/
/
مركز حقوقي يصف حادثة مصنع ألبسة في الشونة بـ “خنق مع سبق الإصرار”

مركز حقوقي يصف حادثة مصنع ألبسة في الشونة بـ “خنق مع سبق الإصرار”

وزارة العمل

قال مركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان في بيان صحفي، السبت، ان  حادثة إصابة نحو 141 عاملة بالاختناق، التي جرت الخميس الماضي، في أحد الفروع الإنتاجية لـ”مصنع الزمالية” للملابس التقليدية والألبسة الجاهزة، بالشونة الشمالية في منطقة الأغوار الشمالية، “كشفت عن تفشي الممارسات المخالفة لشروط الصحة والسلامة العامة في هذه المنشأة الصناعية، معارضة بذلك اشتراطات قانون العمل لسنة 1996، المتعلقة بالصحة والسلامة المهنية”.

وأضاف المركز في البيان الذي وصل “البوصلة” نسخة عنه، “سبق لهذا المصنع في مستهل شباط (فبراير) 2020، أن أقدمت عاملات فيه، على الإضراب والاعتصام، “احتجاجًا على سوء ظروف العمل، وتعسف الإدارة بعدم الانتظام في صرف رواتبهن  ومستحقاتهن المالية”.

وتاليا نص البيان:

وقعت حادثة الاختناق الجماعي لعاملات المصنع في ظل استمرار أزمة انتشار فيروس كورونا (كوفيد 19) في الأردن، وتحت وطأة أوضاع اقتصادية صعبة، يعيشها العاملون من الجنسين في غالبية المنشآت الاقتصادية، وخاصة الصناعية، مخلفة هذا العدد الكبير من الإصابات، في حادثة واحدة استغرقت نحو نصف يوم عمل، “في وقت لم يتمكن فيه فيروس كورونا، من الوصول إلى إصابة هذا العدد من الأفراد في الأردن خلال أيام، برغم شراسته وسرعة انتشاره، وعدم وجود قوانين تحكم حركته”.

تشكل حادثة مصنع الزمالية؛ نقطة اختبار حقيقية لإجراءات الحكومة في متابعة تنفيذ تعليمات الصحة والسلامة المهنية؛ المقرة في تعليماتها، والتي شدد قانون الدفاع لسنة 1992 وتعديلاته عليها منذ انطلاقه في مارس 2010 بسبب جائحة كورونا، عبر أوامر دفاعية انبثقت عنه، وتحديدًا في الجانب المتعلق بالصحة”. 

وفي تصريح للتلفزيون الأردني بعد الحادثة، أفصح وزير العمل نضال البطاينة، عن أن 120 عاملة خرجن من المستشفى، وتوقع بقاء 10 عاملات تحت الرقابة الشديدة في غرف العناية المركزة بالمستشفى؛ “ما يعني أن حالتهن خطرة، وبالتالي يتبقى 11 مصابة، سيخرجن قريبًا، في إشارة إلى تعافي غالبية المصابات”.

“تصريحات الوزير البطاينة، تبين أن ما جرى في مصنع الزمالية “مجرد حادثة”، ولم يقدم تفاصيل أخرى، على جري العادة في مثل هذه القضايا، فهو تحدث عن خروج 120 عاملة من مستشفى معاذ بن جبل وأبو عبيدة في الأغوار الشمالية، دون الإفصاح عن نتائج فحوصهن، وتبعات حالتهن الصحية والحقوقية في هذا الشأن”.

كما أشار إلى بدء التحقيق في الحادثة، وإغلاق المصنع، ما يشي بأن الحادثة مقلقة، لكن أي تفاصيل تؤيد ذلك غابت عن تصريحاته، وهذا من الحوادث القليلة التي تقع في الأردن، ما يتطلب عدم تكرارها، وإقرار تعليمات حاسمة، وتطوير قانون العمل، ليواكب التطورات المتسارعة لعالم العمل وحقوق العمال، وغيرها من التفاصيل التي ترفع من سوية العمل اللائق. 

الزمالية”: نموذج للتقصير والاستهتار

إن ملاحقة قصة الاختناق، في مصنع يفترض بأنه ملتزم بالتعليمات، بخاصة في وقت تصر فيه الحكومة على القول إنها تتابع المنشآت الاقتصادية، وينفذ مفتشو وزارة العمل حملات مستمرة عليها، يحيلنا إلى ما رصده أحد أعضاء فريق “مركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان”، الذي يكشف عن هول الحادثة وتفاصيلها القاسية، منهيًا وصفه لها بأن ما جرى هو “استهتار كبير بأرواح العمال”.

حادثة مصنع الزمالية؛ الذي يعمل في مختلف فروعه الإنتاجية نحو 600 عاملًا من الجنسين، تؤكد مقولة راصد “تمكين”، وتكشف أن صاحب العمل، لم يكن مهتمًا بأرواح عماله، في وقت تنص فيه المادة (80) من قانون العمل أن “على صاحب العمل، اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المؤسسة والعاملين فيها من أخطار الحريق والانفجارات أو تخزين المواد الخطرة القابلة للاشتعال، أو نقلها أو تداولها، وتوفير الوسائل والأجهزة الفنية الكافية، وذلك وفقاً لتعليمات السلطات الرسمية المختصة”.

لكن صاحب العمل لم يعمل بالقانون، وعرّض حياة 141 عاملة للخطر، وما تزال 10 منهنّ في العناية المركزة، في وقت يكشف فيه شريط صوتي لراصد “تمكين”، ضمنه ما جمعه من معلومات عن طريق شهود عيان، رأوا تفاصيل الحادث، أنه في البداية تعرضت 130 عاملة للإصابة باختناق وإغماء، جراء “تنفيذ المصنع لحملة رش مبيدات للحشرات داخله، وإصرار إدارته على استمرار العمل أثناء تنفيذ الرش”، مغفلة، أن مبيدات الحشرات تطلق أبخرة سامة، وأن تعليمات مصنعي هذه المبيدات، المرافقة لها، توجه المستخدمين إلى إخلاء أي مكان مغلق من أي أطعمة أو كائنات حية ستجري فيه عملية رش للمبيدات، وعلى منفذي أعمال الرش، ارتداء أقنعة مانعة لاستنشاق الأبخرة السامة. 

وتقتضي التعليمات المرافقة لعلب المبيدات، أن يمضي يوم على المكان المرشوش أو أكثر، حتى تتطاير الأبخرة، وتتلاشى قوة تأثيرها على الأجسام.  

وقال إنه في “صباح يوم الخميس الثاني من  تموز 2020، تعرضت عاملات المصنع للاختناق”، إذ أن المصنع طلب منهن عبر مكبرات الصوت وأثناء عملهن في الفترة الصباحية، إفراغ خزاناتهن الخاصة من أغراضهن، لأنه “سيجري رش المصنع بمبيدات للحشرات”.

وكشف أنه “في الساعة الـ7.30 بدأن العمل، وفي الساعة الـ10:00، وصل عمال من شركة خاصة لتنفيذ عملية الرش، ولم يطلب منهن أي مسؤول في إدارة المصنع بإخلاء مواقعهن، وبقين مستمرات في العمل برغم استمرار عمليات الرش”.

في “الساعة 12.30 خرجت أول نوبة منهن لتناول الإفطار، إلا أن 10 منهن أصبن بدوخة، أدت لإغمائهن، وخروج الزبد من أفواههن، في وقت أعلن فيه مسؤول الإنتاج في المصنع استمرار العمل، وقال: “كيف نعطل خط الإنتاج لأجل عشر عاملات أغمي عليهن؟”.

خرجت النوبة الثانية من العاملات لتناول طعامهن عند الساعة الـ1.00 تقريبًا، لكن حالات الإغماء بينهن وبين من عُدن للعمل من النوبة الأولى، بدأت تتزايد جراء الأبخرة والغازات المنبعثة من المبيدات، وقد أُحصِيَ في تلك اللحظات بين 105 إلى 108 إصابات، بينهن 3 حالتهن خطرة، في تلك اللحظات. 

بعد وقت، وصلت مرتبات مديرية الدفاع المدني إلى المصنع، ونقلوا المصابات بسيارات إسعاف وبسيارات خاصة على دفعات، بحيث كانت توضع كل خمس أو عشر عاملات في سيارة واحدة.

هنا، تظهر عملية الرش التي تنفذها شركة خاصة، أن هناك إجراء خاطئا جرى ارتكابه خلال الرش، فلم ترفض شركة الرش القيام بعملها برغم استمرار العاملات في العمل، وهي بذلك لم تتبع التعليمات المرافقة لأي عملية رش للمبيدات في العالم، وتخالف بذلك إجراءات الصحة المهنية.

أيضًا؛ لم تُقْدم إدارة المصنع على اتخاذ أي إجراء احترازي، يحمي العاملات في وضع كهذا.

وزارة العمل.. أين؟

تفصح هذه الحادثة عن غياب فعلي لمفتشي وزارة العمل، عن الوصول إلى هذه المنشآت، وتفقد إجراءاتها المتعلقة بالصحة المهنية والسلامة العمالية، ومخالفتها لنصوص القانون، بتنبيه العاملات للخروج من المصنع، حتى تجري عملية الرش، بالرغم من عدم سلامة هذا الإجراء، لأنه وبحسب المعطيات التي تقتضيها عمليات رش مبيدات الحشرات في الأماكن المغلقة، والتعليمات المرافقة لها، والمكتوبة غالبًا على علبها أو حافظاتها، يمنع الرش في الأماكن المغلقة بوجود أشخاص فيها.

وتقتضي تعليمات الرش بالمبيدات بعد إخلائها لفترة لا تقل عن 24 ساعة، التأكد بعد هذه الفترة من زوال بقايا الأبخرة والغازات السامة، بخاصة في المنشآت الكبيرة، التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المبيدات لرشها فيها للقضاء على الحشرات، لتغطية زوايا ومساحات المنشأة كافة.

وقد نفذت إدارة المصنع عملية الرش، بعد تنبيه للعاملات بتفريغ خزائنهن، وهو أمر يثير السؤال: هل ما يوجد في خزائن العاملات، أهم من سلامتهن؟ بالإضافة إلى أن عبارة مسؤول الإنتاج؛ الرافض لوقف العمل في المصنع، بسبب 10 عاملات أغمي عليهن، تكشف عن أن روح العاملات ليس لها قيمة لدى إدارة المصنع. 

لم يقتصر الأمر على ذلك؛ فمع إغماء أول 10 عاملات في النوبة الأولى، ورفض إدارة المصنع وقف العمل، لم تُجرَ أي عمليات إسعافية واضحة للمصابات، ما يُبيِّن أن المصنع غير مجهز بأدوات ومواد الإسعافات الأولية لمثل هذه الحالات الطارئة، وقد أوردت بعض التقارير الإعلامية أن العاملات كن يرتدين كمامات، تستخدم في إطار تعليمات الحكومة للوقاية من فيروس كورونا، ولم يكن يرتدين أقنعة تمنع استنشاقهن للأبخرة أو الغازات السامة، التي تنبعث من المبيدات. 

حتى لا تتكرر الحادثة: قرار سريع وحاسم

إن فتح التحقيق في الحادثة، وأمر وزير العمل بإغلاق مصنع الزمالية، إجراء عملي، لكنه يفتقر إلى مراجعة بنود قانون العمل التي تكشف كل يوم عن قصور في تغطية واقع سوق العمل والعمال، والحاجة إلى قانون مطور وفاعل وعصري، يسهم بالحد من أي تجاوزات أو ممارسات مخالفة لأصحاب العمل ومنشآتهم، والتعدي على الحقوق العمالية الصحية والأجور وأي انتهاكات اخرى.

كما أن هذه الحادثة، تكشف عن خلل في آلية التفتيش على المصانع، وقصور آليات متابعة تعليمات الوزارة لدى مفتشيها والمصنع نفسه.

كذلك فإن بقاء 10 عاملات في العناية المركزة، يضع الحكومة أمام تساؤلات حول مصيرهن، في وقت أشارت فيه بعض المصابات الناجيات، إلى أن بعضهن لهن تاريخ في الأمراض التنفسية، وهو ما يوضح وصول العاملات العشر إلى حالة الخطر، جراء استنشاقهن لانبعاثات مواد كيماوية أثناء عملية رش المبيدات خلال عملهن في المصنع.

من هنا؛ فإن أخذ أقوال العاملات بعد الحادثة بالاعتبار، والكشف الصحي عن صحتهن التنفسية، وما الذي يدفع بعضهن للحديث عن إصاباتهن بهذه الأمراض السابقة على الحادثة، أمر يستوجب التوقف عنده مليًّا، لمراجعة إجراءات المصنع الصحية، من حيث تعاليم الصحة المهنية والسلامة لهن، والكشف عن الهواء في المصنع، ومدى تلوثه وتلوث أجهزة التهوية، ومساحة النوافذ، للتيّقن من مدى دقة أقوالهن.

فالعاملات يتعاملن مع الأنسجة والأقمشة، وعادة ما يتعرض من يعملون في مهن الخياطة والنسيج، لأغبرة المنسوجات التي تؤثر على أجهزتهم التنفسية، لذا فإن حالة الإغماء الجماعي التي تعرضن لها، يجب ألا تمر دون تحقيق في هذا الجانب. 

تقصير مهني وخرق للقانون

إن استرجاع تفاصيل الحادثة، يؤكد أن الاستهتار ليس هو العنصر الوحيد في إنتاج هذه الحادثة القاسية، بل إن إدارة المصنع، تصب اهتمامها فقط على الإنتاج، غير عابئة بحماية عامليها، الذين يشكلون عصب المصنع وقوته الإنتاجية.

لذا، افتقر المصنع لأي أدوات حماية مهنية، يجب أن تتوافر للعمال في أي منشأة صناعية، ولأدوات ومواد الإسعافات الأولية، والتعليمات الإدارية التي تنظم عملية حماية العمال صحيًا ومهنيًا، وتبعدهم عن التعرض للإصابات، وللسلوك غير المهني الذي أبدته إدارة المصنع تجاه العاملات بعد بدء تعرضهن  للإغماء، برفضها وقف عملهن لحين الانتهاء من عملية رش المبيدات، أو منحهن إجازة في ذلك اليوم.

كما غابت وسائل مواصلات المصنع، لنقل المصابات على وجه السرعة إلى المشافي، في الساعات التي كان الجميع ينتظر فيها مقدم مرتبات مديرية الأمن العام لإسعاف المصابات ونقلهن.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on email

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • الأكثر زيارة
  • الأكثر تعليقاً
  • الأحدث