على خطى شارع الشهداء بالخليل.. إسرائيل “تخنق” أهالي الشيخ جراح

على خطى شارع الشهداء بالخليل.. إسرائيل “تخنق” أهالي الشيخ جراح


الاحتلال الإسرائيلي فرض إجراءات عسكرية مشددة، مكنته من شلّ “شارع الشهداء” وتهجير سكانه، وبدأت الإجراءات تتكرر في حي الشيخ جراح بالقدس

– “شارع الشهداء” مغلق تماما أمام الفلسطينيين، ويسمح لمن تبقى من سكانه فقط الدخول عبر حواجز مشددة
– عماد أبو شمسية: أقمت عرس ابنتي خارج منزلي ليتمكن أقاربي من حضوره
– عيسى عمرو: ما حصل في “شارع الشهداء” يجري تطبيقه في حي الشيخ جراح
– مفيد الشرباتي: نحن نعيش في سجن ولا يسمح لأحد بزيارتنا

منذ أسابيع، بدأ الاحتلال الإسرائيلي سلسلة إجراءات عسكرية في مدينة القدس، من شأنها تقييد الوصول إلى حي الشيخ جراح، إلا للمستوطنين وبعض ساكنيه من الفلسطينيين.

وفي موازاة ذلك، تستمر محاولات المستوطنين الاستيلاء على منازل فلسطينية، ما أثار مخاوف من تكرار تجربة “شارع الشهداء” المحاصر وسط مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية، في القدس.

** بداية الحصار

بدأ حصار حي الشيخ جراح، في مايو/ أيار الماضي، بوضع مكعبات إسمنتية وسواتر حديدية على مداخله، مع منع الدخول “سوى لسكان الحيّ والصحفيين، ويجري طرد أي متضامن”، بحسب ما نشرت الناشطة منى الكرد في حينه، على حساباتها بمواقع التواصل.

وأظهرت مقاطع مصورة متداولة كيف يمضي المستوطنون في طريقهم من بين الجنود والمكعبات الإسمنتية، بينما ينتظر أطفال فلسطينيون من الحي إذن العبور إلى منازلهم.

وتواجه 27 أسرة فلسطينية في حي الشيخ جراح التهجير من جانب إسرائيل التي قررت محاكمها، لمرات عدة طوال سنوات، إخلاء منازلها لصالح مستوطنين، على الرغم من استخدام هؤلاء وثائق مزورة في تلك المحاكم لادعاء ملكيتها، بحسب تأكيد السلطة الفلسطينية.

** قصة شارع الشهداء

بدأ التضييق على شارع الشهداء في الخليل مع احتلال المدينة عام 1967، ثم اشتد مع إقامة أول بؤرة استيطانية في مبنى “الدّبوية” الفلسطيني في الشارع ذاته عام 1978، ثم بؤرة أخرى في مدرسة أسامة بن المنقذ عام 1983، وبؤرة ثالثة في حي تل الرميدة الفلسطيني عام 1984.

يبدأ الشارع من آخر نقطة تمتد إليها سيطرة السلطة الفلسطينية، بمنطقة “باب الزاوية” وسط المدينة، ويمتد شرقا نحو 560 مترا باتجاه عمق البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي، لينتهي عند الحسبة (السوق المركزي)، أحد أهم أسواق الضفة الغربية، قبل أن يغلقه الاحتلال عام 1994، مقررا تحويله إلى بؤرة استيطانية.

في 25 فبراير/ شباط 1994، نفذ مستوطن إسرائيلي مجزرة في المسجد الإبراهيمي راح ضحيتها 29 شهيدا وعشرات الجرحى. ومنذ ذلك الوقت أغلق الاحتلال “شارع الشهداء” حتى اليوم وواصل التضييق على سكانه.

بدأ إغلاق الشارع بحواجز مأهولة تدقق في هويات المارة، أبرزها حاجز على مدخله الغربي أضيفت له سواتر حديدية ومكعبات إسمنتية، ثم بوابات حديدية يطلق عليها “معاطات”، وهي بوابات لا تسمح إلا بمرور شخص يضطر للدوران معها. وقد سميت بهذا الاسم نسبة لآلة فصل الريش عن الدجاج.

ومنذ عام 2015، أغلق الجيش الإسرائيلي تماما مدخل الشارع بحاجز عسكري شديد التحصين، وأضاف بوابة إلكترونية، وأعد قوائم للسكان لا يسمح لغيرهم بالدخول من خلاله.

** قائمة لا تنتهي من الممنوعات

يصف عماد أبو شمسية، وهو أب لخمسة أطفال، ويسكن في شارع الشهداء منذ 12 عاما، الحياة في الشارع بأنها “مليئة بالتعقيدات” مشيرا إلى “3 حواجز ضخمة عسكرية للدخول والخروج” تخضع السكان للتفتيش.

ويضيف في حديثه للأناضول: “قائمة الممنوعات لا تنتهي (..) لجعل حياة المواطن غير طبيعية من خلال هذه الحواجز وعمليات التفتيش واعتداءات الجيش والمستوطنين”.

ويتابع: “من خلال الحواجز يتم إخضاعك بالكامل للتفتيش عبر بوابات إلكترونية، وهناك كاميرات لا نعلم عددها وما تصنعه من أمراض للمواطن الفلسطيني”.

وفي إشارة للضغوط الاجتماعية، يقول أبو شمسية: “يمنع الأهالي مثل والدي والدتي وأصدقائي بالدخول إلا بأرقام معينة وضعت لساكني شارع الشهداء وتل الرميدة (المحاذي للشارع) فقط”.

ويضيف: “لا يوجد أي علاقات اجتماعية هنا بسبب منع الاحتلال”.

وأشار إلى أنه اضطر لإقامة عرس ابنته بعيدا عن منزله في “شارع الشهداء”، لعدم تمكن العريس وذويه من الوصول إلي بيته.

** نعيش في سجن ولا نشعر بالأمن

ويعيش الستيني مفيد الشرباتي في منزله بـ “شارع الشهداء” على الرغم من قسوة الحياة، وظل لسنوات طويلة يصل إليه بطرق خلفية ومن خلال بيوت جيرانه بسبب الإجراءات الإسرائيلية في الشارع.

يقول لـ “الأناضول”: “الشارع مغلق كليا، وبات أشبه بسجن”.

ويضيف: “بدأ التضييق على الشارع بوضع حواجز حديدية وإفساح المجال للمستوطنين لأداء طقوس دينية، ثم تطور التضييق إلى اعتداءات على السكان”.

ويردف: “طُردنا من بيوتنا، ثم عُدنا عنوة، على الرغم من وجود الجيش داخله، ورفضنا عروضا لبيعه، لكن الحياة ازدادت قسوة بعد انتفاضة 1987، ثم مجزرة الحرم عام 1994، ولاحقا في انتفاضة الأقصى عام 2000”.

ويقول: “أصبحت الحياة أكثر سوءا عام 2015، حين اعتبرونا مجرد أرقام تتيح لنا الدخول والخروج من الحاجز العسكري، ومن لا يحفظ رقمه في سجلهم لا يسمح له بالدخول”.

ويضيف: “زيارتنا ممنوعة، نعبر المَعّاطة وبوابة إلكترونية، ثم نخضع للتفتيش والتدقيق في الهويات إلكترونيا، قبل السماح لنا بالوصول إلى بيوتنا على بعد أمتار فقط من الحاجز”.

ويقول إن إدخال احتياجات المنازل “يحتاج تنسيقا مسبقا مع الجيش، حتى لو كان كيسا من الخبز يخضع للتفتيش والتدقيق”.

في مشهد معاكس، يقابل التضييق على المواطنين الفلسطينيين، بتمتع المستوطنين بكامل الحرية في الحركة والاعتداء على السكان، ويسمح لهم باستخدام سيارات في الشارع، بل ويَمنعون الفلسطينيين من الحركة، بحسب الشرباتي.

ويضيف: “تعرضت منازلنا لهجوم المستوطنين أكثر من مرة، وفي كل مرة يأتي الجيش ويداهم ويفتش بيوتنا نحن، إنهم (المستوطنون) يفرضون علينا شبه حظر للتجول”.

** مخاوف من نقل التجربة إلى القدس

عيسى عمرو، من سكان حي تل الرميدة، أحد الأحياء التي يخدمها “شارع الشهداء”، وهو ناشط عمل على إثارة قضية “شارع الشهداء” عالميا ضمن حملة بعنوان: “أعيدوا فتح شارع الشهداء”.

يقول عمرو لـ “الأناضول” إن مئات العائلات الفلسطينية أُجبرت على الهجرة من منازلها على طرفي الشارع، ومن البلدة القديمة في الخليل.

ويضيف: “قام (مستوطن) بمجزرة (في المسجد الإبراهيمي) 1994 راح ضحيتها 29 شهيدا، وكانت نتيجتها وضع حواجز وإغلاق المسجد الإبراهيمي وتقسيمه مكانيا وزمانيا”.

ويتابع: “بعدها بدأت إجراءات كبيرة جدا من خلال حواجز على مداخل البيوت والمنازل: 22 حاجزا مثل هذا (على مدخل شارع الشهداء) وأكثر من 100 عائق حركي”.

ويشير إلى إغلاق معظم المحلات التجارية، وعددها أكثر من 1800 محل، وإغلاق المنازل والبدء في “تهويد المنطقة”.

ولفت إلى “تغيير أسماء الشوارع والحارات من أسماء فلسطينية عربية إلى أسماء يهودية عبرية، وهذا ما يحدث في بقية مناطق الضفة الغربية، وخصوصا حي الشيخ جراح في القدس”.

ويشير إلى أن أول الإجراءات في شارع الشهداء كان حاجزا ثم تعزز ليصبح حاجزا إلكترونيا، وفي ذات الوقت إغلاق المحلات وتغيير الأسماء.

يتابع عمرو: “عملية تهويد بدأت في مدينة الخليل ويتم نسخ هذه العملية إلى المدن الفلسطينية الأخرى وخاصة القدس”.

وكما حدث في الخليل، يعبر عمرو عن خشيته “من مجزرة في المسجد الأقصى وتقسيمه زمانيا ومكانيا، وإغلاق المناطق المحيطة به”.

كما يعبر عن خشيته من تحويل “الشيخ جراح وبلدة سلوان كما في الخليل: عشان (لأجْل أن) تدخل بيتك وتطلع بدك تصريح، يعزلونك عن محيطك الخارجي فتضطر للهجرة بشكل طوعي”.

ويضيف: “نشرت قوات الاحتلال 22 حاجزا مأهولا بالجنود، ونحو 100 عائق مادي في شوارع وأزقة البلدة القديمة المؤدية إلى الشارع”.

وينظم تجمع “شباب ضد الاستيطان” (غير حكومي)، الذي أسسه عمرو، في ذكرى مجزرة المسجد الإبراهيمي، كل عام، وقفات في 25 فبراير/شباط (ذكرى المجزرة) من كل عام في عشرات العواصم العالمية للمطالبة بفتح “شارع الشهداء”.

وبحسب اتفاق الخليل (1997) بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، قُسمت المدينة إلى منطقتين “خ1″ وتخضع لسيطرة فلسطينية، و”خ2” وتخضع لسيطرة إسرائيلية، وتقدر الأخيرة بنحو 20 بالمئة من مساحة المدينة، وتقع فيها البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *