محادين: جريمتا الزرقاء والكرك تضعنا بمواجهة “مهدد اجتماعي” خطير

الأخطر من الجريمة ما بثته من “رهاب اجتماعي” في الوجدان الشعبي

التلذذ بتعذيب الضحايا يشير لتنامي الحس العدواني وهو قمة الإجرام

نتمنى أن لا تتحول الجرائم الفردية إلى جرائم منظمة

نحن جميعًا معنيون بالحد من هذه الجرائم عبر الوعي الوقائي

جريمتا الزرقاء والكرك تضعنا أمام مهدد اجتماعي خطير لا يقبل به أحد

من يسهلون تكرار أفعال المجرم عبر الوساطة له شركاء في الجريمة

كنّا بغنى أن نصبح حديث العالم بهذا الشكل “المقزز”

عمان – رائد الحساسنة

حذر خبير علم الاجتماع الأستاذ الدكتور حسين محادين، عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة مؤتة، وعضو اللامركزية في مجلس محافظة الكرك، في تصريحاته إلى “البوصلة” من أن ما وقع من إجرامٍ وعدوانية في الزرقاء والكرك يضعنا أمام “مهدد اجتماعي” خطير لا يقبل به أحد، مشددًا في الوقت ذاته على أن الحد من مثل هذه الجرائم يقع على عاتقنا جميعًا مؤسسات وأفراد عبر نشر “الوعي الوقائي”.

وأكد محادين أن مظاهر الخطورة البالغة في الجريمتين تتمثل فيما بثته من “رهاب اجتماعي” في الوجدان الشعبي، لا سيما وأن الحس العدواني في الجريمتين وصل بالمجرمين إلى حد التلذذ بتعذيب ضحاياهم وتوثيق المشاهد وبثها للفضاء الإلكتروني.

أ. د حسين محادين: الجريمة ليست وليدة اللحظة

وعبّر محادين عن أمله في أن لا تتحول الجرائم الفردية إلى جرائم منظمة مطالبًا الحكومة في الوقت ذاته بأن تبقي راية القانون حاسمة وأن لا تسمح لـ “ضحالة قرار البعض” بتهديد الأمن المجتمعي.

عوامل عدة تبني الشخصية الإجرامية

ونوه محادين إلى أن “أن الجريمة بالأصل جزء من غرائز الإنسان فهي تمثل الفجور في شخصية الفرد ويأتي بعدها التربية والتأهيل لتكون التقوى الاجتماعية للأشخاص، وبالتالي علينا أن لا نستغرب أن الجريمة تشمل كل المجتمعات الإنسانية وهي موجودة فيها”.

وتابع، “لكن وجودها لا يعني عدم تشخيص العوامل المؤدية لوقوعها، ونبدأ بتحليل شخصية المجرم على أساس أن خبرات الطفولة التي يمر بها المجرم في أسرته والأسرة هي أول مؤسسة تنشيئية هي التي تحدد اتجاهات سلوكه المستقبلي، وتساعد في تأسيس موقف هذا الشخص رجلاً كان أو امرأة من حيث أن يكون إنسانًا عدوانيا نتيجة لما شاهده أو تعرض له من احتكاكات أو اغتصاب أو هتك عرض أو شاهد مناظر قاسية في طفولته أكبر من مستوى وعيه وتركت له انطباعًا عدوانيًا بأن هذا السلوك هو الأصح”.

واستدرك محادين بالقول: وعليه، فإن خبرات الطفولة السلبية تؤثر في هذا المجال بتكوين شخصية عدوانية ومتنمرة، في حين أن النوع الثاني من أنماط التنشئة تقوم على التوازن في التربية، والتدريب على تقبل الآخرين باختلافاتهم والعمل على قدرة أعلى للتكيف مع التحديات التي تواجه الأبناء.

وأوضح، “لذلك علميًا نقول أن خبرات الطفولة في الست السنوات الأول كما يشير لها علماء الاجتماع هي التي تحدد شخصيتنا، ومن هنا يأتي دور البيئة التي نعيش فيها فعندما يعيش الفرد ذكرًا أو أنثى في بيئة قائمة على الحروب والتوتر كما هي المجتمعات التي تعاني من الحروب والنزوح، من المتوقع أن يكتسب المرء مثل هذه “الشرور” لأنها تمثل متطلب أساس لنيل عضوية الجماعة التي يعيش كنفها”.

وقال محادين: لكن لعل الحد الفاصل بين الانحياز لأي من النمطين في التربية الهادئ أو العدواني هو ارتكاب الجريمة الأولى مع الأسف، وهنا لا يمكن أن تحلل الجريمة الأولى على أنها وليدة اللحظة إذا ما استثنينا نظرية الصدفة.

التلذذ بتعذيب الضحايا قمة الإجرام

ووصف خبير علم الاجتماع ما جرى في جريمة الزرقاء وعدوان مجموعة في الكرك على أحد الأفراد بأنه “جزءٌ من تواصل وتنامي الحس العدواني إلى الحد الذي وصل إلى أن الجناة وعددهم كبير وليسوا فردا واحدًا أصبحوا يتلذذون في تعذيب الجثة والضحية”.

واستدرك بالقول: لا بل أوغلوا في إساءة استخدام الجثة والضحية؛ لا بل أوغلوا في إساءة استخدام التكنولوجيا أن قاموا بتصوير ضحاياهم وقاموا ببثها عبر الفضاء الإلكتروني.

وتابع محادين: بالتالي الخطورة ليست في الجريمة رغم إدانتنا لها ولكن في الرهاب الاجتماعي الذي ترتب على بث مثل هذه الفيديوهات في الوجدان الشعبي.

وذكّر خبير علم الاجتماعي بأن هاتين الجريمتين غريبتان على الذاكرة الجمعية في المجتمع الأردني، ومن هنا نتمنى أن لا تتحول الجريمة – رغم إدانتنا الدائمة لها – من جريمة فردية إلى جريمة منظمة.

وتساءل لماذا وصلنا لهذا الاستنتاج، مجيبا بالقول: لأن الجريمتين شارك فيهما مجموعة من الأشخاص ولم تقع من قبل فرد واحد، ولذلك نقول ما يجري في المجتمع الأردني ليس بعيدًا عن سرعة التحولات القيمية، القائمة على سلوك المغالب لدى هؤلاء والذي يصل في حده الأقصى إلى جريمة القتل.

وحذر محادين من أن الأكثر إيغالاً في هذه الجريمة هو تشويه الجثة وبثها  والسعي لإخافة المجتمع من علاقاته الطبيعية التي طالما تمتع بها، وهي التي تشكل القاعدة الأساس في مجتمع متسامح إلى حدٍ بعيد.

الوساطة التي تنتزع الحقوق جريمة بحد ذاتها

وقال محادين: من الموجع إن كان ما قرأناه صحيحًا أن أحد الأشخاص العامين قد توسط لإخراج هذا المجرم قبل فترة قصيرة رغم كثرة القيود الأمنية عليه، وهذه نقطة أخرى لا تقل خطورة عن ما سبق الجريمة ومقدماتها، لا سيما وأن الواسطة التي يمكن أن تلغي أو تنتقص من حقوق آخرين بالمعنى القانوني إنما هي جريمة بحد ذاتها لأنها مخالفة للقانون.

وأضاف، لعل الأخطر أيضا أن تكون هذه الشخصية العامة قد مارست براغماتية أو انتهازية استغلالية في سبيل الحصول على أصوات أو مكسب أو ما شابه ذلك، وبالتالي علينا أن نكون صرحاء، وعلى الحكومة أن تكون صارمة حتى مع أصحاب النفوذ عندما يتوسطون في مثل هذه القضايا؛ لأن مصلحة فرد لا يمكن بكل شرائع الأرض أن تتقدم على مصلحة الأمن المجتمعي.

وأشار محادين إلى أن البعض يصل فيه الاستهتار أن يعزز السلوك الجرمي لما بعد وقوع الجريمة وكأنه يحتفي بهذا الفعل عندما يستضيف غداء القتيل أو المجرم بعد وفاته.

وقال: من هنا نجد أن الجريمة ليست فقط الفعل القائم على إلغاء الروح وهو محرم دينا وخلقًا، إنما الجريمة أن تسهل تكرار مثل هذه الممارسات وأحيانا تكون مبنية على “انتهازية شخصية” ببعد سياسي، ومرات بوضاعة لكسب الأصوات، ومرات أخرى تكون تهاونًا رسمياً.

الوعي الوقائي في وجه الجريمة

وقال محادين: نحن جميعًا معنيون بالحد من هذه الجرائم عبر الوعي الوقائي؛ سواء أفراد ومجتمعات ومساجد وكنائس ووجهاء وفاعلي خير، مشددا على أنه يجب على الحكومة أن تبقي راية القانون حاسمة، وعليها أن لا تضعف أمام الوساطات.

ونوه إلى أن “الوساطة والواسطة” يمكن أن يكون مقبولاً لتسهيل أمور الناس دون انتزاع حق للآخرين في مجتمع يقوم على العلاقات الوجاهية والقرابية وما شابه ذلك، لكن أن نعزز سلوكًا جرميًا وعدوانيا لشخص سجلّه الجرمي بهذا الحجم، فهذا يعني أن هناك خللا بنيويا في طبيعة العلاقات ويعبر عن ضحالة لدى متخذ القرار في أهمية الأمن المجتمعي.

وأضاف محادين: كنا في غنى بأن نكون حديث العالم بهذا الشكل الفريد والمقزز لجريمة الفتى صاحب الستة عشر عاما والأكثر وضاعة ما مارسه المجرم عندما أعاد ذراعي هذا الفتى إلى الوالد.

وتساءل: هل نحن حريصون على إبقاء صورة الأردن الآمن في مجتمعه؟، قائلا: مرة أخرى إن مجموعة العوامل مرتبطة بتراجع منظومة القيم الإنسانية وسيادة المكسب الآني لدى البعض والتأكيد على خطورة الفهم الخاطئ بأن القوة تمنحني أن أفعل ما شئت ولو بررت مثل هذه الجرائم باسم الثأر.

وشدد بالقول: نحن في دولة قانون ومؤسسات وفكرة الثأر لا يجوز لأي كان أن ينصب نفسه مقتصًا من شخصٍ خالف القانون أو شخص ارتكب جريمة ما.

وختم محادين حديثه لـ “البوصلة” بالقول: إذا ما استمر هذا الحال فنحن أمام مهدد اجتماعي خطير لا نقبل به جميعًأ، ولكن علينا أيضًا أن ننظر بالعين الأخرى أن رجال الأمن بكل تشكيلاتهم يعملون بجد لمنع تكرار مثل هذا السلوك ومتابعة المجرمين، وهذه شهادة تقدير يجب أن تذكر لكل أجهزة الدولة وللمواطنين الذين يدركون معنا أهمية إيماننا ودفاعنا عن أمننا المجتمعي في كل أجزاء هذا الوطن.

(البوصلة)

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *