محمود الريماوي
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on telegram
Telegram

رابط مختصر للمادة:

قمّة لم تخاطب العالم بشيء

محمود الريماوي
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

راهن الروس على القمة التي جمعت رئيسهم، فلاديمير بوتين، بالرئيس الأميركي، جو بايدن، واعتبروا انعقادها في جنيف، الأربعاء 16 يونيو/ حزيران الجاري، إنجازاً بحد ذاته، وذلك لما في هذا من قيمةٍ رمزيةٍ تضع روسيا في مصاف القوة العظمى، وندّاً لها. يقول مدير مجلس الشؤون الدولية الروسي في موسكو، أندريه كولاتونوف: “القمة مهمة من حيث الرمزية؛ فهي تضع روسيا في التصنيف نفسه مع الولايات المتحدة، وبالنسبة لبوتين، ليست الرمزية بالأمر الهين أو غير المهم”. ومن ذلك ما بدا من رغبة الوفد الروسي بعقد مؤتمر صحافي ثنائي للزعيمين، وهو ما لم يحدث، إذ تعاقب بوتين وبايدن على عقد مؤتمر صحافي منفرد لكل منهما. بل أشار بوتين إلى رغبة لديه لم يحققها الجانب الأميركي، بدعوته لزيارة رسمية إلى واشنطن، مستدركاً بالقول إن الرئيس بايدن لم يتلق بدوره دعوة لزيارة موسكو، وإن مثل هذه الاجتماعات تتطلّب تحضيراً جيداً. وقد لوحظ أن بوتين كان أكثر حماسة للإشادة بالقمة وأجوائها الإيجابية. ولم يبخل على الرئيس بايدن بالثناء، كونه سياسياً محترفاً، مقارنة بسلفه دونالد ترامب، قليل الخبرة، لكن الموهوب.

أما بايدن فقد ظهر في القمة بمظهر من يريد منح فرصة لبوتين، وسبق ذلك بالقول إن بوتين شخصٌ لامعٌ وصعب المراس، من دون أن ينسى التذكير بنعته بوتين من قبل بأنه “قاتل”، اذ قال مازحاً: أعتقد أن بوتين لم يظهر راضياً عن وصفه بالقاتل، وذلك في إشارة إلى أن من حق بوتين عدم الرضى عن هذا الوصف المُفرط في حدّته. وقد أشاد بدوره بأجواء القمة، واعتبرها بنّاءة وإيجابية.

من الجلي أن القمة لم تحقق الكثير، وما كان ممكناً للقاء أول بين الزعيمين أن يحرز الكثير بعد خلافاتٍ جدّية متراكمة بين بلديهما، وبغير لقاءات تمهيدية على مستوى وزراء وكبار المسؤولين، وفي أجواء من ضعف الثقة المتبادلة، وحتى عدم التقبل الشخصي بينهما. وقد سعى كلاهما إلى أن يُظهر أفضل ما لديه مما قد يطمئن الطرف الآخر، ويبرهن على حسن النيات، فقد شدّد بوتين على أهمية لقاء القمم من أجل تدارس المشكلات، وبادله بايدن هذا التقدير للأمور. وكان من أوضح النتائج، على الاستعداد المبدئي للتعاون، الاتفاق السريع على عودة سفيري البلدين إلى عمليهما في أقرب وقت، لكن من دون الإشارة إلى العقوبات المتبادلة بحق عدد من كبار المسؤولين في البلدين.

ومن الإنجازات البارزة الاتفاق على تشكيل لجنة من الخبراء لبحث الأمن السيبراني (الإلكتروني). وهي خطوة مهمة، إذ يشكل هذا النوع من الهجمات شرارةً لخلافاتٍ ملتهبة واعتداءات جسيمة وخطيرة، وقد أوضح بايدن أنه حدّد 16 كياناً أميركياً حسّاساً، حذّر بوتين من التعرّض لها، وتشمل قطاعاتٍ حيوية، تبدأ بمنشآت الطاقة، ولا تتوقف عند قطاع المياه (يسمح هذا التحديد بالتندّر بأن التعرّض للقطاعات الأخرى مُتاح، وإن على مضض!) مع التمديد لمعاهدة ستارت الخاصة بالأسلحة النووية ثلاث سنوات أخرى، جنباً إلى جنب مع استئناف الحوار بشأن الملفات النووية بين أكثر بلدين يمتلكان أسلحة دمار شامل في العالم. ولئن كانت هذه أموراً بالغة الأهمية على المستوى الاستراتيجي الثنائي، وعلى أمن العالم، إلا أنه من الواضح أن المحادثات حول هذه الأسلحة غالباً ما تنجح بين الطرفين، للقناعة المشتركة بأنها ليست أسلحة للاستخدام، وأن كلا الطرفين يظل يمتلك رادعاً استراتيجياً، مهما خفض من برامجه على هذا الصعيد. فيما تبدو المشكلات الإقليمية أكثر صعوبة، فمشكلة أوكرانيا، مثلاً، أشدّ استعصاء، فموسكو تعتبر الأوضاع في هذا البلد جزءاً من أمنها الاستراتيجي بل المباشر، وترفض انضمامها الى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حتى إنها ترفض انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وإن كانت موسكو قليلة الإفصاح عن ذلك، وتناهض وجود أي قوات أجنبية في هذا البلد، فيما ترى واشنطن المشكلة أنها تتعلق بسيادة بلد أوروبي، وحقه في عدم التعرّض لتهديدات دورية أو الانتقاص من سيادته، وأن ما يجري منذ سنوات هو عملية استضعاف روسي لأوكرانيا ومحاولة استتباعها لموسكو. ولذلك لم يرشح شيءٌ عن القمة، يتعلق بهذا البلد، سوى أنه تم التطرّق إلى الوضع فيه. والأصعب من ذلك وضع شبه جزيرة القرم التي وضعت موسكو يدها عليه في عام 2014، متعلّلة بأن تاريخ هذه المنطقة شهد، في بعض مراحله، وجوداً روسياً فيها.

وفي واقع الحال أن هذه القمة، على أهمية انعقادها وعلى ما سادها من رغبات متبادلة بالحدّ من التوتر، والشروع في إجراء حوارات متعدّدة المستويات والاختصاصات بينهما، يؤمل أن لا تفضي إلى تقاسم النفوذ أو غض النظر عن تدخلات فظّة، إلا أنها انشغلت، في المقام الأول، بالعلاقات الثنائية، وبالقضايا ذات المساس بالأمن العالمي، مثل الأسلحة النووية لدى الطرفين. غير أنها لم تنشغل بالتوترات الإقليمية والتحدّيات الداخلية، مثل الملفات الليبية واليمنية والسورية والعراقية واللبنانية، ولا بالتوترات بين الصين وتايوان، أو الأوضاع في ميانمار وأفغانستان، أو حتى ملف مكافحة وباء كورونا. ولم تأت على ذكر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المتفجر، على الرغم من أن وقائع حرب غزة ما زالت طرية في الأذهان، ونذر تجدّدها بادية للعيان. فالكبار ينشغلون أولاً بقضاياهم الثنائية الكبيرة، تاركين التوترات الأخرى ومعالجاتها لمستوى أقل من مسؤولي البلدين. وفي ذلك درس مفاده بأن قضايا الشعوب يتعيّن أن تتولاها الشعوب بنفسها، إذا أرادت أن تجتذب إليها اهتماماً دولياً عالي المستوى. ومما يسترعي الانتباه أن البيان المشترك المقتضب، بالكاد خاطب العالم والأسرة البشرية بشيء، مما يتعلق بأهمية نشر السلام والأمن واحترام حقوق الشعوب والدول والوفاء بمقتضيات القانون الدولي، كما لم يأت الطرفان على ذكر الأمم المتحدة باعتبارها مرجعية دولية عليا لمعالجة التوترات ووضع الحلول الموضوعية والالتزام بها.

وإذ ساهمت هذه القمة في التبريد والتهدئة، وفي الحدّ من التنافر الشخصي بين الزعيمين، فإن أهميتها تكمن في ما سوف يليها. ليس فقط من أجل إبعاد شبح تجدّد الحرب الباردة الكونية، ولكن من أجل التوقف عن تغذية الصراعات والمساهمة المباشرة فيها، ومن أجل وضع حلولٍ لمشكلات ديون الدول الفقيرة والحدّ من نهب ثرواتها، والحدّ من تغوّل الأنظمة الديكتاتورية والتسلطية على شعوبها، وفي سبيل الإسهام بوقف صراع الحضارات والثقافات والمساس بأتباع دينٍ بعينه هو دين المسلمين، من دون التقليل من أهمية الحريات الدينية وحقوق أصحاب الأديان جميعها في كل مكان.

(العربي الجديد)

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *