قانون الناجيات الأيزيديات… مصير مجهول لأطفالٍ آباؤهم من “داعش”

بعد سنوات من الأسر على يد تنظيم “داعش” تتنفس ليلى الصعداء، بينما تعود من بغداد إلى أحد مخيمات النزوح في محافظة دهوك، ضمن إقليم كردستان العراق (شمال) إذ تُوجت رحلتها مع سبع أيزيديات إلى العاصمة العراقية، التي التقين فيها بمسؤولين أبرزهم رئيسا الجمهورية والحكومة، بإقرار البرلمان قانوناً تقول إنّه سينصفهن. وكان البرلمان العراقي قد أقرّ قانوناً يعوّض الناجيات الأيزيديات عما لاقينه أثناء اختطافهن وأسرهن عام 2014. وليلى مواطنة عراقية، من الأقلية الأيزيدية، من قضاء سنجار، اختطفها تنظيم “داعش” حين هاجم القضاء بمحافظة نينوى، إبان سيطرته على مدينة الموصل.

أقرّ البرلمان مطلع الشهر الجاري، قانون الناجيات، المختص بالأيزيديات المخطوفات سابقاً، وأهم بنوده منحُ امتيازات مالية ومعنوية، لتسهيل إعادة اندماجهن في المجتمع. أما من الناحية المالية، فإنّ القانون يمنحهن راتباً تقاعدياً، وقطعة أرض سكنية، وأولوية في التوظيف، إلى جانب استثناءات في ما يتعلق بشروط الدراسة، إذ أعفاهن من شروط العمر والأجور وغيرها من الاستثناءات. تقول ليلى لـ”العربي الجديد” إنّها تخلصت قليلاً من بعض الأعباء النفسية التي لحقت بها بعد رحلة “سبي” (بحسب تسمية “داعش”) عاشتها، قبل تحريرها. تضيف: “أنا اثق بهذا القانون” لكنّها تطالب الجهات الحكومية بعدم المماطلة في تنفيذه، كونه نُشر في الصحيفة الرسمية، وبات نافذاً الآن.

القانون لاقى ترحيباً واسعاً من هذه الشريحة التي تبلغ آلاف النساء من ضحايا التنظيم، واللواتي جرى تحريرهن من قبل القوات العراقية والتحالف الدولي وقوات البيشمركة (تابعة لإقليم كردستان)، فيما يبقى مصير نحو 3 آلاف امرأة مجهولاً، ولا يُعرف ما إذا كنّ على قيد الحياة، أم جرت تصفيتهن من قبل التنظيم.

معضلة معقدة

وعلى الرغم من المزايا الكثيرة التي يقرّها القانون لصالح الناجيات، فإنّه لم يحلّ مشكلة أطفالهن الذين ولدوا لآباء من عناصر “داعش” أثناء الأسر. ويمثّل هذا أحد أكبر التحديات التي تواجه المجتمع الأيزيدي الذي كان فرحه منقوصاً بعودة بناته، إذ إنّ آباء هؤلاء الأطفال هم أعداء هذا المجتمع. وتركت هذه القصص آثاراً مجتمعية قاسية على الناجيات أنفسهن وأسرهن بحسب خبراء، إذ لا يتقبل المجتمع الأيزيدي أطفالاً ارتكب آباؤهم عنفاً تجاه النساء الأيزيديات بالذات، بالإضافة إلى كون الآباء وبالتالي أطفالهم، من ديانة أخرى.

في هذا الإطار، يقول جهور علي بك، وكيل أمير الديانة الأيزيدية، في العراق والعالم، لـ”العربي الجديد” إنّ الديانة الأيزيدية بحسب شعائرها ترفض وجود هؤلاء الأطفال في مجتمعها، لسببين، الأول هوية الآباء، والثاني اختلاف ديانة الطفل عن ديانة الأسرة التي يفترض أنّها ستربيه، خصوصاً أنّ الأطفال سيسجلون بحسب قانون الأحوال الشخصية العراقية مسلمين على دين آبائهم”. يضيف علي بك أنّ “الديانة الأيزيدية هي ديانة غير تبشيرية، فهي لا تقبل الداخلين الجدد إليها أو الخارجين منها، والباب مغلق تماماً أمام قبول هؤلاء الأطفال ضمن المجتمع الأيزيدي، وهو ما يضع أمهاتهم في تحدٍّ صعب جداً”.

اختيار الأمهات الاحتفاظ بأطفالهن يعني تحولهن إلى منبوذات من قبل أبناء المجتمع الأيزيدي، ناهيك عن عدم قبول أهلهن باستقبال الأطفال أيضاً داخل المجتمع، وهذا ما حصل فعلاً، إذ هربت تسع نساء أيزيديات من أحد المخيمات في دهوك باتجاه السليمانية، في إقليم كردستان أيضاً، بعدما عُثر على أطفالهن في الشمال السوري، إذ وصل في مطلع مارس/ آذار الجاري 12 طفلاً يعودون لتسع أمهات. وهو ما يعلق عليه علي بك، أنّ “عودة هؤلاء السيدات التسع إلى المجتمع الأيزيدي ستكون مستحيلة”.

الناشط في الشأن الأيزيدي، خالد تعلو، وهو أيضاً شقيق إحدى الناجيات، يقول لـ”العربي الجديد” إنّ إقرار القانون يمثل “خطوة إيجابية لإنصاف الناجيات الأيزيديات” كما لا يعتبر تعلو عدم التطرق إلى موضوع أطفال الناجيات في القانون الجديد، نقصاً ارتكبه المشرّعون. ويشرح: “لاعتبارات دينية ومجتمعية وقانونية، فإنّ هؤلاء الأطفال هم لآباء مسلمين – وإن كانوا مجرمين. هؤلاء الأطفال لا يمكن تسجيلهم ضمن هوية الأحوال الشخصية بصفتهم أيزيديين، لأنّ قانون الأحوال الشخصية العراقي يقرّ بنسب الأطفال إلى آبائهم”. يضيف تعلو: “هم ليسوا أطفالاً أيزيديين ليجري استقبالهم من قبل المجتمع الأيزيدي، بالإضافة إلى كون الأطفال ولدوا نتيجة عملية اغتصاب بشعة، وبحسب الأعراف والعادات الأيزيدية لا يمكن قبولهم ضمن المجتمع الأيزيدي، ولا يمكن فرض هذا على مجتمع كامل، كما أنّ النظرة الإنسانية لا يمكنها تبرير تربية الأطفال في مجتمعنا”. يختم تعلو حديثه بالقول: “حتى إن قبل الأيزيديون ذلك، فإنّ المرجح أن تطالب عائلات مقاتلي التنظيم بأطفالها، وهو ما قد يشكل خطراً في المستقبل، ربما يعيد إنتاج العنف”.

النائبة عن الأيزيديين في البرلمان العراقي، خالدة خليل، تقول لـ”العربي الجديد” إنّ “المادة الخاصة بأطفال الناجيات بقيت معلقة من دون أن نتمكن من التوصل إلى حلّ بشأنها، لأنّ قانون الأحوال الشخصية العراقي يلزم أيّ طفل مجهول النسب (الأبوي) بتسجيله مسلماً، ونحن قد نزلنا عند هذا القانون لإقرار باقي حقوق شريحة الناجيات”. تضيف خليل: “هذا يخلق انقساماً مجتمعياً بين الأيزيديين، لأنّ هناك عائلات تريد الاحتفاظ ببناتها اللواتي كن مختطفات، لكن لا تريد أطفالهن”. تختم بالقول: “نحن نحاول إيجاد حلّ لهذه المعضلة، لكنّ المشكلة متداخلة، فهي دينية ومجتمعية وإنسانية وقانونية، وهذا هو السبب في الإبقاء عليها معلقة، رغبة منا في عدم المماطلة أكثر في إقرار القانون”.

وقد حذف البرلمان العراقي، بناءً على طلب من المجلس الروحاني الأيزيدي، فقرة من قانون الناجيات الأيزيديات تخص حسم ملف الأطفال الذين ولدوا نتيجة اغتصاب الأيزيديات عبر عناصر تنظيم “داعش”.

الشيخ فرحان الساعدي، الأستاذ في الحوزة العلمية في النجف (شيعة) يقول لـ”العربي الجديد” إنّه “حتى التطرق لهذا الموضوع من الناحية الفقهية، سواء الشيعية أو السنية، يثير حساسيات تجاه فئة من المجتمع تعرضت للسبي والاغتصاب”. يضيف: “لا يمكن البتّ في الموضوع من الناحية الدينية”.

إنصاف الضحايا

تعيش الناجيات الأيزيديات في مخيمات النزوح بمحافظة دهوك بإقليم كردستان العراق منذ عام 2014، بعد نزوحهن من سنجار، التي تشهد تردياً في بنيتها التحتية، بالإضافة إلى السيطرة الأمنية المباشرة عليها من جانب حزب العمال الكردستاني، وفصائل من الحشد الشعبي.

وقتل مسلحو تنظيم “داعش” نحو ألفي رجل أيزيدي، فيما أخذوا كثيراً من النساء الأيزيديات باعتبارهن “سبايا” مما أدى إلى نزوح جماعي للسكان الأيزيديين، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة. وقُتل نحو خمسة آلاف مدني أيزيدي، ما بين رجال ونساء، وأطفال ومسنّين، خلال هجوم “داعش” في أغسطس/ آب 2014. وأدانت الأمم المتحدة الجرائم المرتكبة واعتبرت الانتهاكات التي ترتكبها جماعة “داعش” في العراق تصل إلى درجة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتتضمن “الإبادة الجماعية”.

واستعادت قوات البيشمركة، بدعم من التحالف الدولي، مدينة سنجار نهاية عام 2015، لكنّ غالبية سكانها ما زالوا نازحين حتى اليوم، ولم تنجح محاولات من الحكومة الفدرالية، وحكومة إقليم كردستان، في تطبيع الأوضاع داخل المدينة لإعادة النازحين حتى الآن.

بالعودة إلى القانون الجديد، فإنّ أهم مواده تشمل صرف راتب شهري، لكلّ واحدة من الناجيات، لا يقلّ عن مليون دينار (700 دولار أميركي)، هو ضعفا الراتب التقاعدي المشرّع في العراق بحسب اللوائح القانونية. كذلك، يتضمن منح الفئات المشمولة بأحكام هذا القانون “قطعة أرض سكنية أو وحدة سكنية مجاناً، إلى جانب فتح عدد من المراكز الخاصة بتقديم الدعم النفسي للناجيات، وتوفير فرص التعليم للناجيات اللواتي انقطعن عن الدراسة بسبب تعرضهن للاختطاف والأسر.

(العربي الجديد)

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *