“لن يمرّ”.. لماذا يلقى “قانون البدون” بالكويت رفضا واسعا؟

تبنى رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، منذ عدة شهور، مشروع قانون يسعى إلى إنهاء ملف عديمي الجنسية، المعروفين بـ”البدون”، الذين يرون أحقيتهم بالجنسية.

وطرح المرزوق مشروع قانون لإقراره، إلا أن اللجنة المختصة بمناقشته لم تنعقد؛ لعدم اكتمال نصابها، وهو ما دفع رئيس مجلس الأمة إلى التلميح بوجود ضغوطات خارجية على بعض النواب، بحسب قوله.

وهدد الغانم بكشف أسماء النواب المتسببين بمحاولة “قبر موضوع البدون”، قائلا إن بعضهم كان موقعا بالأساس على القانون، وتراجع عنه لاحقا.

ويلزم مشروع القانون فئة “البدون” باستخراج وثائقهم الأصلية، ليتم منحهم إقامة طويلة مدتها 15 سنة، على أن تكون لهم أولوية في التجنيس لاحقا.

“قانون مجحف”
اعتبر حقوقيون كويتيون أن قانون “البدون”، أو “قانون مرزوق”، كما بات يوصف، مجحف ولا ينصف فئة البدون التي تستحق المواطنة.

وقال النائب عبدالله فهاد في تصريحات صحفية، إن هناك “دعوات مشبوهة لتمرير قانون البدون المجحف والمرفوض والمخالف للدستور والمواثيق الدولية”.

وأضاف أن “على من يعنيه شأن البلاد وأمنها واستقرارها وقف هذا العبث، والنأي بهذه القضية الإنسانية عن أي عنصرية ظالمة أو مساومات وتكسبات انتخابية”.

الدكتور فايز الفايز، أحد أبرز المدافعين عن “البدون” بالكويت، قال إن مرزوق الغانم هو من تقدم بمشروعي قانون حول قضية “البدون”، وإن بقية النواب الذين أيدوا ذلك تبعوه لينال القانون صفة الاستعجال فقط.

وقال الفايز في حديث، إن سبب رفض هذا المشروع بالمقام الأول كونه يبقي على تسمية “مقيم بصورة غير قانونية” لهذه الفئة، وينزع عنهم حتى وصف “كويتي دون جنسية”.

ولفت الفايز إلى أن هذا القانون يضع البدون أمام خيار إبراز الجنسية الأصلية أو الحرمان من الجنسية الكويتية مستقبلا، وما يترتب عليه من حرمان هذه الفئة من كافة حقوقها الإنسانية (العلاج، السفر، التعليم).

وبحسب الفايز، فإن الخيار المتاح أمام “البدون” لرفض هذا القانون هو اللجوء إلى لجنة تظلمات فقط، إذ يمنعون من الذهاب للقضاء.

ونوه فايز الفايز إلى أن إحدى مخاطر هذا القانون تتمثل في أن أي شخص لا يتمكن من تصويب أوضاعه في غضون مدة أقصاها سنة، سيتم معاملته معاملة المقيم الأجنبي، وهو ما يترتب عليه فرض غرامات مخالفة الإقامة، مع إمكانية السجن والترحيل.

“إخفاء متعمّد”

النائب في البرلمان خالد حسين الشطي، وهو من المدافعين عن مشروع قانون البدون الذي يسعى مرزوق الغانم لإقراره، قال إن هناك إخفاء متعمّدا لبعض الوثائق من البدون الذين لا تنطبق عليهم شروط استحقاق الجنسية.

وقال الشطي في مقال نشره بصحيفة “الجريدة”، إن البدون المستحقين للجنسية هم من ضمّهم إحصاء سنة 1965، ومع إقراره بسقوط عدد من الأسماء حينها بسبب التحاقهم بالقوات المسلحة أو تقاعسهم عن التسجيل لأسباب أخرى، إلا أن ثمانينات القرن الماضي شهدت موجات نزوح إلى الكويت بتسهيل من الدولة العميقة، وتم خلطهم مع البدون، ليبدوا كأنهم جميعا مستحقون للجنسية.

وتابع: “جاء على هامش هذه الخطوة التاريخية المغرقة في الإثم والخطأ، نتائج ومعطيات لا تقل خطورة عن الأصل؛ الأولى: عمليات تزوير في ملفات الجنسية، ذُكرت لها أرقام مهولة. والثانية: شريحة عريضة من المتسللين الذين تسلقوا عنوان البدون زورا، حتى لحق بهم بعض المرتزقة الذين استقدمهم تجار الإقامات، وأقحموهم في القضية، وجعلوهم جزءا من غير محددي الجنسية!”.

وقال الشطي إنه “من السهل دغدغة المشاعر، والتكسب الانتخابي برفع شعارات تستميل شريحة أكبر ونطاقا أعرض، ما يجتذب مزيدا من الأصوات، ويتجنب الفرز والتصنيف الذي يتهدد بعضهم في مستقبله ومصير أبنائه… لكنها إطلاقات لا تعدو الدوران في حلقة مفرغة، لا تعالج أزمة ولا تنهي محنة، وهذا ما يتجاوزه الشعور الحقيقي بالمسؤولية تجاه المظلوم وتجاه الوطن والمواطنين على السواء”.

وشدد قائلا إن محاولة منح كافة البدون حق المواطنة، بمن فيهم من قدم في الثمانينات، “يهدد مفهوم المواطنة، وينذر بتسيُّب وميوعة وعبث، وقع فيه القوم في مطلع الثمانينيات، وما زلنا نقبِّحه وندينه، فلن نوافقهم عليه، فنكرره ونقع فيه نحن”.

“غير منطقي”

رأى الفايز أن مشروع القانون المطروح غير منطقي، ولا يمكن تطبيقه، متسائلا: “إذا انقضت السنة ولم يستطع البدون إبراز أي جنسية، فما الذي سيحدث؟ هل سيقومون بسجن 150 ألف إنسان؟ هل سيقومون بترحيلهم جماعيا وسيجلب للبلد جريمة دولية تحت مسمى التهجير القسري والتغيير الديموغرافي؟”.

وأضاف أن “القانون ومنطلقاته عنصرية، ولا تحل جذر المشكلة كما يدعي، في إشارة إلى مرزوق الغانم”.

وذكّر الفايز بحديث سابق لمرزوق الغانم عن اتفاقه مع عدة دول على شراء جنسيات اقتصادية للبدون، قبل أن يعزف عن هذه الفكرة عند تنبيه باحتمالية اعتبارها “إتجارا بالبشر”.

وأعرب الفايز عن أمله بأن يتم حل مشكلة البدون العالقة منذ عقود في العهد الجديد بقيادة أمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح.

وأضاف: “نحن كباقي الشعب المتعطش لخطوات إصلاحية شاملة وواسعة، يتم فيها إرجاع المهجرين السياسيين، وإطلاق سجناء الرأي، وعلى رأس هذه الخطوات المأمولة هي قضية عديمي الجنسية البدون وأبناء الكويتيات”، مشيرا إلى أن “لقاءات صاحب السمو الشيخ نواف الأحمد منذ أن كان نائبا للأمير مع رموز المعارضة واستلامه وثائق تدعو للإصلاح عززت شعورنا بالتفاؤل بالعهد الجديد”.

وكشف الفايز عن مبادرة تعريف بحقوق “البدون” تزامنا مع الحملات الانتخابية لمجلس الأمة (البرلمان).

وأضاف أن “القضايا الحقوقية تتطلب التوعوية والحشد المجتمعي للضغط في سبيل إقرار بعض القوانين أو تغييرها، والبدون في الكويت هم الأنشط في هذا المجال، واستخدموا أكثر من وسيلة من وسائل الضغط لتغيير العديد من القرارات العنصرية ضدهم، فعلى سبيل المثال استخدموا الاعتصامات السلمية ومواقع التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام بشكل عام.

وتابع: “من ضمن هذه الوسائل التي نرى لها تأثيرا مهما في الأيام القادمة (الانتخابات البرلمانية)، ونرى أنه من المهم اختراق قواعد مرزوق الغانم لتوعية جمهوره.

وكانت صحيفة “الراي” الكويتية كشفت في تموز/ يوليو 2019، أن الحكومة الكويتية، وبالتنسيق مع رئيس مجلس الأمة، يعملون على إنهاء ملف “البدون” بشكل نهائي، مع احتمالية منح قسم منهم الجنسية العراقية، إذ تم تداول الموضوع رسميا مع رئيس البرلمان العراقي محمد الجلبوسي.

وقالت الصحيفة، إن اللجنة التي شكلت بتوجيهات من أمير البلاد حينها الشيخ صباح الأحمد، ستواصل العمل بقانون تجنيس الـ4000 شخص سنويا.

الجدير بالذكر، أن الجهاز المركزي يعترف بوجود 83 ألف نسمة من البدون فقط، فيما تشير إحصائيات غير رسمية، إلى أن تعداد البدون يتجاوز ربع مليون نسمة. وشارك البدون في حرب الخليج ضد العراق 1991، وبرغم ذلك، لم تمنحهم الحكومة جنسيتها.

وشهد العام 2019 ثلاث حالات انتحار على الأقل لناشطين من البدون، بسبب حرمانهم من حقوقهم المدنية.

وكان مؤسس حركة الكويتيين البدون، محمد والي العنزي، قال في تصريحات سابقة لـ”عربي21″، إن تعداد البدون في الكويت يصل إلى نصف مليون نسمة، نافيا ما يتردد من أرقام حقوقية بأن العدد لا يتجاوز مئة ألف، علما بأن الحكومة تعترف برقم أقل من ذلك.

وقال العنزي المقيم في لندن إن الآلاف من بدون الكويت حصلوا على جنسيات من بريطانيا، والنرويج، والسويد، والدنمارك، وفرنسا، وهولندا، وإيرلندا، وكندا، والولايات المتحدة، وأستراليا، وغيرها. وذكر العنزي أن البدون لا سبيل لهم في مغادرة الكويت إلى دول تمنحهم حق الإقامة، إلا بطرف التفافية، عبر الجوازات المزورة، أو التهريب، أو الرشاوى التي تمنحهم جوازا يتيح لهم السفر لمرة واحدة.

يذكر أن منظمة العفو الدولية انتقدت تعامل الكويت مع قضية البدون، وقالت في بيان سابق: “لقد تأخر كثيرا إيجاد حل إنساني ومستدام وشامل لمحنة البدون. فيواجه أكثر من 100 ألف شخص من البدون قيودا صارمة على حقوقهم في الحصول على فرص العمل، والخدمات الحكومية، ولا سيما الرعاية الصحية والتعليم، ويتم معاقبة هؤلاء الرجال لتجرئهم على تحدي هذا الوضع المروع”.

عربي 21

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *