسيج الاجتماعي لسورية، إذ حوّلها إلى طوائف وإثنيات، وتضييع جيل كامل فيها، والدمار الهائل الذي أتى على أغلب بنيتها التحتية.. إلخ. ومع ذلك، لا يزال هناك من يتهم الشعب السوري وثورته، يلصق بهما كل الرزايا والمصائب. إنه فعلاً عالم لئيم، الإنسانية والأخلاق فيه شعارات يُعَرِّفُهما القوي كيفما شاء ويفرضهما تعسفاً أينما شاء.
أسامة ابو ارشيد

كل العالم خذل الشعب السوري، والعرب على رأس المُدانين، وإنْ يشفع لهم أن جلَّ أنظمتهم من طراز نظام المجرم بشار الأسد، ولكن لم تتح لكثيرين منهم الفرصة بعد لإظهار مدى قدرتهم على البطش وسفك دماء شعوبهم. على أي حال، الخذلان هو الخذلان، إذ تُرك السوريون لمصيرهم المحتوم أمام أدوات إجرام نظام الأسد والقوات الروسية وعسكر إيران ومليشياتها. أما ثالثة الأثافي فكانت تحميل الضحية مسؤولية الإرهاب وفشل الثورة الشعبية، فالشركاء في الخذلان لا يعنيهم أكثر من 400 ألف قتيل سوري (مصادر ترفع العدد إلى مليون)، وملايين الجرحى والمصابين، وثلاثة عشر مليوناً لا يجدون طعاماً يسد رمقهم كل يوم، وستة ملايين مهجّر خارج بلاده، ومثلهم نازحون داخلها، و100 ألف معتقل حالي، ومثلهم قتلوا في أقبية تعذيب النظام، وأكثر من 200 ألف مجهولي المصير. دع عنك الشرخ الذي لحق بالنسيج الاجتماعي لسورية، إذ حوّلها إلى طوائف وإثنيات، وتضييع جيل كامل فيها، والدمار الهائل الذي أتى على أغلب بنيتها التحتية.. إلخ. ومع ذلك، لا يزال هناك من يتهم الشعب السوري وثورته، يلصق بهما كل الرزايا والمصائب. إنه فعلاً عالم لئيم، الإنسانية والأخلاق فيه شعارات يُعَرِّفُهما القوي كيفما شاء ويفرضهما تعسفاً أينما شاء.

أكثر من عشر سنوات مضت على اندلاع ثورة شعبٍ طلباً للحرية والكرامة، كاد خلالها نظام الطاغية الأسد أن يسقُط، لولا دخول الإيرانيين ومليشياتهم على خط إسناده، ثمَّ جاءت روسيا، بعد أن بدا أن الأولين عاجزون عن أداء المهمة وحدهم. خلال تلك الفترة، دعت واشنطن الأسد إلى التنحّي، ثمَّ أعلنت عدم شرعيته، وبعد ذلك صَعَّدَتْ من حدّة نبرتها ضد نظامه، محذّرة إياه من استخدام الأسلحة الكيميائية، وعندما فعل، مرّات ومرّات، كان الردُّ الأميركي، تحت إدارة باراك أوباما، صفقة لتجريده من مخزونه الأساسي من ذلك السلاح حماية لإسرائيل، ثمَّ قصفاً محدوداً لبعض مواقعه العسكرية تحت إدارة دونالد ترامب. أما الجريمة الكبرى التي ارتكبتها الولايات المتحدة بحق الشعب السوري فكانت في منع التسلح النوعي عن الثوار، وتركهم مكشوفين أمام آلة سحق النظام من دون لجمه على الأقل.

لم تكن التنظيمات المتطرّفة، كالقاعدة وداعش، لتجد موطئ قدم لها في سورية، لولا خنق واشنطن الثورة الشعبية والثوار الوطنيين، وبعد ذلك حَمَّلَتْهُم مسؤولية الفشل، معلنة أن الأولوية هي للحرب على الإرهاب! ليس الأميركيون وحدهم هم المتواطئون في الجريمة، ولا حتى الأوروبيون كذلك، بل إن أنظمة عربية وغير عربية كثيرة خذلت السوريين، عندما خضعت للفيتو الأميركي في نوعية التسلح الذي كانت تحتاجه الفصائل الوطنية للثورة. هؤلاء من خذلوا عربياً، أما من تواطأوا وهم شركاء في الدم السوري، فقد عمدوا إلى محاولة إفساد الثورة من داخلها، وتفسيخها وتشظيتها، وشراء ذمم كثيرين ممن زعموا انتماءهم لها، بل وحتى إيجاد تياراتٍ فيها ولاؤها لهم، وسلاحها وأفعالها على ثورة شعبهم وثوارهم. جميعهم، عرباً وعجماً، غرباً وشرقاً، أرادوا سورية ثقباً أسود يمتصّ روح التغيير التي سرت في الجسد العربي، وقد كان لهم ما مكروا، ولكن ذلك جاء على أنقاض حُطام العرب، وليس سورية فحسب.

اليوم، وبعد أكثر من عقد، تمضي، على قدم وساق، جهود تعويم بشار الأسد من جديد وإعادة نظامه إلى “الحظيرة العربية”. هذا التعبير ورد على لسان وزير الخارجية المصري، سامح شكري، خلال لقائه، قبل أيام، مع نظيره السوري، فيصل المقداد، في نيويورك على هامش اللقاء السنوي للجمعية العمومية في الأمم المتحدة. هي فعلاً “حظيرة”، فنحن الشعوب في منظار كثير من أنظمة التسلّط العربي مجرد أنعام، بل أقلّ، وهم أنفسهم في منظار العجم، شرقاً وغرباً، إقليمياً ودولياً، أنعام كذلك، بل أضلّ. بذلك تنتصر إيران التي يزعم بعض العرب إنهم يناصبونها العداء، وهي تلطّخ وجوههم كل يوم بعار الهزائم، وتنتصر روسيا التي تقول أميركا إنها شريكة في العدوان ودورها تخريبي في سورية، وينتصر الأسد الذي يسارع عربٌ كثيرون إلى طلب رضاه، وكأنه لا يزال فعلاً الحاكم بأمره في دمشق، وليس مجرّد ذليل تابع لأولياء نعمته في طهران وموسكو.

ستبقى سورية شاهدةً على النفاق والإجرام والتواطؤ والخذلان، يستوي في ذلك غربٌ يزعم الديمقراطية، وشرقٌ يباهي بالاستبداد، وفضاء عربي هجين، ممزّق ومهلهل، يشكو إلى ربه تداعي الخصوم وخيانة من يزعمون أنهم “الأقربون”، في حين أنهم هم العدو الذي ينبغي الحذر منهم أولاً في سيرورة صناعة الفجر المقبل، مهما استطال زمانه وأوانه.

(العربي الجديد)

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on email

رابط مختصر للمادة:

  • Trending
  • Comments
  • Latest