لماذا تتقدم أيرلندا وأسكتلندا صفوف المدافعين عن فلسطين؟

لماذا تتقدم أيرلندا وأسكتلندا صفوف المدافعين عن فلسطين؟

في سابقة داخل أوروبا، يقرّ البرلمان الأيرلندي قانونا يعدّ المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية “ضمًّا فعليًّا غير قانوني”، وهو القانون الذي حاز إجماع أحزاب جمهورية أيرلندا، فضلا عن إدانتها تهجير السكان الفلسطينيين.

القانون رأى أن التوسع الاستيطاني هو انتهاك جسيم للقانون الدولي، ومباشرة بعد تمريره عبّر حزب “شين فين” الأيرلندي، أكبر الأحزاب وأكثرها عراقة، عن أن هذه المذكرة هي انتصار لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وكاد البرلمان الأيرلندي أن يصوّت على مذكرة أخرى تطالب بطرد السفير الإسرائيلي لكنها لم تحز الأغلبية الكافية.

والتطور غير المسبوق في دعم القضية الفلسطينية في أيرلندا ليس وليد اللحظة بل هو نتاج مسار تاريخي، بصمت فيه هذه الجمهورية على محطات من نصرة الملف الفلسطيني، تتجاوز في كثير من الأحيان سقف التضامن لدى بعض الدول العربية مع الملف نفسه.

هذا النفس الداعم للقضية الفلسطينية رسميًّا وشعبيًّا نجده أيضا في أسكتلندا، هناك حيث لا يتورع المسؤولون عن توجيه انتقادات واضحة للاحتلال، فضلا عن المظاهر الشعبية في دعم فلسطين (رفع جماهير نادي غلاسكو العلم الفلسطيني، ارتداء البرلمانيين الكوفية الفلسطينية..)، كلها مظاهر تدل على وجود بيئة حاضنة لهذه القضية.

فما الأسباب التي تجعل بلدين أوروبيين يعدّان الملف الفلسطيني من ضمن الأولويات في سياستهما الخارجية، ويتصدر اهتمامات الرأي العام؟

التاريخ والأخلاق

يرى الأيرلنديون في القضية الفلسطينية كثيرا من نقاط التشابه مع قضيتهم، وهكذا فمنذ عام 1947 بدأت أيرلندا تنظر إلى إسرائيل باعتبارها مقاطعة تابعة للاستعمار من أجل السيطرة على العرب، كما ينظرون إلى أيرلندا الشمالية، باعتبارها محتلّة من بريطانيا.

وظلّت أيرلندا دائما متوجسة من إسرائيل، وهكذا فهي لن تعترف بها إلا بعد 15 سنة مما يسمى إعلان قيام دولة إسرائيل، وبحلول عام 1967 ستجعل الخارجية الأيرلندية قضية اللاجئين قضيتها الأساسية، حسب ما صرح بذلك وزير الخارجية آنذاك فرانك أيكن الذين يمكن القول إنه أسس لعقيدة الدفاع عن “حق العودة” في بلاده، بل والمطالبة بتعويض كامل للاجئين الفلسطينيين.

ومنذ دخولها الاتحاد الأوروبي، تصدرت أيرلندا مشهد المدافعين عن القضية الفلسطينية، وطالبت سنة 1980 بإقامة دولة فلسطينية، وستتوالى محطات الدعم، ويمكن تلخيص هذا المسار بتصريح لرئيس وزراء أيرلندا، بيرتي أهرن، الذي قال إن بلاده تتدخل في هذا الملف من ناحية “بعده الأخلاقي من حيث احترام حقوق الإنسان ومعاداة الإمبريالية”.

تشابه التجارب

ويفسر رئيس مؤسسة الحق الفلسطيني في أيرلندا، يحيى عابد، دعم دبلن لفلسطين “بالإسقاطات التي يقوم بها الأيرلنديون لتجربتهم والتجربة الفلسطينية، فهم يعدّون أنهم قاوموا الاحتلال البريطاني من أجل الحق في تقرير مصيرهم”، مضيفا أن “مصطلحات مثل المقاومة ومحاربة الاحتلال هي حاضرة في البنية الفكرية للأيرلنديين لأنهم عاشوها”.

ويؤكد الناشط الفلسطيني الذي كان مشاركًا في مظاهرة لدعم فلسطين، خلال حديثه مع الجزيرة نت، أن المواطن الأيرلندي “لديه وعي عال جدا بالقضية الفلسطينية مقارنة ببقية الأوروبيين”.

وبكثير من الفرح يعبّر عابد عن المستوى الذي بلغه التضامن مع فلسطين في أيرلندا “بعد الحرب الأخيرة على القطاع ارتفع السقف جدا في التضامن مع قضيتنا إلى مستويات غير مسبوقة قط، وعلى سبيل المثال فهناك وقفة شبه يومية أمام السفارة الإسرائيلية في دبلن”.

هذه المواقف جعلت أيرلندا تحت الضغط، وحسب ما كشف عنه المتحدث ذاته فإن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن قبل زيارته الأخيرة للشرق الأوسط، توقف في دبلن وجلس مع مسؤوليها 3 ساعات بغرض الضغط عليهم لتغيير موقفهم من إسرائيل وتخفيف لهجة الدعم لفلسطين، معتبرا أنها محاولات لن تغير الكثير “لأن التضامن الشعبي بلغ مرحلة لا يمكن معها الخضوع لأي ضغط وبات العلم الفلسطيني مرفوعا في كل شوارع دبلن وفي كل المناطق السكنية”.

مسؤولية تاريخية

ولا يختلف الوضع كثيرا في أسكتلندا، حيث القضية الفلسطينية تحظى بدعم شعبي وسياسي يقوده الحزب الوطني الأسكتلندي، الذي يقود البلاد حاليا، وذلك بالنظر “إلى الشعور بمسؤولية تاريخية تجاه هذا الملف” حسب محمد الأزرق الناشط الفلسطيني في غلاسكو.

ويقول الباحث والناشط الفلسطيني، في حديثه للجزيرة نت، إن أسكتلندا ترى أن فلسطين “هي تكرار لتجربتها من أجل الاستقلال والحق في تقرير المصير الذي ما زالت تبحث عنه، وترى في هذه القضية تجليًّا لسعي الشعوب نحو التحرر”، مضيفا أن أسكتلندا هي أيضا “لديها حساسية عالية في التعامل مع قضايا الاحتلال والاستعمار لأن الأحزاب القومية تروّج أن أسكتلندا كذلك بحاجة إلى الاستقلال عن المملكة المتحدة”.

ويضيف المتحدث ذاته أن هناك التأثير الأيرلندي “فهناك فئة كبيرة من السكان في أسكتلندا تعود أصولهم لأيرلندا، وهي الفئة التي هاجرت خلال الحرب ولها قدرة على التأثير في النقاش العام”، مقدمًا المثال بنادي سلتيك غلاسكو الذي يعدّ من أكثر الأندية في العالم تضامنا مع فلسطين “هذا النادي أسسه أيرلنديون ومن ثم فما يقوم به هو بمنزلة وفاء للآباء المؤسسين”.

أما العامل الأخير وهو الجديد، فهو التضامن الذي تحوزه القضية لدى الشباب “وهذه الفئة في جزء كبير منها تؤيد استقلال أسكتلندا عن المملكة المتحدة وناقدة للسياسية الخارجية لبريطانيا، وهي حاليا التي باتت من أكبر المدافعين عن القضية الفلسطينية”.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *