لوفيغارو: عودة الجواسيس .. مرحبا بكم في حرب باردة من نوع جديد

يضاعف العملاء الروس تحركاتهم في الدول الغربية، جامعين بين التجسس التقليدي والاغتيالات والقرصنة والتدخل في شؤون البلدان والتضليل، تنفيذا لإرادة قيصر الكرملين الذي يدعي أنه يدافع عن نفسه ضد هجمات أعدائه.

بهذه الجملة، لخصت لوفيغارو الفرنسية ما يقوم به الجواسيس الروس في الغرب، مستطردة قول الجاسوسة الروسية السابقة آنا تشابمان “ما كانوا يقومون به أيام الحرب الباردة في القرن العشرين مجرد لعب أطفال” إذا ما قورن بأعمالهم اليوم”.

وفي تحقيق مطول للصحيفة كتبه فنسنت نوزيل، رحب الكاتب بعودة الحرب الباردة، منطلقا من محاولة اغتيال سيرغي سكريبال ضابط المخابرات العسكرية الروسي السابق والعميل المزدوج الذي طرد من موسكو إلى لندن عام 2010، حيث أعادت المملكة المتحدة و15 دولة غربية أخرى إلى روسيا أكثر من مئة “دبلوماسي” روسي يشتبه في قيامهم بالتجسس.

وعدد الكاتب مجموعة من عمليات القبض على الجواسيس الروس من وحدة المخابرات العسكرية، من ضمنهم أربعة تم اعتقالهم بهولندا يحاولون اختراق أجهزة حاسوب بمقر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، واثنان بالولايات المتحدة وسويسرا بسبب اختراق حواسيب أخرى للمنظمات الرياضية الدولية والوكالة العالمية لمكافحة المنشطات في لوزان.

ثلاث طرق للتأثير

وقال الكاتب إن حالات المخابرات العسكرية الروسية هذه تظهر النشاط المتنامي لجواسيس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحماسهم الذي قد يعرضهم للانكشاف، خاصة أن موسكو متهمة منذ عدة سنوات بالتجسس والتسلل والقرصنة والتدخل في الشؤون والتضليل على نطاق واسع.

وبالإضافة إلى الملفات المذكورة -يقول الكاتب- تنسب إلى موسكو قائمة طويلة وغير شاملة من اغتيالات المعارضين والهجمات الإلكترونية ضد إستونيا وجورجيا وأوكرانيا، والتدخل بالانتخابات في أميركا وبريطانيا وفرنسا، والتمويل الغامض للأحزاب الشعبوية بأوروبا، وقرصنة المواقع الحكومية والأقمار الاصطناعية.

ويدير الحرب الباردة الجديدة في موسكو -حسب الكاتب- شخص من أهل هذا المجال هو بوتين نفسه الضابط السابق بالمخابرات السوفياتية الذي تم اختياره عام 1999 لخلافة بوريس يلتسين.

وبمجرد توليه السلطة، عقد بوتين العزم على استعادة عظمة بلاده، كما تقول فرانسواز ثوم أستاذة التاريخ بجامعة السوربون ومؤلفة كتاب “من أجل فهم البوتينية”.

وتعتقد أن بوتين “لا يزال يعمل في جهاز المخابرات السوفياتي، ويستخدم القوة والأساليب الوحشية لتحقيق غاياته” مقتبسة قول بوتين نفسه إن “هناك ثلاث طرق للتأثير على الرجال، هي الابتزاز والفودكا (الخمر) والتهديد بالقتل”.

وأوضحت أن بوتين -الذي يعتقد أن روسيا “تعرضت للإهانة” من قبل الغرب منذ تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991، وأنها مهددة بتقدم الناتو- وجه باتخاذ جميع “التدابير الفعالة” الممكنة لإضعاف الدول الغربية.

وعلق الكاتب على إعادة انتخاب بوتين عدة مرات، وعلى حاشيته المقربين من صقور الأجهزة الأمنية، حيث وضع بوتين يده على أجهزة الاستخبارات الرئيسية الثلاث (الاستخبارات الداخلية والخارجية والمخابرات العسكرية) التي يرأسها شخصيات من المخابرات السوفياتية السابقة (كي جي بي).

ويقول الباحث مارك غالوتي إن رجال المخابرات الذن يخدمون سياسة بوتين يؤثرون عليه أيضا، حيث إنه يقرأ ملاحظاتهم كل صباح وهي تكفي غالبا لتشكيل رأيه، مشيرا إلى أن ما يجمع بينهم اعتقادهم أن الغرب يريد اختفاء روسيا، وبالتالي فإن كل الوسائل جيدة للدفاع عن أنفسهم.

جبهات متعددة

وفي سياق هذه الحرب، يقول الكاتب إن روسيا بدأت في جوارها من دول الاتحاد السوفياتي السابق مثل إستونيا وأوكرانيا وجورجيا والتي استهدفت بهجمات حاسوب غير مسبوقة، بل إن الأخيرة كانت هدفا لهجوم عسكري روسي مثل أوكرانيا التي تحولت لجبهة ساخنة ولا تزال مقسمة.

ويقول الكاتب إن هذه الأحداث وغيرها كإسقاط الطائرة الماليزية فوق أوكرانيا، رافقتها حملة على الشبكات الاجتماعية، تغذيها الحسابات التي تم إنشاؤها بشكل خاص من قبل مجموعة تدعى “سايبربركوت” يحتمل أنها تابعة للمخابرات العسكرية الروسية.

وقد نشرت هذه الحسابات 111 ألف تغريدة من مبنى في سانت بطرسبرغ خلال الأيام الثلاثة التي أعقبت تحطم الرحلة الماليزية، بهدف إزالة مسؤولية موسكو عن الحادث.

وحسب الكاتب يعود المبنى لوكالة أبحاث الإنترنت التي أنشئت عام 2013، وتعد نوعا من وكالة التسويق الرقمي حيث توظف آلافا من المتخصصين بمجال الإنترنت يراقبون الشبكة العنكبوتية وينشرون أخبارا كاذبة ويشوهون معارضي بوتين ويخلقون حسابات مزيفة على الشبكات الاجتماعية، وفقا لدراسة حديثة أجرتها شركة نيو ناوليدج للأمن الإلكتروني.

وقد اكتسبت هذه الوكالة زخما هائلا، حيث وصلت إلى 126 مليون مستخدم على فيسبوك، ونحو عشرين مليونا على إنستغرام و1.4 مليون على تويتر. ويقول كاميل فرانسوا الباحث في هارفارد إنه ليست لديه “تفاصيل حول الروابط بين هذه الوكالة والخدمات الروسية، لكن التسلسل الزمني لتدخلاتهم يوحي بأنهم ينسقون عملياتهم، سواء في أوكرانيا أو سوريا أو غيرها”.

وقال الكاتب إن هذا الارتباط بدأ يظهر بشكل أكثر وضوحا من عام 2016 عندما فتح الجواسيس والمتصيدون الروس جبهتهم الثالثة من خلال استهداف الولايات المتحدة.

ويقول كيفن ليمونير، المحاضر بجامعة باريس الثامنة، إن هدف الروس هو التأثير على السياسة الأميركية بإذكاء التوترات الداخلية بعد أن “تعلموا بشكل انتهازي استخدام الأدوات الإلكترونية التي تكلف أقل من صاروخ”.

وقد اتهم المدعي الخاص الأميركي روبرت مولر روسيا بأنها “شنت عمليات تضليل لبث الخلاف الاجتماعي بهدف التدخل في الانتخابات” الأميركية، وذلك بإنشاء حسابات أميركية مزيفة بشكل جماعي من قبل وكالة أبحاث الإنترنت لجذب الجمهور في جميع الدوائر، حيث يمثل البعض الناشطين السود أو الرعاة أو غيرهم.

فرق تسد

وقد فتح العملاء الروس جبهة متوازية بأوروبا، مسلحين بنجاحهم الأميركي، هدفها هذه المرة “فرق تسد” حيث يقول سيسيل فاسيه أستاذ الدراسات الروسية بجامعة رين2 الفرنسية “الروس يريدون تدمير الاتحاد الأوروبي لتوسيعه واستغلاله للأزمات ودعم كل التطرف” وتتضمن خطتهم دعم الأحزاب القومية أو الشعبوية، وفي الوقت نفسه تهاجم الإنترنت والمتصيدون جميع البلدان الأوروبية.

ووفقا لبيانات كشفها موقع تويتر، فإن ما يقرب من أربعة آلاف حساب روسي مزيف تديرها وكالة أبحاث الإنترنت دعمت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يوم الاستفتاء في 23 يونيو/حزيران 2016.

وعام 2017 و2018، نشط المتصيدون الروس خلال أزمة انفصال كتالونيا وقبل الانتخابات العامة بألمانيا وهولندا والسويد، وقاموا بنشر كثير من التسميم وفقا لمختبر الأبحاث الرقمية التابع لمركز الفكر الأميركي أتلانتيك.

وقال فلاديسلاف سوركوف مستشار بوتين للغربيين في فبراير/شباط الماضي “روسيا تتدخل في أدمغتكم وتغير ضميركم ولا يمكنكم فعل شيء ضد ذلك”.

وفي فرنسا حاول الروس تضخيم السترات السوداء وإبراز مناخ الخوف في أعقاب الهجمات الإرهابية، وحاولوا إضعاف المرشح وقتها إيمانويل ماكرون الذي يعتبرونه أطلسيا للغاية ومواليا لأوروبا.

ومع كل هذا، يرى الكاتب أن حملة زعزعة الاستقرار التي قامت بها روسيا “لاختبار استخدامها السياسي بالمستقبل” قد تبدو حميدة الآثار، خاصة أنها استدعت الحذر الغربي تجاه التعاون مع الروس في موضوع الإرهاب والفضاء وغيرها.

(لوفيغارو)

هـ/7

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *