مجازر داعش والغاز وشركة “توتال” الفرنسية.. ماذا يحدث في موزمبيق؟

سيطر تنظيم داعش الإرهابي الاثنين، على مدينة بالما شمالي موزمبيق بشكل كامل، وأعلن تبنيه الهجوم على المدينة الذي استمرّ منذ الأربعاء الماضي، حسب ما أعلنه في بيان متداوَل مواقع التواصل الاجتماعي.

ونقلت وسائل إعلام دولية ومحلية أنباء عن مجازر ارتكبها التنظيم في المدينة، فيما قالت شبكة CNN الأمريكية إنه لم يتأكد بعدُ أمر سيطرة من سمّتهم “الجماعة المسلحة” على بالما، بسبب انقطاع الاتصالات عن المدينة.

وبغياب معلومات وافية عمّا يحدث هناك، تُطرح أسئلة عديدة حول طبيعة الصراع الذي يبدو أنه أقدم من التصعيد الأخير، وحول علاقته وتأثيره في مخزون الغاز الذي تزخر به تلك المنطقة وتديره شركة “توتال” الفرنسية بشكل أساسي.

مجازر وفرار.. ماذا يحدث في بالما؟

أعلن تنظيم داعش الإرهابي السيطرة على مدينة بالما الساحلية في شمال موزمبيق، إثر هجوم بدأه الأربعاء وأدى إلى فرار آلاف من سكانها بحراً وسيراً على الأقدام، إذ سار كثير من السكان لأيام عابرين الغابات بحثاً عن ملاذ في بلدة مويدا المجاورة على بعد 180 كيلومتراً جنوب بالما، حيث وصلوا منهكين بأقدام منتفخة، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

وبدءاً من الأربعاء الماضي، هاجم المسلحون مدينة بالما الساحلية الصغيرة التي يقطنها 75 ألف نسمة، وقتلوا عشراتٍ مستخدمين “مختلف أنواع الأسلحة، وهوجمت ثكنات عسكرية ومقرات حكومية”، حسب بيان التنظيم الإرهابي.

وأسفر الهجوم، وفق البيان، عن “السيطرة على المدينة بما فيها”، إضافة إلى “السيطرة على مبانٍ ومصانع وشركات وبنوك حكومية”، حسب تعبير التنظيم الإرهابي.

ونقلت شبكة CNN عن الكولونيل ليونيل دايك، الذي تعاقدت شرطة موزمبيق مع شركته الأمنية الخاصة “مجموعة دايك الاستشارية” في المنطقة، قوله إن المدينة وشواطئها “مليئة بالجثث، برؤوس وبلا رؤوس”.

وفرّ بعض الناجين من المدينة ونُقلوا إلى العاصمة الإقليمية بومبا في قوارب، فيما أكّدت الحكومة الموزمبيقية مساء الأحد، مقتل سبعة أشخاص على الأقلّ في كمين في أثناء محاولتهم الجمعة الفرار من فندق لجؤوا إليه، ومن بينهم رجل من جنوب إفريقيا.

وتستمر القوارب التقليدية في الوصول إلى بومبا آتية من بالما محملة بآلاف النازحين، وفق عدة مصادر قالت لوكالات إغاثة إن 6-10 آلاف شخص ينتظرون إجلاءهم بعد الهجوم على بالما، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

تستمر القوارب التقليدية في الوصول إلى بومبا آتية من بالما محملة بآلاف النازحين (AP)

وقال شهود لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية إن المهاجمين أطلقوا النار على الناس في المنازل وفي الشوارع “فيما كانوا يحاولون الفرار حفاظاً على أرواحهم”.

وقطع المهاجمون معظم الاتصالات مع بالما والمنطقة المحيطة بها، رغم أن بعض المقيمين في المدينة المحاصرة بعثوا برسائل باستخدام هواتف محمولة على اتصال بالأقمار الصناعية، حسب وكالة أسوشيتد برس.

قبل “داعش”.. تمرُّد عمره أعوام

يُعَدّ الهجوم على بالما أكبر تصعيد في موزمبيق منذ 2017، فيما لا تزال هوية قادة هؤلاء المتمردين غير معروفة، علماً أنهم معروفون محلياً باسم “الشباب”، وأعلنوا ولاءهم لتنظيم داعش الإرهابي عام 2019.

ورغم أنهم أطلقوا حملتهم في 2017، قال خبراء إنهم باشروا حشد الصفوف قبل ذلك بنحو عقد، “مستغلين الشباب الذين اعتنقوا أفكاراً متشددة”، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2017، شنّ نحو 30 مسلحاً هجمات على ثلاثة مراكز للشرطة في موكيمبوا دا برايا، المدينة الساحلية في منطقة كابو ديلغادو، عند الحدود بين موزمبيق وتنزانيا، التي تحتضن غالبية مسلمة.

لكن حركة “الشباب” هذه وُلدت نحو عام 2007، حول مجموعة تُسمَّى “أنصار السنّة” كانت تبني مساجد جديدة “تتبنى تفسيراً صارماً لتعاليم الإسلام”، وفق إريك مورييه جينود، أستاذ التاريخ الإفريقي في بلفاست.

وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قالت في 11 مارس/آذار الجاري إن جماعة “الشباب” في موزمبيق الموالية لتنظيم داعش الإرهابي يقودها شخص يُدعى أبو ياسر حسن، معلنة جماعته “تنظيماً إرهابياً”.

من جهتها قالت صحيفة فاينانشال تايمز، إن أبو ياسر حسن هذا رجل دين تنزانيّ كان يعيش في منطقة كابو ديلغادو الموزمبيقية منذ ما قبل فترة الحرب، وقالت إن الأمريكيين لا يزالون يعتبرونه قائد التنظيم على الرغم من أن السلطات المحلية تعتبره ميتاً.

وبات المسلّحون يسيطرون اليوم على جزء كبير من المنطقة الساحلية، بما في ذلك ميناء موكيمبوا دا برايا الذي جرى الاستيلاء عليه في أغسطس/آب 2020، فيما أسفر النزاع عن مقتل 2600 شخص على الأقلّ منذ 2017، أكثر من نصفهم مدنيون، حسب منظمة “أكليد”، ونزوح أكثر من 670 ألف شخص عن منازلهم، حسب الأمم المتحدة.

أهمية الساحل.. فتّش عن الغاز

تقع مدينة بالما التي سيطر عليها داعش على مسافة نحو 10 كيلومترات من مشروع غاز ضخم تُديره مجموعة “توتال” الفرنسية، يُتوقع أن يبدأ الإنتاج فيه خلال عام 2024، ولا يبدو أن هذا الهجوم الأخير مفصول عن موضوع الغاز في المنطقة.

تعدّ شركة “توتال” المستثمر الرئيسي في مشروع الغاز في شبه جزيرة أفونغي (AFP)

وكانت المنطقة الساحلية تشهد هدوءاً نسبياً خلال الفترة الماضية، إلى أن أعلنت مجموعة “توتال” الفرنسية استئناف الأعمال في الموقع الغازي بمنطقة كابو ديلغادو، تحديداً شبه جزيرة أفونغي.

الشركة الفرنسية كانت وقفت أعمالها في المنطقة في يناير/كانون الثاني الماضي، بعد أن عطّلت أعمال العنف أعمالها، مما اضطرّ الشركة الفرنسية إلى وقف معظم قوة عملها، وتقدر بنحو ثلاثة آلاف فرد، في الموقع الكائن بشبه جزيرة أفونغي.

وتُعَدّ أفونغي مركز المشروع الذي تبلغ كلفته 20 مليار دولار، فيما تُعَدّ “توتال” المستثمر الرئيسي في المشروع، إذ تملك 26.5% من أسهمه بعد أن دفعت 3.9 مليار دولار في سبتمبر/أيلول 2019.

الغاز ليس بعيداً عن تحرّك جماعة “الشباب”، إذ إنه في بدايات ظهورها قلّلت السلطات المحلية من قدرتها على الإيذاء، فيما كانت تستفيد من السأم حيال نشاطات تصدير الغاز البحري، التي أدّت قبل حتى أن تبدأ، إلى تهجير سكان من قراهم ومناطق صيدهم.

وكانت شبه جزيرة أفونغي، المركز الرئيس لمنشآت الغاز التي تمثل أحد أكبر الاستثمارات في إفريقيا “فقاعة آمنة، أو حصناً محاصراً”، وفق خبير أمني فرنسي، إلى حين الهجوم الأخير الذي أدّى إلى فرار كل العاملين فيه تقريباً.

في هذا الصدد تقول صحيفة فاينانشيال تايمز إن قرابة 50 مليار دولار استُثمرت في مشاريع الغاز على طول الساحل الموزمبيقي، وإن هذه المبالغ الكبيرة لن يُتخلَّى عنها بسهولة، خصوصاً أن “حمايتها الأمنية تظلّ غير مكلّفة”، حسب تعبير الخبير الاقتصادي ناثان هايز الذي تحدث إلى الصحيفة.

وتضيف الصحيفة أن شركة مثل “توتال” معتادةٌ العمل في مناطق الصراع، ونقلت عن خبراء قولهم إن الأمر قد يتحوّل إلى “عَرْقَنَة” (Iraqification)، تحمي فيها شركات أمنية منشآت الغاز وتقيم “منطقة خضراء”، كما حدث في العراق بعد حرب 2003. فهل نشهد تحولاً في موزمبيق يقود إلى صراع بأبعاد دولية؟

TRT عربي

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *