عزام التـميمي
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on telegram
Telegram

رابط مختصر للمادة:

كيف تتحرر الأوطان؟

عزام التـميمي
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

قال لي أحد معارفي إن زملاءه الغربيين في المنظمة الدولية غير الحكومية التي يعمل فيها يرون أن حماس أضرت بقضية سكان حي الشيخ جراح من خلال إشعال المواجهة العسكرية الأخيرة مع الكيان الصهيوني. وحسبما شرح لي، يرى هؤلاء بأن خير ما يخدم القضية الفلسطينية هو الوسائل السلمية في النضال مثل المظاهرات والاعتصامات والدعوة إلى المقاطعة والعقوبات، بينما العمل العسكري في تقديرهم يكلف الفلسطينيين ثمناً باهظاً ويُفقدهم قدراً من التعاطف والتضامن الدولي.

تصادف حديثنا ذاك مع اطلاعي على مقال للصحفي البريطاني كريس ماكجريل في صحيفة الغارديان البريطانية، عنون له بالسؤال التالي: “المقاطعة والعقوبات هي التي ساعدت جنوب أفريقيا على التخلص من نظام الأبارتيد (الفصل العنصري).. فهل يأتي الدور على إسرائيل؟”.

بالفعل، من المحتمل جداً أن تكون إسرائيل التالية، إلا أن المقاطعة والعقوبات لم تكن هي التي أسقطت نظام الأبارتيد، وإن كانت قد لعبت دوراً في النضال، لكنه كان دوراً ثانوياً مقارنة بالمقاومة المسلحة، التي يُذكر لها الفضل في تحول الأبارتيد إلى حالة مكلفة جداً لم تُطق الأقلية العنصرية البيضاء ولا أنصارها في الغرب تحملها.

ثمة أوجه شبه مذهلة بين النضالين، نضال أهل جنوب أفريقيا ونضال أهل فلسطين. فالخصم في الحالتين يحمل رؤية عنصرية تقوم على الأساطير التوراتية المحرفة، التي تجيز لحاملها، بذريعة التفضيل الإلهي والوعد الرباني، سلب الأوطان وتشريد السكان وامتهان البشر والتنكيل بهم.

وكما شهدنا في السنوات الأخيرة من عمر الأبارتيد في جنوب أفريقيا، ها نحن نشهد في حالة فلسطين أعداداً متزايدة من الناس حول العالم تبدي اهتماماً بما يجري وتعاطفاً مع أهل فلسطين. ولعل من العوامل التي سرعت في تحقق ذلك تلك الثورة التكنولوجية التي تعرف بالسوشيال ميديا أو مواقع التواصل الاجتماعي، فعبرها تجاوز الناس مؤسسات الإعلام التقليدية، الرسمية والخاصة، التي ما فتئت حتى عهد قريب تتحكم بما ينشر وما لا ينشر، وبما يجوز تداوله وما لا يجوز. فبات واضحاً للعيان أن الضحية في هذا الصراع المستمر منذ ما يقرب من مائة عام هم الفلسطينيون، وبات جلياً أنهم ضحية السلب الإسرائيلي لأراضيهم، وضحية الاحتلال الإسرائيلي (كما في الضفة الغربية) وضحية الحصار الإسرائيلي (كما في غزة) وضحية الأبارتيد الإسرائيلي (كما في مناطق 1948).

مر زمن طويل منذ أن أسقط شعب جنوب أفريقيا المناضل نظام الأبارتيد، ومر زمن أطول منذ أن كبد شعب فيتنام المكافح الولايات المتحدة هزيمة شنيعة مرغت أنف الأمريكان في الوحل، ومر زمن أطول منذ أن أجبر شعب الجزائر، شعب المليون شهيد، فرنسا على الخروج تجر ذيول الخزي والهوان بعد مرور مائة عام وثلاثين على احتلالها لبلاده في واحد من أبشع أنماط الاستعمار الإحلالي.

في كل واحد من هذه النماذج لنضالات خاضتها الشعوب من أجل الحرية في تاريخنا المعاصر، دفع المناضلون ثمناً للحرية من راحتهم ودمائهم وأرواحهم، وإلا لما تمكنوا من كسر الأغلال والخلاص من العبودية.

من المؤكد أن دراسة تاريخ هذه التجارب النضالية سيعود على الفلسطينيين بفائدة جمة، كما أنها ستنفع أنصار فلسطين من نشطاء حركة التضامن الدولية، إذ سيتعلمون منها كيف خيضت وكيف كسبت معارك التحرير، وماذا كانت أدواتها ووسائلها، وما هي التضحيات التي قدمت فيها، وما هي المراحل التي مرت بها.

لا يمكن بحال التقليل من أهمية أي جهد سلمي يبذل من أجل توعية الرأي العام العالمي والضغط من خلاله على صناع القرار. ولا يمكن إنكار أن مما يساهم في تحقيق ذلك تلك الأدوات والوسائل النضالية التي لا تلجأ إلى العنف، مثل الإضرابات العامة، والإضراب عن الطعام، والاعتصامات والمظاهرات ودعوات المقاطعة والعقوبات، وكل ما ينضوي تحت هذا العنوان. بل في كثير من الأحيان لا يملك المتعاطفون والنشطاء بذل أكثر من ذلك، على أية حال.

ولكن من الصعب الاعتقاد بأن هذه الأدوات والأساليب هي وحدها التي تجلب في نهاية المطاف التحول المنشود وتحدث التغيير المطلوب.

تتسم كل المشاريع الاستعمارية بلا استثناء بالعالمية. فهي تكتسب قدراتها ويتحقق لها التمكين جزئياً بسبب وفرة الموارد من مال وسلاح، وجزئياً بسبب التواطؤ معها من قبل القوى الدولية، سواء كانت دولاً أو منظمات، وجزئياً بسبب التعاون والإذعان الذي تمارسه النخب المحلية.

ولنأخذ على سبيل المثال المشروع الصهيوني، فما كان للدولة اليهودية أن تقوم في فلسطين لولا التسهيلات التي وفرتها بريطانيا خلال سنوات الانتداب، وما كان لهذه الدولة أن تستمر وتقوى لولا كفالة الولايات المتحدة ووعدها بتقديم كل أشكال الدعم المادي والعسكري والسياسي والدبلوماسي لها.

بالإضافة إلى ذلك، ما كانت إسرائيل، التي تقهر الفلسطينيين منذ عقود، لتنعم يوماً بالسلام والأمان لولا تعاون مختلف اللاعبين المحليين، من الدكتاتوريات العربية المجاورة، التي كرست جيوشها وأجهزتها الأمنية لإبقاء حدودها مع الكيان الصهيوني آمنة وخالية من أي تهديد، إلى السلطة الفلسطينية التي ولدت من رحم اتفاقيات أوسلو كوسيلة لمساعدة إسرائيل في التخلص من الانتفاضة الفلسطينية التي انفجرت في وجهها في كانون الأول/ ديسمبر من عام 1987. لقد غدت المهمة الأولى لهذه السلطة هي ضمان بقاء فلسطينيي الأراضي المحتلة تحت السيطرة، والحيلولة دون أن يشكلوا تهديداً لقوات الاحتلال أو المستوطنين اليهود، وبذلك تخفف عن إسرائيل عبء القيام بكثير من المهام القذرة بنفسها.

لا يوجد مشروع استعماري غربي واحد إلا وله تكلفة يتحملها كفلاؤه وأولياؤه، ولا يُستثنى من ذلك الاحتلال الصهيوني في فلسطين، إلا أنه طالما رجحت كفة المكاسب على كفة التكلفة فلسوف يستمر المشروع الاستعماري في ضمان دعم هؤلاء الكفلاء والأولياء، وسينعم بدفاعهم عنه وتبريرهم له في كل الميادين وفي كل الأحوال. قد يزعجهم قليلاً أن تنكشف أمام الرأي العام وحشيته وفظاعة ممارساته بفضل ما يبذله النشطاء من جهود، سواء كانوا محليين أو دوليين، ولكن هذا الانكشاف لا يكفي لحملهم على التخلي عنه والكف عن تبنيه.

مرت في الحالة الفلسطينية لحظات دقت فيها أجراس الإنذار في العواصم الغربية تحذر من حدوث ارتفاع حاد في تكلفة الإبقاء على إسرائيل، ومن تلك اللحظات المشهودة انتفاضة عام 1987، ذلك الحدث الذي تمخض عنه تحول جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين إلى حركة تحرير وطني بمسمى “حركة المقاومة الإسلامية” (حماس). وذلك أن إحياء روح الجهاد أرعبهم، مما دفع ما يسمى بالمجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، إلى البحث عن تسوية مع منظمة التحرير، التي عكر صفو مزاجها بروز منافس أو بديل لها، وهي المنظمة التي كانت قد ادعت زوراً وبهتاناً ودون تفويض من الشعب – وفقط بمباركة من سيئة الصيت جامعة الدول العربية – أنها الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين. وكان الهدف من هذه التسوية إطفاء جذوة الانتفاضة، واحتواء الجماهير الفلسطينية الغاضبة وسحب البساط من تحت أقدام حركة حماس.

بدأت هذه التسوية بمؤتمر مدريد في عام 1991 ثم تُوجت بتوقيع اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني في حديقة البيت الأبيض بواشنطن في أيلول/ سبتمبر من عام 1993.

ما من شك في أن عملية السلام تلك بين منظمة التحرير وإسرائيل غررت ببعض الفلسطينيين، وكذلك ببعض من نشطاء حركة التضامن الدولية مع فلسطين، وانطلت عليهم الوعود بأن تفضي اتفاقيات أوسلو خلال بضع سنين إلى قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن ما بات يعرف بحل الدولتين، فأصبح ذلك هو الحل المفضل لديهم، ومنتهى ما يتطلعون إليه من وضع نهائي.

مرت سبع سنين عجاف لم تزدد إسرائيل فيها إلا طمعاً ونهماً، فراحت تصادر المزيد من الأراضي، وتهدم المزيد من البيوت، وتشرد المزيد من الناس وتزرع في الأراضي المحتلة المزيد من المستوطنين. وفي أيلول/ سبتمبر من عام 2000، عاد “صانع السلام” ياسر عرفات من كامب ديفيد في الولايات المتحدة، بعد جولات مطولة من المحادثات العبثية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، صفر اليدين، خالي الوفاض، يتملكه إحساس بالمهانة، وقد أفاق هو ومن معه من سكرتهم وأيقنوا أنهم الأخسرون. فقرر عرفات إشعال الانتفاضة الثانية رجاء أن يحشر إسرائيل في الزاوية ويجبرها على الوفاء بما اعتقدت قيادة منظمة التحرير وقيادة فتح أنه ملزم لها بموجب اتفاقيات أوسلو، إلا أن خطته باءت بالفشل، فصفته إسرائيل واعتقلت مروان البرغوثي وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة، وجاءت بمحمود عباس ليتولى زمام الأمور ويعيد بناء السلطة على الأسس التي أقيمت عليها في الأصل، ولتؤدي المهمة الموكلة إليها كذراع أمنية للاحتلال الإسرائيلي داخل المناطق المحتلة.

لقد كانت الغاية الأصلية من إيجاد السلطة الفلسطينية هي مساعدة إسرائيل في ستر ما انكشف من عوراتها أثناء الانتفاضة الفلسطينية، والتغطية على ما ظهر من نقاط ضعفها.

في الواقع، كانت تلك هي الغاية من كل معاهدة سلام أبرمت بين العرب وإسرائيل، أولاً مع مصر في 1978 ثم مع منظمة التحرير في 1993 ثم مع الأردن في 1994، ثم ما يسمى باتفاقيات أبراهام وملحقاتها في 2020 مع كل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان. كان الهدف باستمرار هو تقليص الضرر المترتب عن انكشاف عورات المشروع الصهيوني ونقاط الضعف في بنية كيانه الذي يحتل فلسطين، تلك الجزيرة الصغيرة التي تقع في القلب من محيط مترامي الأطراف من شعوب عربية ومسلمة لا تكن للصهاينة سوى العداء والرفض.

لقد كشفت المواجهة الأخيرة مع غزة وبقية فلسطين أن الجهود التي تبذل لحماية إسرائيل وإنقاذها من انكشاف جوانب الضعف في مشروعها؛ باتت جهوداً مضنية ومكلفة جداً

لقد كشفت المواجهة الأخيرة مع غزة وبقية فلسطين أن الجهود التي تبذل لحماية إسرائيل وإنقاذها من انكشاف جوانب الضعف في مشروعها؛ باتت جهوداً مضنية ومكلفة جداً.

من أهم الفروق بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كما تجلى في المواجهة الأخيرة، أن الفلسطينيين لديهم قدرة أكبر بكثير على تحمل الألم وقدراً أكبر بكثير من الاستعداد للتضحية، وذلك أنهم لم يبق لديهم الكثير مما يخشون على فقده بعد أن أخضعوا رغماً عنهم لقهر قوة استعمارية غاشمة تصر على انتزع أرضهم منهم وتجريدهم من كل معاني الكرامة الإنسانية.

في المقابل، تقوم الفكرة الصهيونية على أنه لا بد من إنشاء ملاذ آمن في فلسطين لليهود الذين باتوا لا يشعرون بالأمن في بلدان العالم التي كانوا يعيشون فيها بسبب معاداة السامية، والتي ما لبثت أن تمخضت عن كوارث مهولة كان آخرها المحرقة النازية (الهولوكوست). إلا أن فكرة الوطن القومي لليهود تلك انكشف بطلانها وانعدام جدواها، وغدا ذلك معروفاً لدى أعداد متزايدة من اليهود.

فرغم المظلومية الشديدة، إلا أن معظم يهود العالم ما زالوا يعيشون خارج فلسطين ويرفضون الهجرة إليها، فهم خارجها ينعمون في أماكن تواجدهم بمستويات أعلى بكثير من الأمن والأمان الذي يتوفر لهم في فلسطين.

والخلاصة هي أنه على الرغم من مساهمتها في النضال، إلا أن المقاومة السلمية ليست وحدها التي تزيد من تعرية إسرائيل وتكشف نقاط ضعفها وتفضح بطلان الفكرة الصهيونية وفسادها.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *