مراوحة سياسية وعسكرية: هل ينتظر الملف الليبي توافقاً دولياً؟

تستعد اللجنة الاستشارية المنبثقة من ملتقى الحوار السياسي للاجتماع بشكل مباشر، الأحد المقبل، في جنيف السويسرية، في الوقت الذي تكافح البعثة الأممية من أجل الحفاظ على مسارات الحوار قائمة أمام محاولات عرقلتها.

شاغلو السلطة الجديدة

وأعلنت البعثة الأممية عن انتهاء الاجتماع الافتراضي الثاني بين رئيستها بالإنابة، ستيفاني ويليامز، وبين اللجنة الاستشارية، التي تم خلالها طرح “عدد من المقترحات حول آلية الاختيار وإجراءات الترشيح للسلطة التنفيذية ومناقشتها من جانب أعضاء اللجنة”، ليلة أمس الأربعاء. 

ونقل بيان البعثة عن ويليامز تأكيدها على الحاجة الملحة للخروج من الانسداد الحالي والإسراع في عملية توحيد السلطة التنفيذية، وفق قولها، لكن مصادر مقربة من أعضاء ملتقى الحوار كشفت عن خلاف بشأن أحقية الملتقى في تسمية شاغلي السلطة التنفيذية الجديدة والمقترحات بشأنها رغم التوافق الكبير على ضوابط وشروط آليات شاغلي السلطة.

وتوافقت معلومات المصادر التي تحدثت لـ”العربي الجديد” بشأن إمكانية انتهاء جلسة الأحد المقبل إلى اتفاق كامل حول الآلية المقرر وفقها اختيار شاغلي السلطة الجديدة، لكن التساؤلات التي قد تحملها حقائب أعضاء اللجنة، خلال اجتماعهم المقبل، ستتمثل في من له الحق في تسمية المرشحين وفق الآلية المتفق عليها، حيث عاد نشاط نسبي للحديث في كواليس اللجنة عن أبرز الأسماء المرشحة لشغل مناصب السلطة. 

وفي المقابل، يفضل طيف من أعضاء ملتقى الحوار تركيز الجهود على دعم اللجنة القانونية، المنبثقة هي الأخرى من ملتقى الحوار، من أجل إنجاز قاعدة دستورية تجري وفقها الانتخابات نهاية العام الجاري، معتبرة أنه الاستحقاق الأبرز في ظل أجواء الاستقطاب والتجاذبات على الأرض التي تحاول عرقلة مسار التوافقات السياسية، وهي ما يتفق معه الصحافي الليبي سالم الورفلي، الذي يرى أن واقع الميدان وتصاعد خطر انجراف الأوضاع إلى حرب جديدة قد يفرض خيارات على مسار الحوار السياسي يقبل معه بقاء السلطة الحالية وإرجاء تعديلات عليها لتتوافق عليها كل الأطراف بحسب مصالحها. 

وفي الأثناء، أكدت المصادر أن لقاءات مكثفة جرت بين حلفاء عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب في طبرق، وممثلين عن شخصيات بحكومة الوفاق، أبرزهم وزير الداخلية الحالي فتحي باشاغا، للتشاور حول كيفية التوافق على تقاسم السلطة الجديدة المؤلفة من مجلس رئاسي وحكومة منفصلة. 

وقد يكون وراء عودة مساعي الرجلين، محاولتهما استثمار حالة تراجع الحديث عن شاغلي المناصب في الآونة الأخيرة، بحسب الورفلي، لكنه يؤكد أن سعي حفتر للعودة بقوة للمشهد لن يبقي لعقيلة صالح حظوظا قوية في تولي أي منصب، معتبرا أن معسكر الشرق الليبي يعيش حالة فوضى عارمة في الخلفيات بين القبائل التي انقسمت مواقفها المؤيدة للطرفين، ولن تكون قادرة على اختيار ممثليها في السلطة الجديدة حتى ولو توافقت اللجنة الاستشارية على آلية محددة. 

وفيما يؤكد الورفلي، في حديثه لـ”العربي الجديد”، على أن الخلافات في الملتقى ليست حول الآليات، بقدر ما هي اختلاف حول الشخصيات، ترى الناشطة السياسية الليبية مروة الفاخري من جانبها، أن البعثة الأممية في ليبيا لم يعد خافيا أنها رهينة لوضوح الموقف الأميركي بشأن الملف الليبي الذي لم يتبلور بعد. 

وتشير الفاخري، خلال حديثها لـ”العربي الجديد”، إلى أن واشنطن سعت منذ البداية للاحتفاظ بالممثلة الحالية، وهي دبلوماسية أميركية، ومؤخرا ضغطت من أجل أن يقدم السياسي البلغاري نيكولاي ملادينوف اعتذاره للأمم المتحدة عن شغل منصب رئيس البعثة في ليبيا الشاغر منذ مارس/ آذار الماضي، لصالح استمرار ويليامز في توجيه مسارات الحل.

ضغوط خارجية

واعترف عضو ملتقى الحوار السياسي عبد القادر حويلي، بوجود ضغوط من جانب أطراف خارجية لـ”الحفاظ على مصالحها”، بل كشف عن أن تلك الأطراف، التي لم يسمها، “هي التي رفضت الخيار الثاني الذي وضع لاختيار السلطة، وحصل على 39 صوتًا بأغلبية”.

وحول مسار عمل اللجنة الاستشارية، قال حويلي، في تصريح لتلفزيون محلي ليل أمس، إن “مهمة اللجنة محددة، ويفترض أن تصل لنتيجة خلال أسبوعين فقط، لتحويل الحلول التي تم الاتفاق عليها للجلسة العامة لأعضاء الملتقى لاختيار السلطة التنفيذية وتحديد الأسماء”، معتبرا أنها “فرصة يجب أن يستغلها أعضاء الحوار والبعثة لجعل الحوار ليبيًا – ليبيًا وعدم التدخل به”، وهي تصريحات فضفاضة، بحسب الفاخري، وبعيدة عن واقع مجريات جلسات الحوار. 

وتوضح الفاخري رايها بالقول متحدثة لـ”العربي الجديد” أن “تشظية البعثة لملتقى الحوار بين لجنتين قانونية واستشارية جاءت بهدف السيطرة على قرارها، وما صرح به حويلي يكشف أن قرار التوافق في جلسة جنيف المقبلة لن يكون بيد الأعضاء، بقدر ما سيخضع لإملاءات خارجية في كواليس الجلسة”، معتبرة أن ملامح المشهد المقبل تترسم بشكل واضح على الأرض، وأن نتائج ملتقى الحوار لن تتعدى إجراء شرعنة هذا الواقع وترجمته في شكل اتفاق مكتوب.

ولم تعلن البعثة، في بيانها، عن شكل المقترحات التي قدمت خلال الجلسة الافتراضية الثانية، وما إذا كانت متصلة بالآليات المقترحة سابقا أم أنها مقترحات لآليات جديدة.

وفي مطلع ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أعلنت عن فوز إحدى الآليات المقترحة من جانبها لاختيار شاغلي السلطة الجديدة بواقع 39 صوتا، وحصول مقترح آخر على 24 صوتا، مشيرة إلى أن جلسة لاحقة سيتم فيها حسم التصويت لأي منهما، لكنها ودون بيان للأسباب عادت وعبرت عن انزعاجها من أن مسار الحوار في الملتقى “لا يسير نحو تحقيق مستوى مقبول من الإجماع على آلية لاختيار السلطة التنفيذية”، لتعلن لاحقا عن تشكيل لجنة استشارية من 15 عضوا لتجسير الهوة بين الأعضاء المختلفين، قبل أن تعود مجددا وتعلن عن توسيع عضوية اللجنة إلى 18 عضوا لضمان تمثيل مناطقي ومجتمعي أوسع، بحسب تعبيرها. 

وتلفت الفاخري إلى وجود سباق إقليمي وحراك دولي يجري في الفراغ الذي أحدثته الخلافات القائمة في إدارة البيت الأبيض، معتبرة أن سعي أطراف اقليمية كالقاهرة وأخرى دولية كموسكو لربط تحالفات جديدة مع قادة داخل طرابلس يعني تغير خارطة التنافس والصراع في طرابلس تزامنا مع صراع خفي في شرق البلاد بين حفتر وصالح.

وبتوضيح أكثر، ترى الفاخرى أن حالة الحراك المستمر في كواليس الأزمة الليبية وداخل مختلف الأطراف، كاقتراب القاهرة من طرابلس، والحديث عن تقارب تركي مصري، وأيضا تسريبات عن تقديم باشاغا نفسه لباريس شخصية بديلة عن حفتر في المشهد الأمني، يعني إقرارا من جانب الأطراف الخارجية بأن الحالة الليبية تعيش حاليا جمودا ومراوحة إلى حين وضوح الرؤية الأميركية، وهو ما تسير في ركبه البعثة الأممية التي تنتظر رؤية أميركية لشكل الصراع في الملفات كلها، وليس الملف الليبي فقط. 

تبادل الأسرى

وعلى الصعيد العسكري، وفي الوقت الذي ينتظر أن يتبادل طرفا الصراع في البلاد، قوات حكومة الوفاق وقيادة مليشيات حفتر، المزيد من الأسرى، الأسبوع المقبل، رحبت البعثة الأممية بتبادل 35 أسيرا برعاية اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) في مدينة الشويرف أمس الأربعاء. 

ووسط خلافات داخل اللجنة العسكرية المشتركة بشأن تنفيذ بنود الاتفاق العسكري الأخرى، ومنها فتح الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس وبنغازي، والمار بمدينة سرت، الذي اشترط قادة قوات حكومة الوفاق إخلاءه وإخلاء المنطقة من المرتزقة الأجانب المقاتلين إلى جانب مليشيات حفتر، تعتزم وزارة داخلية حكومة الوفاق البدء في تشكيل لجنة أمنية مشتركة مع وزارة داخلية الحكومة الموازية قريبا للإشراف على تأمين الطريق الساحلي.

وبحسب بيان للوزارة، فإن الخطوة جاءت بعد لقاء وزير الداخلية باشاغا مع ممثلي حكومة الوفاق في اللجنة العسكرية المشتركة، لبحث “ترتيبات فتح الطريق الساحلي وحلحلة كافة المشاكل التي صاحبت إغلاق وقفل الطريق الساحلي”، مؤكدة وجود اتفاق على تشكيل قوة أمنية مشتركة لتأمين الطريق الساحلي وتجهيزها بكافة الإمكانيات التي تحتاجها من دعم حتى تقوم بدورها على أكمل وجه. 

وفي انتظار توافق أعضاء مجلس الأمن على تشكيل لجنة مراقبة دولية لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، تستعد اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) للإشراف على تبادل المزيد من الأسرى، خلال الأسبوع المقبل. 

وأكد عادل أبو عرابة، وهو عضو لجنة اجتماعية ليبية تشرف على تبادل الأسرى بمنطقة الشويرف المتاخمة شمالا لمنطقة الجفرة، لـ”العربي الجديد”، أن إجراءات تبادل الأسرى مستمرة على دفعات، من بينها دفعة جديدة الأسبوع المقبل. 

واتهم قادة من مليشيات حفتر سعي حكومة الوفاق لتوتير الأوضاع، حيث تناقلت وسائل إعلام مقربة من حفتر في الساعات الماضية تصريحات لآمر إدارة التوجيه المعنوي بقيادة حفتر، خالد المحجوب، بشأن رصد تحركات لقوات المنطقة العسكرية الغربية التابعة لحكومة الوفاق باتجاه مدينة غدامس، مرجحا أن يكون التحرك هدفه دعم أي تحرك عسكري لقوات الوفاق في الجنوب الليبي، وقريبا من حقول النفط. 

وفيما لم يصدر أي تعليق من جانب حكومة الوفاق، لا ترجح الفاخري سعي أي من الأطراف الليبية لخرق حقيقي لاتفاق وقف إطلاق النار، موضحة أن “وجود القاهرة وأنقرة في طرابلس أنهى المخاوف من العودة للحرب، فكلا الطرفين قراره العسكري رهين العاصمتين الأبرزين في الملف الليبي”. 

وكل التحركات والتصريحات من جانب طرفي الصراع لا تسعى إلى أكثر من تمكين نفسها في ما تصفه الفاخري بـ”حزب الأمر الواقع” الذي سيفرض استمرار وجوده في المشهد السياسي الجديد.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *