“كشف حساب” بأخطاء التعامل الإسرائيلي مع المقاومة

“كشف حساب” بأخطاء التعامل الإسرائيلي مع المقاومة

بعد انقضاء العدوان الإسرائيلي على غزة بدأت تتكشف جملة الأخطاء والإخفاقات الإسرائيلية التي ارتكبها جيش الاحتلال وحكومته، الأمر الذي أدى إلى فشل الاحتلال في تحقيق أهداف العدوان، مما قد يدفع باتجاه تشكيل لجان تحقيق داخلية بعد أن ساهمت هذه الأخطاء في تبدد صورة الردع الإسرائيلية أمام المقاومة، وفي ما يلي نسلط الضوء على أبرز جوانب إخفاقات الاحتلال الإسرائيلي على شكل سؤال وجواب:

هل أخطأ الاحتلال في قراءة “عقل” المقاومة؟

توقف الإسرائيليون مطولا عند ما سموه “سوء تقدير الموقف” الذي ساد في الأوساط الحكومية والأمنية طوال الأشهر الماضية، ومفاده أن حماس المنشغلة برفع حصار غزة ومعالجة مشاكل الفلسطينيين المعيشية والاقتصادية لن تتجه لخوض مواجهة عسكرية مع الاحتلال حتى لو كان من أجل الدفاع عن القدس والمسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، مما دفع بمحافل أمنية إسرائيلية للمطالبة بمعرفة سبب هذه القراءة الخاطئة لتوجهات حماس السياسية والعسكرية.

وحتى حينما أعلن محمد الضيف قائد هيئة أركان كتائب عز الدين القسام الذراع العسكرية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) تهديده يوم الجمعة 7 مايو/أيار الجاري لاستعداد المستوطنين لاقتحام الأقصى يوم الاثنين لم تأخذ حكومة الاحتلال وجيشها هذا التهديد على محمل الجد، واعتبرته تسجيل موقف سياسي، وتحذيرا نفسيا تعبويا أكثر من كونه تهديدا قد يجد طريقه للتنفيذ على أرض الواقع، لكن اندلاع المواجهة تحت عنوان القدس أثبت صدق تهديد المقاومة وإخفاق الاحتلال في قراءته.

كيف خضع الاحتلال لمعادلة المقاومة “القصف بالقصف”؟

بدأ الاحتلال عدوانه الأخير 2021 بما انتهى به عدوان 2014، وذلك من خلال المباشرة بقصف وتدمير الأبراج السكنية بهدف بث صور مخيفة لدى الفلسطينيين، وإيجاد تشققات في موقف الحاضنة الشعبية الداعمة للمقاومة في غزة، ودفعها لمطالبتها بوقف المواجهة، لكن ردود الفعل الفلسطينية التي كانت تخرج فور هدم أي برج سكني شكلت صدمة للاحتلال الذي فوجئ وهو يستمع للفلسطينيين المهدمة منازلهم دعوتهم للمقاومة بالاستمرار في التصدي للاحتلال، وعدم التراجع.

ومع مرور الوقت توقف الاحتلال عن هذه السياسة بعد إعلان المقاومة معادلتها الجديدة “القصف بالقصف، والمبنى بالمبنى”، مما يعني أنه أمام كل برج سكني يدمره الاحتلال في غزة سيتم استهداف مبنى مقابله في عسقلان وتل أبيب، وكانت المفاجأة أن سياسة هدم الأبراج السكنية توقفت فجأة التزاما من الاحتلال بتهديد المقاومة.

وعلاوة على ذلك، عند الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار ترقب الفلسطينيون أن يطوي الاحتلال صفحة العدوان بارتكاب مجزرة دامية، وفق ما أعلنت ذلك كل وسائل الإعلام الإسرائيلية، لكن المقاومة أصدرت تحذيرا أنها سوف تستهدف كل أرجاء الكيان وصولا إلى عكا في أقصى الشمال إن ارتكب الاحتلال حماقة من هذا النوع، مما تسبب بردعه، وامتناعه عن سفك مزيد من دماء الفلسطينيين.

لماذا أخفقت القبة الحديدية في وقف صواريخ المقاومة؟

دأبت المنظومة الإعلامية الإسرائيلية على الترويج للمنظومات الدفاعية الإسرائيلية القادرة على التصدي لمختلف أنواع الصواريخ التي تهدد جبهتها الداخلية، ومنها “حيتس”، و”مقلاع داود”، و”معطف الريح”، و”آرو”، و”القبة الحديدية”، وقد حازت الأخيرة على حجم إشادات إسرائيلية فاقت سواها من المنظومات الصاروخية، لكن صواريخ المقاومة المنطلقة من غزة استطاعت تجاوزها بصورة لا تخطئها العين، بل إن المصورين الصحفيين الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء استطاعوا أن يلتقطوا صورا حية ومباشرة للعجز الذي واجهته القبة الحديدية في التصدي للصواريخ الفلسطينية.

بدأ العسكريون الإسرائيليون يحللون أسباب قدرة الصواريخ الفلسطينية على تجاوز القبة الحديدية بين قائل إن السبب يعود إلى الكثافة الكمية للصواريخ المنطلقة من غزة، فكل رشقة كانت تخرج لا تقل عن 50 صاروخا، وفي إحدى المرات أطلقت القسام 170 صاروخا في 90 ثانية، ويصعب على القبة اعتراضها.

وهناك سبب آخر اتبعته المقاومة في تضليل القبة الحديدية تمثل في إطلاق قذائف “تمويهية” في السماء بحيث تلاحقها صواريخ القبة، وفي هذه الحالة تفرغ حمولتها من الصواريخ الدفاعية، مما يدفع المقاومة لإطلاق الصواريخ “الحقيقية”، وهنا تكون مخازن القبة الحديدية فارغة أو شبه فارغة، وكل ذلك دفع بمدونين فلسطينيين وإسرائيليين لوصفها متهكمين بـ”القبة الحريرية أو البلاستيكية”.

هل منعت المقاومة الاحتلال من تنفيذ العملية البرية؟

شهدت الحرب الأخيرة صدور تهديدات إسرائيلية بأن العدوان قد يمتد لتنفيذ عملية برية ضد المقاومة، سواء كانت في أعماق غزة أو على أطرافها، دون أن يترجم هذا التهديد إلى واقع ميداني على الأرض عقب رد المقاومة بتهديد مماثل بأنها تستعد لمثل هذه العملية بكثير من السيناريوهات القاسية على جيش الاحتلال.

ومع مرور الوقت لم تتقدم قوات الاحتلال أمتارا معدودة باتجاه قطاع غزة رغم كثافة الضربات الجوية والمدفعية، وسط تحذيرات صدرت من أوساط سياسية وعسكرية في تل أبيب من التورط في ما سمته “المستنقع الغزاوي”، لأن المقاومة لديها من الخطط العسكرية الكفيلة بتحويل جنود الاحتلال في شوارع غزة من “صيادين إلى مصطادين”، ويسقطون برصاص المقاومين في معارك يثبتون فيها أن لديهم قدرات عسكرية متفوقة، وستكون العبارة الأكثر تداولا للجنود المتوغلين بريا “انظر، تحت قدمك توجد حفرة”.

لماذا أخفق الاحتلال في اختراق شبكة اتصالات المقاومة؟

بذلت المخابرات الإسرائيلية خلال أيام العدوان جهودا حثيثة للوصول إلى شبكة اتصالات المقاومة لعلها تظفر بمعلومة هنا أو طرف خيط هناك، لكن دون جدوى، مما جعلها تقصف العديد من المواقع مرتين و3 مرات، في ضوء شح ما تسميه “بنك الأهداف” وعدم تحديثه.

سبب الإخفاق الإسرائيلي هذا يعود إلى أن المقاومة تحوز على شبكة اتصالات مغلقة جدا من الناحية التكنولوجية تمكّن المقاتلين من إجراء اتصالات دون مشاكل، ولا يمكن للاحتلال اختراق محادثاتهم، مما أسهم بخفض نسبة الخسائر في الأرواح بين المقاومين.

كما أن شبكة الاتصالات الداخلية للمقاومة حالت دون وصول آذان رجال مخابرات الاحتلال للمكالمات الخاصة بين المقاومين والتنصت عليها، مما أخفى عنها كشف الكثير من التكتيكات التي تتبعها الأذرع العسكرية، وقد بذلت المقاومة عبر وحداتها الهندسية الكثير من الجهود للتأكد من سلامة اتصالاتها، ومنع اختراقها من الاحتلال، وأثبتت أيام العدوان الـ11 إخفاق المخابرات الإسرائيلية بالتنصت على المقاومة.

ما الذي جعل الاحتلال يخسر “معركة الرواية” أمام العالم؟

رغم حيازة الاحتلال إمكانيات تقنية وتكنولوجية هائلة يستخدمها في أوقات الحروب التي يشنها على الفلسطينيين بين حين وآخر من أجل تبريرها وشرعنتها فإنه هذه المرة أخفق في تحقيق مشروعية عدوانه على غزة بدليل خروج مظاهرات واحتجاجات حول العالم تندد بالعدوان وتطالب بوقفه، وتعلن عن تضامنها مع الفلسطينيين الذين يواجهون أعتى قوة حربية فتاكة.

بدا واضحا أن آلة الدعاية الإسرائيلية أخفقت في تقديم رواية مقنعة للمجتمع الدولي في مصداقية مواجهتها للمقاومة، ولا سيما عقب الصور التي خرجت من غزة للضحايا المدنيين، والمجازر والمذابح التي ارتكبها طيران الاحتلال في إبادة عائلات بأكملها، فضلا عن استهداف الأبراج السكنية التي ضمت مقرات إعلامية وتلفزيونية، من بينها مكتب قناة الجزيرة، وقد فهم من ذلك أن الاحتلال يسعى لتغييب الصورة الصادرة من غزة.

وبقدر الجهد الحثيث الذي بذلته الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية في عواصم صنع القرار الدولي لكنها أخفقت في ترويج روايتها، ولا سيما مع خروج شهادات فلسطينية من قلب غزة عن استهداف المدنيين، وعدم دقة ما ينشره جيش الاحتلال عن استهداف مواقع عسكرية للمقاومة.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *