فيلم “محاكمة شيكاغو 7”.. عندما تصبح السينما صرخة في وجه الظلم

ليست المرة الأولى التي يخوض فيها المؤلف والمخرج آرون سوركين تجربة “دراما المحاكم”، فقد بدأها عام 1992 بكتابة سيناريو فيلم “قليل من الرجال الطيبين” (A Few Good Men) الذي لعب دور البطولة فيه جاك نيكلسون وتوم كروز وأخرجه روب راينر، ورُشح إلى 4 جوائز أوسكار، وأطلق فيه صرخة “لا يمكنك التعامل مع الحقيقة”.

وذلك قبل أن يعود آرون -في الوقت المناسب تماما- ويهدي الجمهور في منازلهم واحدا من أفضل الأفلام التي عكف على كتابة نصها وتطويره على مدى عقد كامل، عن قصة حقيقية جرت أحداثها عام 1969، أثناء محاكمة 7 أشخاص اتهمتهم الحكومة الفيدرالية الأميركية بالتآمر والتحريض على إثارة الشغب خلال الاحتجاجات على حرب فيتنام، بالتزامن مع انعقاد المؤتمر الوطني الديمقراطي بشيكاغو؛ ليطلق من خلاله صرخة جديدة هي “العالم كله يشاهد”، ويسلط الضوء على قضايا الاحتجاجات التي عادت مؤخرا لتثير قلق أميركا، بفيلم “محاكمة شيكاغو 7” (The Trial of the Chicago 7) الذي عرضته شبكة نتفليكس (Netflix) منذ أيام، ويبدأ في إثارة الجدل.https://www.youtube.com/embed/FVb6EdKDBfU?version=3&rel=1&fs=1&autohide=2&showsearch=0&showinfo=1&iv_load_policy=1&wmode=transparent

دراما المحاكم

وقد اقتحمت السينما قاعات المحاكم بحثا عن العدالة في قضايا مختلفة، فقدمت لنا أروع الأعمال الدرامية التي عُرفت بدراما المحاكم، وكان من أهمها، رائعتا المخرج سيدني لوميت: “12 رجلا غاضبا” (Angry Men12) عام 1957، من بطولة هنري فوندا، والمصنف ضمن أعظم 100 فيلم أميركي. و”الحكم” (The Verdict) عام 1982، من بطولة بول نيومان، والذي رُشح إلى 5 جوائز أوسكار، وأدرج في قائمة أفضل 100 سيناريو في نقابة الكتاب بأميركا عام 2013.

وكذلك فيلم “لقتل الطائر المحاكي” (To Kill a Mockingbird) عام 1962، من بطولة غريغوري بيك وإخراج روبرت موليغان، وقد حصد 3 جوائز أوسكار، ووُصف بأنه “أعظم فيلم قانوني على الإطلاق” من رابطة المحامين الأميركية، وأدرج في “السجل الوطني للسينما” لأهميته الثقافية والتاريخية.

إضافة إلى فيلم “والعدالة للجميع” (And Justice for All) عام 1979، من بطولة آل باتشينو وإخراج نورمان جويسون، و”صرخة في الظلام” (A Cry in the Dark) عام 1980، من بطولة ميريل ستريب وإخراج فريد شبيسي، و”المتهم” (The Accused) عام 1988 من إخراج جوناثان كابلان، والذي نالت عنه جودي فوستر أوسكار أحسن ممثلة.

كما شهد عام 1992 أول تجربة كوميدية في فئة أفلام دراما المحاكم، بفيلم “ابن عمي فيني” (My Cousin Vinny) من بطولة جو بيسكي وإخراج جوناثان لين، وحصلت عنه ماريسا تومي على أوسكار أحسن ممثلة مساعدة.

“سوركين” الشغوف بالحقيقة

يُعد سوركين من أكثر كُتاب هوليود اهتماما بتقديم أعمال مستوحاة من أحداث حقيقية، فهو مبدع مسلسل “الجناح الغربي” (The West Wing) الذي عُرض من 1999 إلى 2006، واحتل المرتبة 70 بين الأعمال التلفزيونية الأعلى تقييما في موقع “آي أم دي بي” (IMDb)، وفاز بجائزتي غولدن غلوب.

وله أيضا فيلم “الشبكة الاجتماعية” (The Social Network) عام 2010 الفائز بـ3 جوائز أوسكار بينها جائزة أفضل سيناريو، و”موني بول” (Moneyball) عام 2011 الذي رُشح لجائزة أفضل سيناريو مقتبس، ثم “ستيف جوبز” (Steve Jobs) عام 2015 الفائز بغولدن غلوب أفضل سيناريو.

وله كذلك “لعبة مولي” (Molly’s Game) عام 2017 الذي رُشح لأوسكار أفضل سيناريو مقتبس أيضا، وهو اليوم يخطو خطوة ملحوظة إلى الأمام بفيلم “محاكمة شيكاغو 7” الذي تظهر فيه موهبته كمخرج يستطيع تقديم فيلم رائع عن أحداث واقعية ستكون خالدة.

براعة التوقيت ودقة الأداء

ليس من قبيل الصدفة أن يُعرض الفيلم في توقيت تكتسب فيه القوانين المناهضة للحركات الاحتجاجية في أميركا زخما، وتلوح في الأفق واحدة من أهم الانتخابات في تاريخ البلاد، على وقع هتاف “العالم كله يشاهد” الذي تردده حركة الاحتجاج، بحسب الناقد بريان تاليريكو في مقال له بموقع روجر إيبرت (Roger Ebert) الفني.

ولم يضع سوركين وقتا في إلقاء المشاهدين في فوضى عام 1968، حيث الاحتجاجات السلمية على الأرواح الشابة التي تُفقد في حرب فيتنام الظالمة، بل قدم افتتاحا صاخبا وضعنا في السياق التاريخي، ليذكرنا بأن الولايات المتحدة تواصل التقاضي بشأن الحرب الثقافية التي بدأتها في ستينيات القرن الماضي، وخاضتها وما تزال تخوضها على جبهات مختلفة منذ ذلك الحين.

ويهيئ سوركين المشهد عبر الحوار المكثف والحركة المستمرة، ليدخلنا إلى قاعة محكمة تجعلنا نشعر بالغضب من العالم.

وعُقدت المحاكمة في لحظة مضطربة من تاريخ أميركا، حيث أحدثت حرب فيتنام انقساما شديدا، استعر باتساع الاغتيالات السياسية وتوغل العنصرية، وتمزق البلاد بسبب الخلافات العميقة بين اليسار واليمين. لنكتشف ما حدث ولماذا حدث، من خلال ربطنا بسلسلة من ذكريات الماضي. كان سوركين بارعا في توظيف لقطاتها الوثائقية للتذكير بوحشية الشرطة آنذاك.

ثم يقدم لنا أبطاله بدءا من ويليام كونستلر (مارك ريلانس) محامي الدفاع الذي حقق حضورا في قاعة المحكمة أكبر مما قد يحققه محام في الواقع، فبدا مثقفا ماكرا يتظاهر بالبساطة لحصد التعاطف، قبل الانقضاض لتقويض السلطة بنفس القدر من الدهاء.

وممثل السلطة القاضي يوليوس هوفمان (فرانك لانجيلا)، هذا المتنمر المغرور الذي أظهر ازدرائه للمتهمين وكشف منذ البداية عن نيته المبيتة للتنكيل بهم وحبسهم نيابة عن حكومة الرئيس نيكسون.. واستخدم منصبه الرفيع لفرض آرائه المتعصبة، وتوزيع أوامر ازدراء المحكمة كأنها أوراق مجانية في مترو الأنفاق.

إلى جانب الطريقة الرائعة التي أدار بها سوركين العلاقة بين الناشط السياسي المعتدل توم هايدن (إدي ريدماين)، والناشط اليساري الراديكالي آبي هوفمان (ساشا بارون كوهين).

وصولا إلى النمر الأسود بوبي سيل (يحيى عبد المتين الثاني) المتهم الثامن من حزب الفهود السود، والذي ظهر في واحدة من أكثر اللحظات المروعة في مشهد تصعب مشاهدته، ليُؤكد أن الشبان السود مستمرون في تحمل سوء المعاملة بسبب لون بشرتهم حتى اليوم.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *