محمود الريماوي
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on telegram
Telegram

رابط مختصر للمادة:

في حلّ السلطة الفلسطينية

محمود الريماوي
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

في أعقاب ارتكاب جريمة اغتيال الناشط نزار بنات في مدينة الخليل المحتلة، 24 من الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، وفي واقعةٍ تستنسخ مداهمات قوات الاحتلال الإسرائيلي البيوت الآمنة في ساعات الفجر الأولى، وتزيد عليها بالتسبب بوفاة “المطلوب أمنياً”، لا مجرّد سوقه مخفورا إلى غياهب السجن، ارتفعت أصواتٌ على منصّات التواصل تنعى سوء سلوك السلطة الفلسطينية وانحطاطه تجاه المعارضين، وخدمة أجندات الاحتلال، لتبلغ بعدئذ درجة نزع الشرعية عن السلطة، والدعوة إلى حلها باعتبار ذلك واجبا وطنيا يضاهي مقاومة الاحتلال نفسه. ولم تعكس موجة السخط العارم هذه تأجّجا آنيا لمشاعر النقمة، وبخاصة أنها اقترنت بخروج مسيرات جماهيرية واسعة في عدة مدن، منها رام الله وليس بعيداً عن مقر السلطة، والخليل مدينة المغدور. وهي من المرّات النادرة التي تخرج فيها مسيرات بهذه الكثافة، احتجاجاً على ممارسات السلطة، إذ سبقتها مظاهر احتجاجية أضيق نطاقاً، على أن النقمة العامة تستند إلى عوامل عديدة، منها استمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال، والامتناع عن إجراء انتخاباتٍ تشريعية ورئاسية، وضعف التفاعل مع صمود غزّة في الحرب أخيرا، إلى اتهامات بالفساد تتردّد على الألسنة، إلى الاحتكار الحزبي للسلطة، وتركيز معظم السلطات بيد رئيس السلطة، إلى ضعف الخدمات الأساسية، وصولاً إلى انسداد آفاق المشروع الوطني الفلسطيني.

وبين هذه الاعتراضات المشروعة، برزت مطالب أخرى، من بينها الدعوة إلى حلّ السلطة باعتبارها “عبئاً وعائقاً أمام تحقيق الأهداف الوطنية”. وليس هذا المطلب جديدا، لكن الإتيان عليه هو الذي يتجدّد بين آونةٍ وأخرى، وسبق لمسؤولين فلسطينيين، بينهم الراحل صائب عريقات ورئيس السلطة نفسه محمود عباس، أن لوّحوا أو هدّدوا بتسليم “المفتاح” لسلطات الاحتلال كي تتحمل العبء. وبطبيعة الحال، ثمّة مرام مختلفة وراء هذا الطرح، فالسلطة تستخدمه للإيحاء بأن الفوضى الأمنية سوف تعم، وأنه لن يكون هناك عنوان فلسطيني يتم اللجوء إليه لضبط الأوضاع، وأن الاحتلال سوف يكون مكشوفا بصفته قوة أمر واقع قهرية، بما يجلب ضغوطا خارجية عليه، وأن من الأفضل أن لا تمارس أطرافٌ خارجيةٌ ضغوطا سياسية على السلطة. أما المعارضون فترى طائفة منهم أن حلّ السلطة سوف يفتح الطريق إلى المقاومة بغير عوائق التنسيق الأمني، وأن الوضع في الضفة الغربية المحتلة سوف يصبح على غرار الوضع في غزّة، من حيث وجود فصائل وكتائب للمقاومة، وأنه يمكن حينذاك الوصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة بعرىً كفاحية، وحل مشكلة الانقسام جذريا. وهؤلاء إما مؤيدون لحركة حماس أو قريبون منها، أو مؤيدون للمحور الإيراني في المنطقة. فيما يرى فريق آخر أن حلّ السلطة قد يفتح بابا للانتخابات، وتشكيل سلطة وطنية جديدة، وفق معايير ديمقراطية، ويمثّله معارضون مستقلون، بينما يحمل هذا الرأي فريقٌ ثالثٌ من مؤيدي حل الدولة الواحدة بديلا عن حلّ الدولتين. بينما لا يرتسم بديلٌ ما في أنظار فريق رابع، ولسان حاله أنه أياً كان الوضع الذي سيؤول إليه الحال بعد حلّ السلطة، فإنه لن يكون أسوأ من الوضع القائم.

وهكذا ترتفع، بين آونةٍ وأخرى، أصواتٌ تدعو إلى حل السلطة، لتعود هذه الأصوات إلى الخفوت مع تغير الظروف واختلاف الأولويات بين مرحلةٍ وأخرى. مع بقاء المسألة جزءا من المزاج السياسي اليومي لقطاعاتٍ واسعةٍ بعضها داخل السلطة، وداخل حركة فتح بالذات التي يرى تيار فيها أن نشوء السلطة شكّل عبئا على الحركة، وأنها حسمت من رصيدها النضالي ومكانتها المعنوية في أنظار الرأي العام، الأمر الذي أفادت منه بقية الفصائل.

ومن اللافت أن الأصوات التي يحمل أصحابها رأيا آخر بخصوص حلّ السلطة أو بقائها، قلما ترتفع، على الرغم من أن قطاعا عريضا من الرأي العام يحبّذ تطوير السلطة أو إصلاحها، لا إلغاءها. وربما يجد الأمر تفسيرا له في الرغبة بعدم الاصطدام مع مدٍّ شعبوي هو في العادة أعلى صوتا وأكثر ضجيجا، وإن لم يكن بالضرورة أكبر حجما أو أكثر تمثيلا. ومن المساهمات البارزة في تناول هذه المسألة ما ورد في كتاب عزمي بشارة “صفقة ترامب ـ نتنياهو .. الطريق إلى النص ومنه إلى الإجابة عن سؤال ما العمل”، الصادر في طبعته الأولى، إبريل/ نيسان 2020، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ويتركز الكتاب أساسا حول الصفقة المذكورة وظروف الإعلان عنها، وسبل الرد عليها، غير أنه يتضمن، في هذا السياق، صفحات معدودة، لكنها على جانب من الأهمية، عن موضوعة حل السلطة الفلسطينية وبقائها، وما يتصل بها من أطروحة الدولة الواحدة. وابتداءً، يستغرب المؤلف الخفّة في طرح مسألة حل السلطة متسائلاً: كيف يمكن حل السلطة .. أهذه السلطة شركة؟ أم فريق كشفي؟ أم فريق كرة قدم؟ ويجيب: إنها شبكة مؤسسات ومصالح ومئات آلاف الموظفين ورجال الأمن (ص 106). وقد جاءت هذه التساؤلات، وكذا الرد الأولي والإجمالي عليها، في معرض ردّ المؤلف على تهديدات الرئيس محمود عباس بحل السلطة، في خطاب ألقاه في جامعة الدول العربية، مطلع فبراير/ شباط 2020. وفي قناعة بشارة، تبعاً لذلك، أن بقاء السلطة ضروري، ولكن بعد إعادة تعريفها، وبعد تسمية الأشياء بأسمائها، وذلك بوصف السلطة “نوعا من إدارة مركزية لحكم ذاتي، وهي بالتالي ضرورية، ولا مجال للتخلي عنها، لكنها ليست قيادة سياسية للشعب الفلسطيني”. وفي ضوء هذا التقدير، يقترح إحياء منظمة التحرير، أو تشكيل قيادة سياسية جديدة تنبثق عن مؤتمر وطني، تشارك فيه فصائل غير مرتبطة مباشرة بأنظمةٍ وشخصياتٍ مستقلّة.

هذا هو مجمل رأي عزمي بشارة، والمشفوع بإيضاحات وإضافات تحدّد طبيعة التحدّي السياسي الراهن، وتشير مثلا إلى نهاية حقبة الكفاح المسلح، وإلى أن المقاومة في غزّة تمثل حالة دفاعية ليس إلا، كما يشير إلى واقع شعب فلسطين، الذي لم يعد قابلا للتجزئة تبعا لأماكن وجوده، وبالتالي فإن قضيته واحدة، على الرغم من خصوصية أوضاعه هنا وهناك، وهي قضية تحرّر وعدالة ومكافحة الأبارتهايد. وهو طرح استشرافي وواقعي، قد جاء قبل أزيد من عام على الحرب على غزة أخيرا، والتي اتحد فيها شعب فلسطين في مختلف أماكن وجوده في الشتات وفي فلسطين التاريخية، وبرزت خلالها وفي أعقابها أطروحاتٌ تؤكّد أن زمن تقسيم القضية الفلسطينية قد ولى. وبهذا المنظور، يرى بشارة أنه لا يمكن طرح السلطة جانبا أو الاستغناء عنها. ولكن لا يمكن النظر إليها قيادة سياسية، لأن وجود الشعب ومضمون قضيته أوسع بكثير، ويختلف جوهريا عن مجرد تقديم خدمات أساسية وحيوية لأبناء الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي الوظيفة الفعلية والميزة الإيجابية الأساسية لوجود السلطة. تكمن أهمية هذا التحليل في أنه لا ينفصل عن الواقع أو يتعالى عليه. وفي الوقت ذاته، لا يضفي على الواقع القائم ماهيةً يُنكرها هذا الواقع نفسه، فهناك ببساطة حاجةٌ ماسّة لا غنى عنها للخدمات الحياتية الأساسية تنهض بها السلطة. وفي المقابل، هناك حاجة وطنية مصيرية لتفعيل المشروع الوطني، بما يفيض، برأي المؤلف، عن قدرة السلطة وتركيبتها واستعدادها .. ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.

(العربي الجديد)

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *