مؤتمر باريس لدعم جيش لبنان.. إنقاذ دولة أم طلب نفوذ؟

مؤتمر باريس لدعم جيش لبنان.. إنقاذ دولة أم طلب نفوذ؟

ـ منير الربيع، كاتب صحفي: فرنسا وصلت إلى حائط مسدود مع القوى السياسية اللبنانية بفشل مبادرتها لتشكيل الحكومة، وتريد بناء علاقة وثيقة مع الدولة العميقة التي يمثلها الجيش
ـ آلان سركيس، محلل وكاتب صحفي: قرار دولي وإقليمي اتخذ من الإدارة الأمريكية بالاستمرار في دعم الجيش والاستثمار به، لأنه القوة الشرعية المسلحة الوحيدة بالبلد، في وجود “حزب الله” المدعوم إيرانيا

يعاني لبنان تعقيدات متواصلة في ملف تأليف حكومة جديدة، وهي أزمة تراوح مكانها منذ 8 أشهر تقريبا على تكليف سعد الحريري بتشكيلها، في أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

ومع هذا الوضع، يُظهر المجتمع الدولي قلقا من احتمال تدهور الأوضاع وخروجها عن السيطرة، في ظل ضعف المؤسسات الأمنية وعلى رأسها الجيش، وعلى وقع غضب واحتجاجات شعبية منددة بانهيار اقتصادي هو الأسوأ منذ نهاية الحرب الأهلية، في 1990.

وعلى هذا المسار، تستضيف وزارة القوات المسلحة الفرنسية، الخميس، اجتماعا دوليا في باريس، عبر اتصال مرئي، لبحث سبل تقديم المساعدات اللوجستية والعسكرية للجيش اللبناني.

وتنظم باريس هذا المؤتمر بالتعاون مع إيطاليا والأمم المتحدة، وتشارك فيه نحو 25 دولة.

وفي مارس/ آذار الماضي، أطلق قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون، صرخة في وجه سياسيي بلاده، في ظل استمرار احتجاجات شعبية، وتساءل: “إلى أين نحن ذاهبون(؟) ماذا تنوون أن تفعلوا(؟) هل تريدون جيشا أم لا(؟)”.

وتابع، في مؤتمر صحفي: “إنهم لا يكترثون للجيش ولا لمعاناة العسكر الذين يعانون ويجوعون مثل الشعب”.

وأردف: “موازنة الجيش تُخفَّض في كل سنة، بحيث أصبحت الأموال لا تكفي حتى نهاية العام”.

واستطرد: “حذرنا أكثر من مرة من خطورة الوضع وإمكان انفجاره… الجيش اللبناني لن يسمح بالمساس بالاستقرار والسلم الأهلي، ولن يسمح بتكرار ما حصل في عام 1975 (بداية الحرب الأهلية)”.

ومنذ رسالة عون القوية، بدأت تتدفق على الجيش مساعدات (مواد طبية وغذائية) من جيوش دول صديقة للبنان، منها الولايات المتحدة وتركيا ومصر والأردن.

ولبى قائد الجيش اللبناني، في 25 مايو/ أيار الماضي، دعوة من نظيره الفرنسي، الجنرال فرنسوا ليكوانتري، لزيارة باريس، بعد أن فقدت فرنسا الأمل في تشكيل حكومة “إنقاذ” لبنانية.

وبعد أيام من انفجار كارثي بمرفأ العاصمة بيروت، يوم 4 أغسطس/ آب 2020، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، من بيروت، مبادرة لتشكيل حكومة اختصاصيين (لا ينتمون لأحزاب سياسية)، تجري إصلاحات إدارية ومصرفية. وهو ما اعتبرته قوى لبنانية تدخلا فرنسيا في شؤون بلدهم.

وحرص ماكرون على استقبال قائد الجيش اللبناني بباريس، في إشارة لافتة إلى مدى اهتمام فرنسا بمؤسسة الجيش اللبناني.

** “الدولة العميقة”

ورأى منير الربيع، محلل وكاتب صحفي، في حديث للأناضول، أن “فرنسا وصلت إلى حائط مسدود مع القوى السياسية اللبنانية، بعد إفشال مبادرتها لتشكيل حكومة جديدة، عقب استقالة حكومة حسان دياب، بعد انفجار المرفأ”.

وتتولى حكومة دياب تصريف الأعمال منذ أن استقالت في 10 أغسطس الماضي.

والعقبة الكبرى أمام تشكيل الحكومة هي خلافات بين رئيس الجمهورية ميشال عون، والحريري حول تشكيل حكومة اختصاصيين وتوزيع الحقائب الوزارية.

وأضاف الربيع، أن “فرنسا لديها طموح لإعادة إحياء نفوذها وتأثيرها داخل لبنان والحفاظ عليه، انطلاقا من علاقات تاريخية وسياسية وثقافية تربطها بهذا البلد (الذي خضع لاستعمار فرنسي في القرن الماضي)”.

وتابع: “بعد فقدان فرنسا الأمل بالقوى السياسية اللبنانية، تلجأ إلى الحفاظ على علاقات وثيقة، تبقي لها نفوذها في لبنان، عبر نسج علاقة مع الجيش ومع قوى المجتمع المدني، التي التقاها وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، خلال زيارته الأخيرة للبنان”.

وأردف: “تحت هذا العنوان تعقد فرنسا مؤتمرها الدولي لدعم الجيش اللبناني، في تأكيد على بناء علاقة وثيقة مع الدولة العميقة في لبنان، والتي يمثلها الجيش، فباريس تحتاج إلى علاقة قوية أساسية في هذا البلد، تكون من خلالها حاضرة وقادرة على التأثير”.

** القوة الشرعية الوحيدة

فيما قال آلان سركيس، محلل وكاتب صحفي، إن “الخطوة الفرنسية (المؤتمر) جاءت بعد رسائل وجهها قائد الجيش اللبناني إلى الجيوش الصديقة بطلب المساعدة، ولبت الكثير من الدول طلبه وأرسلت مساعدات عينية (طبية أو غذائية)”.

وأضاف سركيس، للأناضول: “فرنسا تلقفت رسالة قائد الجيش؛ لأنها تحاول لعب دور في لبنان، استنادا إلى علاقاتها التاريخية، وخاصة بعد مبادرة ماكرون لتشكيل حكومة جديدة”.

ومشيرا إلى زيارة قائد الجيش لباريس، رأى أن “لقاءه مع ماكرون له دلالات ليست أمنية وعسكرية فقط، بل أبعد بكثير من ذلك”.

وزاد: “فرنسا والدول الغربية والعربية تربط مساعداتها للحكومة اللبنانية بضرورة إجراء الإصلاحات، بينما الجيش اللبناني تأخذه (تتعامل معه هذه الدول) بشكل منفرد ومنفصل عن الطبقة السياسية”.

واستطرد: “فرنسا ليست الوحيدة التي فقدت الثقة بالطبقة السياسية اللبنانية، بل جميع الدول، من فرنسا إلى أمريكا وروسيا وتركيا، كلهم يساعدون الجيش اللبناني وفصلوه عن الطبقة السياسية، فلا ثقة بالسياسيين”.

وذهب إلى وجود “قرار دولي وإقليمي، اتُخذ من الإدارة الأمريكية، بالاستمرار في دعم الجيش والاستثمار به، لأنه القوة الشرعية المسلحة الوحيدة في البلد”.

وأوضح أن “دولا كثيرة تساند الجيش، وعلى رأسها أمريكا، ومن ثم بريطانيا وبعدهما فرنسا، وهذا دليل على أنهم لا يريدون أن يفلت الأمن في هذا البلد بعد الانهيار الاقتصادي”.

ومضى قائلا إن “فرنسا دولة صديقة للبنان، وتعتبر أنه آخر بلد فرانكوفوني، ومن المعروف أن هذا تحدٍ للرئيس ماكرون للنجاح في لبنان”.

واعتبر أن عقد باريس مؤتمرا لدعم الجيش اللبناني هو “تأكيد على أن المظلة الأوروبية ما زالت موجودة على لبنان، وفرنسا لم تترك هذا البلد”.

** ثقة كبيرة بالجيش

ووفق الربيع فإن “السلطة السياسية في لبنان مستاءة جدا من هذا الاهتمام الدولي، وليس الفرنسي فقط، بالجيش اللبناني، لأنه يحظى بثقة كل المجتمع الدولي، وبالتالي سيكون على حساب القوى السياسية، التي فقدت ثقة الشعب والعالم الخارجي”.

وتابع أن “كل المساعدات الدولية التي تأتي لبنان يتم تسليمها إلى الجيش لتوزيعها، بسبب الثقة الدولية به، وفقدان الثقة بالطبقة السياسية”.

كما لاحظ سركيس أن “كل الدعم الذي أتى لبنان منذ انفجار المرفأ، لم يمر بالحكومة، بل عبر جمعيات المجتمع المدني أو منظمات دولية والقسم الأكبر أُعطي للجيش”.

ورأى أن “السلوك الدولي يعرف تماما أن ما سيصل إلى السلطة السياسية في لبنان لن يصل إلى المكان الصحيح، وبالتالي لن يؤدي النتيجة المرجوة”.

وتابع: “هناك نقطة أساسية من وراء هدف الدعم، وهي وجود قوتين عسكريتين، الأولى شرعية متمثلة بالجيش والأجهزة الأمنية، والقوة الثانية هو حزب الله، المدعوم من إيران”.

وتمتلك جماعة “حزب الله” أسلحة تقول إنها تخدم فقط المقاومة، في ظل استمرار احتلال إسرائيل لأراضٍ لبنانية في الجنوب.

وبين إيران والولايات المتحدة ملفات خلافية، بينها برنامجا طهران النووي والصاروخي والسياسة الخارجية للبلدين في منطقة الشرق الأوسط.

واعتبر سركيس أن “أي ضعف للجيش واهتراء يصب في مصلحة حزب الله، لذلك فإن جميع الدول تراهن على أنه عندما تحصل التسوية (السياسية)، فإن الجيش اللبناني يشكل الأرضية الخصبة لإعادة بناء الدولة”.

وسنويا، يحتاج الجيش اللبناني إلى 100 مليون دولار، هي 40 مليون دولار طبابة، والبقية موزعة بين رواتب ومدارس ومواد غذائية.

ومنذ 2006، قدمت واشنطن أكثر من 2.5 مليار دولار مساعدات عسكرية للبنان، بحسب تصريح للسفيرة الأمريكية لدى بيروت دوروثي شيا، في 28 مايو الماضي، في ختام تمرين مشترك بين الجيشين بالبحر المتوسط.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *