قره باغ.. هل يتدحرج التنوع العرقي في المنطقة إلى نزاع إقليمي؟

تشكل منطقة القوقاز ودول الجوار -لا سيما روسيا وإيران وتركيا- خليطا عرقيا وتداخلا جغرافيا، أسهمت السلطات السوفياتية السابقة في تعقيده عبر رسم حدود واقتطاع أراض وضم أخرى إلى الجمهوريات القوقازية.

وحذرت روسيا وأرمينيا ودول أخرى من أن اتساع رقعة الحرب في قره باغ يمكن أن تمتد وتتحول إلى حرب إقليمية تتورط فيها دول الجوار.

وتثير المعارك العنيفة حول ناغورني قره باغ هذه المرة مخاوف من اندلاع حرب مفتوحة في منطقة تتمتع فيها روسيا وتركيا بنفوذ كبير، مما ينذر بارتدادات إقليمية غير محمودة العواقب.


منطقة القوقاز

منطقة القوقاز، أو آسيا الوسطى، أو بلاد ما وراء النهر، كما كانت تعرف في فترة الخلافة الإسلامية، هي منطقة جغرافية مغلقة تقع في قلب قارة آسيا، وهي تضم كلا من أوزبكستان وتركمانستان وأذربيجان وكزاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان، وهي لا تطل على أي من البحار المفتوحة، لكن موقعها الجغرافي يجعلها ذات أهمية كبرى.

تشترك هذه الدول في كونها أعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، وكومنولث الدول المستقلة عن الاتحاد السوفياتي السابق، ورغبتها في أن تكون سيدة نفسها، رغم التدخلات والضغوط الدولية التي تمارس عليها من هنا وهناك.

وتقدر مساحة المنطقة بأكثر من 4 ملايين كيلومتر، وتمتد من غرب الصين (تركستان الشرقية) شرقا وحتى بحر قزوين وإيران غربا، ويسكنها أكثر من 70 مليون نسمة، يتكلمون عدة لغات هي الطاجيكية والقرغيزية والأوزبكية والكزاخية، والتركمانية والمغولية، وهذه اللغات ذات أصول تركية، بالإضافة إلى اللغتين الفارسية والروسية.

تمتاز هذه المنطقة بأهمية جيوإستراتيجية من خلال موقعها الجغرافي ومواردها المهمة، فهي تقع على ساحل بحر قزوين الغني بالموارد من جهة، وتشكل من جهة أخرى عقدة طرق برية وخطوط أنابيب الغاز والنفط من الشرق الأوسط وقزوين باتجاه الصين أو منها باتجاه البحر الأسود وتركيا والبحر المتوسط، ومن الأخيرة باتجاه الخليج العربي عبر إيران، وأفغانستان وباكستان باتجاه المحيط الهندي، يضاف إلى ذلك غنى هذه المنطقة بالنفط والماء والمعادن الثمينة.

تعيش دول آسيا الوسطى اليوم تململا داخليا، إذ تتداخل المكونات الاجتماعية والعرقية والدينية في ظل تدخل خارجي، جعل المنطقة بعد استقلالها عن الاتحاد السوفياتي السابق عام 1991 ساحة صراع وتنافس وتجاذب القوى الكبرى مثل روسيا والصين والولايات المتحدة الأميركية، أو بعض القوى الإقليمية كتركيا وإيران، وذلك بسبب مواردها وأسواقها من جهة، وموقعها الإستراتيجي من جهة أخرى، الأمر الذي أدى إلى إقامة القواعد العسكرية فيها.

فقد أقيمت في هذه الدول 8 قواعد عسكرية أجنبية: 3 روسية، وقاعدتان أميركيتان، وواحدة هندية، وواحدة فرنسية، وواحدة ألمانية.

وتشترك هذه المنطقة في الكثير من الخصائص المهمة؛ فقد كانت منطقة تقاطع الطرق لحركة الناس، والسلع، والأفكار بين أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرقها، ومن خلالها يمر ويتقاطع عدد من فروع طريق الحرير البرية القديمة، التي تسعى بعض الدول الإقليمية إلى إحيائها من جديد من خلال شق الطرق ومد السكك الحديدية، وأنابيب النفط والغاز.

العرقيات

ويقطن منطقة القوقاز أو آسيا الوسطى العشرات من القوميات والعرقيات، وأبرزها الأتراك والتركمان (مسلمون سنة)، والأذريون (مسلمون شيعة)، والأوزبك (مسلمون سنة)، والكازاخ (مسلمون سنة)، والإيغور (مسلمون سنة)، والتتار (مسلمون سنة)، والقيرغيز (مسلمون سنة)، والروس (مسيحيون أرثوذكس)، والبشكير (مسلمون سنة)، والقاشقائي (مسلمون شيعة)، والتشوفاش (مسيحيون أرثوذكس)، والقره قلباق (مسلمون سنة)، والياكوت (مسيحيون)، والكوميك (مسلمون سنة)، والقره تشاي والبلكار (مسلمون سنة)، والتوفيّون (بوذيون)، والغاغاووز (مسيحيون أرثوذكس)، والقراؤون الترك والكريمشاك (يهود)، والجورجيون (مسيحيون كاثوليك وأرثوذكس)، والأوكرانيون (مسيحيون كاثوليك وأرثوذكس)، وقوميات أخرى صغيرة جدًّا.

القوميات في تركيا
تتسم تركيا بتعدد قومياتها وأعراقها ومذاهبها، ويشكل العنصر التركي فيها نحو ثلثي السكان، ويحتل الأكراد المرتبة الثانية، يليهم العرب، ثم تأتي أقليات قومية ودينية عديدة، أبرزها اليهود والأرمن واليونان والشركس والبوشناق واللاز، إلى جانب أقليات طائفية من أبرزها وأكبرها الأقلية العلوية التي تعد الأكثر ارتباطا بموضوع العلمانية والإسلام في تركيا.

الأعراق في إيران
يشكل الفرس أغلب سكان إيران، ويشكل الأذريون الآن ثاني أكبر عرقية فيها، وكذلك أكبر جماعة أقلية، ثم يأتي الأكراد في المرتبة الثالثة.

ويشكل العرب 2% تقريبًا من السكان الإيرانيين، ويتألف ما يقارب 1% من السكان الإيرانيين من أقليات متعددة، تضم الآشوريين، والأرمن، والجورجيين، والشركس، والمندائيين، إلى جانب مختلف الطوائف من المهاجرين الجدد.

القوميات في روسيا
يوجد في روسيا عدد من القوميات هي على التوالي: الروسية، والتتارية، والأوكرانية، والبشكيرية، والجوفاشية، والشيشانية، والأرمنية، بالإضافة إلى قوميات أخرى، حيث تشكل القومية الروسية الأكثرية، وتبلغ 116 مليون نسمة، أي نحو 80% من عدد السكان.

ويتوزع المسلمون في روسيا على 40 قومية، أكبرها التتر، إذ يبلغون 5 ملايين مسلم (تشكل نسبتهم نحو 4% من السكان). وهذا يعني أن التتر يحتلون المرتبة الثانية بعد الروس من حيث عدد السكان في روسيا. يأتي بعدهم البشكير (نحو مليون شخص)، والشيشان الذين يشكلون مليون مسلم تقريبا، وفقا للإحصاءات الرسمية الروسية التي أجريت مؤخرا.

دولة أرمينيا، ويقطنها قومية الأرمن الذين يدينون بالديانة المسيحية الأرثوذكسية.

اتساع الحرب
وفي السياق؛ يستبعد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة أرجيس التركية ياسين كوفانتش تأثير هذا التداخل الواسع من القوميات والعرقيات في منطقة القوقاز على الحرب المشتعلة بين أذربيجان وأرمينيا، وقال “هذه الأعراق المختلفة لن تحارب بعضها البعض انتصارا لدول وصراعات إقليمية، لا سيما أنها تصاهرت فيما بينها مع مرور الزمن، كأنها أصبحت ملة واحدة”.

ويضيف كوفانتش للجزيرة نت أن “ثمة خطرا كامنا في اندلاع نزاع مستمر لمدى طويل، يمكن أن يشهد تورطا لقوى خارجية فيه، مما ينذر بوقوع حرب إقليمية أوسع، وإن توغلا عسكريا في عمق أراضي أرمينيا أو أذربيجان، وليس الاشتباك الحدودي، هو ما يمكن أن يدفع موسكو أو أنقرة وعواصم أخرى للتدخل”.

ويرجح ألا يؤدي التوتر الذي بدأ بهجوم أرمينيا إلى نتائج أكثر سوءا، ووفقا لواقع الأمر على الأرض سيستأنف وقف إطلاق النار، وكما يبدو أن الصراعات المتجمدة ستغفو فترة قصيرة إلى أن تستيقظ مرة أخرى، وسيستمر التوتر علوا وانخفاضا إلى أن ينفجر في مرحلة ما.

ويؤكد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة أرجيس أن الالتزام بتجديد الجهود الدبلوماسية سيكون موضع تحدٍ، إذ تزامن القتال مع فترة ارتباك على الصعيد الدولي جراء تفشي فيروس كورونا عالميا والانتخابات الأميركية ونموذج السلوك التقليدي الذي يتراجع فيه التركيز على الصراع بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار مباشرة.

ووحدها مجموعة مينسك (هيئة الوساطة القائمة منذ عام 1992، التي تضم فرنسا وروسيا والولايات المتحدة) يمكنها تهدئة التوترات، حسب خبراء. ودعت كل من روسيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإيران إلى وقف إطلاق النار.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *