عقدة الفرانكوفونيّة الدائمة.. حرب ماكرون الجديدة ضد الإنجليزيَّة؟

عقدة الفرانكوفونيّة الدائمة.. حرب ماكرون الجديدة ضد الإنجليزيَّة؟

هي القاعدة التاريخية في العلاقات الإنجليزية الفرنسية، منذ حرب الـ100 عام إلى الحروب النَّابولونيَّة. كانت هذه الحروب تدور رحاها على مستويات أخرى، غير الاقتتال الميداني، في مجالات الثقافة والفن والفكر والمعيش اليومي، تناقضَ الإنجليز والفرنسيون ولا زالوا يتناقضون إلى يومنا هذا، حيث نسمع مثلاً مدوناً فرنسياً مشهوراً يعيب على فيلم تاريخي بأنه “فرانكوفوني”، أو تكتب مجلة إلكترونية إنجليزية متسائلة “لماذا لا تتعلَّم الطَّبقة المتوسِّطة الفرنسية حبَّ البريطانيين؟“.

إذاً هو شعور قديم جديد، يزيد تأجيجه التوجه المطرد نحو اليمين الأكثر محافظة، داخل حكومتي كلٍّ من ماكرون وبوريس جونسون. كما يمكِّنه من الصعود إلى سطح النقاشِ العامِّ الاستقطابُ الكبير الذي تلا خروج المملكة المتَّحدة من الاتحاد الأوروبي، والمشاكل الكثيرة التي لا زالت عالقة بين ضفتي بحر المانش.

ومن هذين المعطيين نستطيع أن نقرأ الجهود الأخيرة للرئيس الفرنسي، بتغيير اللغة المعتمدة للتواصل بين هياكل الاتحاد من الإنجليزية إلى الفرنسيَّة، كامتداد للتوتر التاريخي المتوارث بين اللغتين والشعبين، كمحاولة من الرئيس الفرنسي أن يعيد تمثيل الدور النابوليوني كآخر زعيم فرنسي جابهَ لندن. فهل سيعيد التاريخ نفسه هذه المرَّة؟

لغة عمل الاتحاد إلى الفرنسيَّة.. ماكرون يطالب

ستتولى رئاسة المجلس الأوروبي فرنسا سنة 2022، وعلى رأس أجندة رئيسها ماكرون الدفع بتغيير لغة عمل الاتحاد من الإنجليزيَّة إلى الفرنسية. هو ما جاء به تقرير لموقع Politico، مردفاً أن باريس وهي تترأس المجلس المذكور لأول مرة منذ البريكسيت، ترى في الأمر فرصة مناسبة لتنصيب لغتها الأم كـ”لغة عمل” معتمدة بالنسبة إلى كل هياكل الاتحاد الأوروبي.

ونقل التقرير ذاته عن لسان دبلوماسي فرنسي قوله: “حتى وإن اعتبرنا اللغة الإنجليزية هي لغة عمل مشتركة، فالتعبير بالفرنسية لا زال له موضع اعتباري داخل الاتحاد الأوروبي”، وأضاف: “علينا إغناء اللغة الفرنسية وإحياؤها، كي تعود في الأخير إلى سيادتها، مع الافتخار والاعتزاز باللسان الأوروبي”.

هذا وأكّد ديبلوماسي آخر للموقع ذاته، أن كل الاجتماعات الرفيعة المستوى بين باريس وبروكسل، من أجل ترتيب أجندة الرئاسة الفرنسية للمجلس، ستسير نحو الدفع باللغة الفرنسية عوض الإنجليزية كلغة عمل في أثناء مدة الرئاسة تلك. موضحاً، كآلية ضغط في هذا الصدد، “سنلزم الاتحاد بمراسلتنا باللغة الفرنسية، وإذا لم يتم ذلك في المرات الأولى سننتظر منهم إرسال نسخ فرنسية لها”.

فيما سبق لوزير الخارجيَّة الفرنسي، كليمونت لوبون، أن قال إثر إعلان رئاسة بلاده للمجلس: “إن الرئاسة الفرنسية خلقت الفرصة السانحة من خوض صراع عالي المستوى من أجل التعدد اللغوي”، ويقصد بذلك التنافس بين الفرنسية والإنجليزية داخل الاتحاد. الذي عبَّر عنه نفس الوزير الفرنسي، بعد التوقيع على الاتفاق النهائي للخروج البريطاني من الاتحاد، بأنه “على أوروبا أن توقف العمل بلغة بريطانيا المنشقَّة”، وأن تختار بدل ذلك “لغة من لغاتنا الأوروبيَّة”.

كما أن هذا ما سيتأكد بعد ذلك على لسان Le Figaro الفرنسية، وهي تهلل بالرئاسة الفرنسية المشار إليها، وتعلن في ما يشبه صرخة حرب أنها “لحظة تاريخية للفرانكوفونيَّة، ولا يجب على فرنسا أن تتنازل (عن سيادة لغتها على الاتحاد)! لننطلق إلى الأمام! “.

الصراع القديم الجديد حول لغة العمل

إحصائياً، وحسب بيانات الاتحاد الأوروبي 43% من الأوروبيين يتكلَّمون الإنجليزية كلغة أجنبية، مقابل 16% فقط يتحدَّثون الفرنسية كلسان ثانٍ. فيما مجموع متحدثي الفرنسية، مع من تكون لغتهم الأم، لا يتعدى 30% من ساكنة الاتحاد. واستناداً إلى هذه الأرقام يدافع مناصرو استعمال الانجليزية كلغة عمل أولى للاتحاد الأوروبي عن رأيهم.

النزاع حول لغة عمل الاتحاد، بين الفرنسيين والإنجليز، ليس جديداً. حيث تعود جذوره إلى السنوات الأولى من تأسيس الاتحاد، عندما اشترك كل من الفرنسيين والألمان في الإحساس بـ”تهميش” لغتهم مقابل الإنجليزية. وفي سنة 2001 راسلت كل من خارجية فرنسا وألمانيا رئيس المفوضية وقتها، رومانو برودي، محتجتين على مشروع طرحه أحد المفوَّضين يروم اعتماد النصوص التشريعية بلغة الأولى ودون اللجوء إلى الترجمة، ما اعتبرته الخارجيتان “أمراً مرفوضاً ويخدم أحادية اللغة في الاتحاد”.

كما يذكر في سنة 2006 حادثة حصلت خلال قمة أوروبية جمعت رؤساء الدول الأعضاء برجال الأعمال، حينما خاطب رئيس الرابطة الفرنسية لأرباب العمل، أنطوان سيليير، الحضور باللغة الإنجليزية. وقتها قاطعه الرئيس الفرنسي، جاك شيراك، حانقاً: “لماذا تتكلم بالإنجليزية؟”، ردَّ رجل الأعمال: “لأنها لغة الأعمال اليوم”. قبل أن يغادر الرئيس الفرنسي قاعة الاجتماعات غاضباً، حيث صرَّح للصحافة بعدها: “لقد صدمت من الأمر، أن يتحدَّث رجل أعمال فرنسي باللغة الإنجليزية هو أمر صادم!”. ممَّا يظهر عمق عقدة اللغة عند الزعماء الفرنسيين، ويبين أن مع ما استجد من خروج بريطانيا من الاتحاد، أن الحكومة الفرنسية تود جعلها فرصة من أجل طرح الموضوع مرة أخرى على الطاولة.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *