كيف كسر الكاظمي الجمود السياسي في العراق؟

كيف كسر الكاظمي الجمود السياسي في العراق؟

البوصلة – بعد نحو خمسة أشهر من الجمود السياسي، تمكّن رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي من تمرير حكومة غير مكتملة الأركان ويكسب ثقة البرلمان وسط أوضاع معقدة محلية وإقليمية ودولية.

وفجر الخميس، صوت البرلمان بأغلبية الأعضاء الحاضرين على منح الثقة للكاظمي و15 وزيراً، فيما لم يحظ 5 مرشحين بالثقة، وشغور حقيبتي النفط والخارجية.

** الخيار الأخير

وكان الكاظمي من بين الأسماء المتداولة لشغل رئاسة الحكومة منذ استقالة سلفه عادل عبد المهدي، مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي، تحت ضغط احتجاجات شعبية غير مسبوقة مناهضة للحكومة والنخبة السياسية المتهمة بالفساد والتبعية للخارج.

غير أن الكاظمي لم يكن الخيار الأول للقوى السياسية وخاصة الشيعية التي تتولى تسمية رئيس الوزراء على اعتبار أن المنصب من حصتها وفق العرف السياسي المتبع منذ 2003 والمعروف باسم المحاصصة.

رشحت القوى السياسية الشيعية محمد توفيق علاوي ثم عدنان الزرفي اللذين لم ينجحا في دعم الحشد اللازم لتمرير حكومتيهما في البرلمان.

ويبدو أن الكاظمي كان الخيار الأخير، إلا أن الرجل، المعروف بفض النزاعات والتوسط بين القوى السياسية المتصارعة على مدى سنوات، نجح في الاختبار.

ويرى الباحث السياسي واثق الجابري أن “القوى السياسية منحت الثقة لحكومة الكاظمي، بعد رفضها في السابق، لقلة الخيارات المتاحة والتحديات الكبيرة التي تواجه العراق على مستويات عدة سواء الصحية أو الاقتصادية أو الأمنية”.

ويضيف الجابري، وهو عضو في مركز “كتّاب العراق”، أن “الكتل السياسية ترى أن هذه الحكومة ستكون انتقالية، لذلك لم ترد أن تغامر أكثر، وقررت المضي بمنح الثقة لحكومة الكاظمي”.

ويعتقد الجابري، في حديثه للأناضول، أن “بعض القوى السياسية كانت مقتنعة بتمرير الحكومة، إلا أن بعضها كان مرغماً على هذا الخيار لعدم وجود طريق آخر”.

** إرضاء الحراك الشعبي

والكاظمي، مستقل لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، كان يشغل منصب رئيس المخابرات منذ يونيو/حزيران 2016 ولغاية تسلمه رئاسة الحكومة.

ويبدو أن اختيار الكاظمي في الأمتار الأخيرة جاء أيضاً إرضاءً للحراك الشعبي الذي يصر على رئيس وزراء مستقل بعيد عن الأحزاب وتبعية الخارج.

ويقول الباحث السياسي الجابري إن “القوى السياسية تحاول إعادة الثقة إلى الشارع من خلال الابتعاد عن المحاصصة ولو ظاهرياً، رغم أنها تتدخل عن طريق وجودها العميق داخل الوزارات، لكنها لم تفرض شخصيات بحد ذاتها على الكاظمي للحصول على حقائب وزارية معينة”.

ويضيف أن “الكتل السياسية اليوم تمهد لمرحلة مقبلة للشروع بانتخابات مبكرة، رغم مساعي بعض الكتل للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من مكاسب داخل الحكومة”.

** الدعم الأمريكي

وحظي الكاظمي بإجماع نادر من القوى السياسية عند تكليفه من قبل رئيس الجمهورية بمهمة تشكيل الحكومة في 9 أبريل/نيسان الماضي.

ومع وصول المشاورات خط النهاية، سحبت كتل سياسية دعمها للكاظمي لعدم رضاها عن قائمة المرشحين لشغل الحقائب الوزارية.

وقبل أيام قليلة من تمرير الحكومة، أعلنت كتل سياسية أنها لن تصوت لصالح حكومة الكاظمي وهي ائتلاف “دولة القانون” (26 من أصل 329 مقعداً في البرلمان) بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وائتلاف “الوطنية” (21 مقعداً) بزعامة إياد علاوي، وحزب “الحل” (14 مقعداً) بزعامة جمال الكربولي.

ولم تكن الأصوات المعارضة قادرة على وضع العصا في عجلة حكومة الكاظمي، إذ نالت ثقة الكتل الشيعية والسنية والكردية البارزة.

ويرى الباحث في مركز “الهدف للدراسات”، مقره بغداد، هاشم الكندي، أن الدعم الأمريكي للكاظمي سهّل تمرير حكومته إلى جانب تأييد القوى الشيعية البارزة لها وهي تحالف “سائرون” (54 مقعداً) المدعومة من التيار الصدري، و”النصر” (42 مقعداً) بزعامة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي و”الحكمة” (18 مقعداً) بزعامة عمار الحكيم.

ويضيف أن السنة والأكراد دعموا الكاظمي بعد ضمان مصالحهم في الحكومة الجديدة.

والخميس، رحّب وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، خلال اتصال هاتفي أجراه مع الكاظمي، بتشكيل الحكومة الجديدة.

وقالت الخارجية الأمريكية، في بيان، إن بومبيو بحث مع الكاظمي سبل “العمل سوياً لتوفير الازدهار والأمن للشعب العراقي”.

كذلك رحبت كل من إيران والسعودية بالحكومة، فقد هنأ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، في تغريدة عبر “تويتر” رئيس الوزراء العراقي بنجاحه في مهمته، كما بعث العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، برقية تهنئة إلى الكاظمي بعد نيله ثقة البرلمان.

** تحديات هائلة

وتنتظر حكومة الكاظمي تحديات هائلة تتمثل أولها استكمال تشكيلته الحكومية التي لا تزال 7 مقاعد شاغرة فيها بينها وزارتان سياديتان وهما النفط والداخلية، حيث يتوجب عليه مواصلة المشاورات الشاقة مع القوى السياسية لتمرير بقية الوزراء في الأيام والأسابيع المقبلة.

وتسلم الكاظمي مهامه وسط أزمة جائحة كورونا التي تجتاح العالم، فعليه إثبات جدارة حكومته بمحاربة الفيروس وتخفيف تداعياته الاقتصادية، وكذلك الاستعداد لإجراء انتخابات مبكرة والسيطرة على السلاح المنفلت.

وعلى الكاظمي الاستعداد لأزمة مالية وشيكة بعد انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية والتي تشكل الأموال المتأتية من بيع الخام نحو 95 في المئة من إيرادات الدولة.

كما أن عليه إرضاء الحراك الشعبي الذي يستعد لاستئناف الاحتجاجات بعد انتهاء قيود كورونا، حيث يعترض المتظاهرون على طريقة تشكيل الحكومة ومحاولة الكاظمي استرضاء القوى السياسية في اختيار مرشحيه.

ويقول الباحث الكندي في حديثه للأناضول إن حكومة الكاظمي تشكلت كسابقاتها استناداً إلى “المحاصصة الحزبية” و”صفقات اللحظات الأخيرة”، وهو ما لا يرضي الشارع العراقي المنتفض.

ويضيف أن الأحزاب النافذة لن تتيح المجال للكاظمي بإدارة حكومته بحرية، مردفاً “لن يكون بالإمكان محاسبة أي وزير من مبدأ (غطيلي وأغطيلك)، وهكذا فإن الفشل سيتكرر”.

ويختم الكندي بالقول، “الأمر ليس مرتبطاً بالأسماء، وإنما نهج القوى السياسية التي ترفض مغادرة المحاصصة والمكاسب، لذلك فإن حكومة الكاظمي لن تحقق النجاح كسابقاتها”.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *