/
/
ملاحظات على قرار الإفتاء حول “إغلاق المساجد”

ملاحظات على قرار الإفتاء حول “إغلاق المساجد”

البتيري

أصدر مجلس الإفتاء التابع لدائرة الإفتاء العام في الأردن، الأربعاء، قراره رقم (300) (3/2021) بعنوان: “العاطفة الدينية ينبغي أن لا تكون سبباً في نشر الوباء وتفريق أمر المسلمين”، وهذه ملاحظات سريعة على ما جاء فيه.

استهل القرار بالقول: “.. فإنه وفي ظلّ الظروف التي يعيشها وطننا الغالي من تعامله مع جائحة كورونا التي وصلت – بحسب ما أفاد أهل الاختصاص – إلى مرحلة الانتشار المجتمعي، وأصبحت تشكل تهديداً حقيقياً على كل فرد من أفراد المجتمع..”.

قلت: لا أدري كيف يشكل فايروس كورونا تهديداً حقيقياً على (كل) فرد من أفراد المجتمع، وأهل الاختصاص أنفسهم الذين استشهد بهم “القرار” لا يقولون ذلك، فمنظمة الصحة العالمية تقول بالنص، إن “معظم الأشخاص الذين يصابون بكوفيد-19 تظهر ‏عليهم أعراض خفيفة أو معتدلة، ويمكنهم التعافي منه ‏بفضل الرعاية الداعمة”، وتقول في موضع آخر: “معظم الأشخاص الذي يصابون بمرض كوفيد-19 يتعافون منه تماماً وتتخلص أجسامهم من الفيروس”.

فلماذا يمارس قرار مجلس الإفتاء هذا التهويل، وينسبه لأهل الاختصاص وهم منه براء؟! أكل هذا من أجل تسويغ قرارات حكومية غير سليمة؛ رفضتها معظم فئات المجتمع على اختلاف تياراتها وانتماءاتها وطبقاتها، ورفضَها أناس من أهل الاختصاص أيضاً، كنقيب الأطباء الأسبق طارق طهبوب، وخبير علم الأمراض المنقولة الدكتور عبدالحميد القضاة، وغيرهما؟!

نعم؛ كل روحٍ مسلمة ومسالمة علينا عزيزة، والحفاظ على هذه الروح من مقاصد الشريعة التي يجب السعي إلى تحقيقها، لكن هذا لا يدفعنا إلى تحريف العلم والادعاء بأن الفيروس يهدد (كل) أفراد المجتمع، ويستوجب أن نبحث عن السبل الكفيلة بالحفاظ على هذه الأرواح، من غير أن نخل بمقاصد الشريعة الأخرى، كحفظ الدين والعقل والمال.

تابع قرار مجلس الإفتاء: “.. إضافة إلى عدد الوفيات الكبير بهذا المرض الخطير، نسأل الله تعالى لهم الرحمة جميعاً، الأمر الذي يستدعي توحيد الصف والتعاون معاً في مواجهة هذا الوباء لقوله تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة: 2)”.

قلت: ولذلك؛ يجب أن لا تخرق الحكومة الإجماع الشعبي الرافض لإغلاق المساجد، وتتجنب القرارات التي من شأنها أن تعكر صفو المجتمع، وتفرق الصف، وأن تتعاون مع الشعب على البر والتقوى، لا أن تدعوه إلى أن يتعاون معها على الإثم والعدوان.

أما استخدام عدد الوفيات الكبير مسوغاً لإغلاق المساجد؛ فيجعله مسوغاً لإغلاق كل شيء، ولإغلاق كل شخص باب بيته على نفسه ليموت من الجوع بدلاً من أن يموت بسبب فيروس كورونا! هذا إنْ مات بسببه، فقد بينا سابقاً أن أكثر من يُصاب بالفيروس يُشفى منه، كما يقول أهل الاختصاص.

وهنا نتساءل: هل الصلاة في المساجد مع الالتزام بالإجراءات الوقائية؛ يؤدي إلى هذا العدد الكبير من الوفيات؟! وهل ثمة دراسات تثبت أن مساجد المملكة تسببت بهذا العدد الكبير من الوفيات؟! ألا يشهد الجميع بأن المساجد هي أكثر المواقع التزاماً بالإجراءات الوقائية، حتى إن المصلين كانوا يؤدون صلاتهم في الحر الشديد؛ لأن من زعموا أنهم من أهل الاختصاص أفتوا بأن المكيّفات تنقل العدوى!! ثم بعد ذلك اكتشفوا أنهم مخطؤون فسمحوا بتشغيلها!! ولربما يكتشفون بعدُ أنهم مخطؤون في تراجعهم؛ فيخرجون بفتوى علمية جديدة بوجوب إغلاق المكيفات!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وأضاف قرار مجلس الإفتاء: “فإن مجلس الإفتاء والبحوث والدراسات الإسلامية في جلسته رقم (4/2021) المنعقدة بتاريخ 31/3/2021م يؤكد أن العاطفة الإيمانية الدينية التي يشهدها الشارع العام والمواطنون المخلصون خلال هذه الفترة التي تعيشها بلادنا الحبيبة، هي مشاعر منسجمة تماماً مع هوية البلاد الدينية التي تحرص كلّ الحرص على إقامة شعائر الله تعالى وفي شتى الظروف، خاصة وأنها ذات شرعية دينية متصلة بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم”.

قلت: لا تعليق! وأدَع للقارئ أن يُعقب بما يراه مناسباً !!

وتابع القرار: “من المعلوم أن الجهات المختصة قامت بالتوصية بالتقليل من أعداد التجمعات وفرض الحظر خلال ساعات محددة من اليوم بهدف التخفيف من أعداد الإصابات، وهذا أدى إلى إغلاق الجامعات والمعاهد والمدارس وجميع التجمعات بما في ذلك المساجد”.

قلت: لا أدري ما سر التهويلات المنثورة هنا وهناك في هذا القرار!! ولماذا يقول مجلس الإفتاء إن “هذا أدى إلى إغلاق… جميع التجمعات”؟! انظروا في طول البلاد وعرضها؛ هل ترون إغلاقاً لجميع التجمعات؟! اذهبوا إلى قصر العدل مثلاً.. اذهبوا إلى المراكز الصحية.. المستشفيات.. رالي وادي رم الشهير، وملاعب كرة القدم التي يجتمع في أرضها 22 لاعباً بالإضافة إلى حكم الساحة، ولا تقولوا إنهم 22 فقط، لأن أحدهم سيقول لكم: وماذا عن مجلس النواب مثلاً؟! وماذا عن مجلس الأعيان؟! وماذا عن إصرار الحكومة على إجراء الانتخابات النيابية وما جرى فيها من تجمعات للآلاف ندفع ثمنها في تنشيط الوباء وفقد الأرواح حتى اللحظة؟! وماذا عن حل المجالس البلدية والهيئات المركزية تمهيداً لإجراء الانتخابات في شهر آب/أغسطس المقبل، والتي صرح رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات خالد الكلالدة اليوم بأن الهيئة جاهزة لإجرائها في أي وقت !! جاهزون لإجرائها رغم ما سينتج عنها من تجمعات تنشّط الوباء وتزيد من رقعة انتشاره، ولكنهم ليسوا جاهزين لفتح المساجد في رمضان، رغم التزام المصلين بالإجراءات الوقائية!!

وواصل قرار مجلس الإفتاء قائلاً: “ومن الطبيعي أن يكون شعور المسلمين هو الحزن على عدم التمكن من أداء بعض الصلوات في المساجد، وهذا دليل على كمال الإيمان، وقد قال تعالى: “وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ” (الحج:32)، ولكن لا ينبغي لهذه العاطفة الدينية أن تكون سبباً في نشر الوباء، وتفريق أمر المسلمين”.

قلت: المطالبة بفتح المساجد في أوقات الصلوات كلها ليست عاطفة دينية وحسب، فهو واجب شرعي في حق من يقول بوجوب صلاة الجماعة، وهو واجب شرعي حين يتعلق الأمر بصلاة الجمعة التي لا يختلف المسلمون على فرضيتها.

وأما القول بأنه لا ينبغي للعاطفة الدينية أن تكون سبباً في نشر الوباء وتفريق أمر المسلمين؛ فهي كلمة حق وُضعت في سياق باطل، فمن البيّن أنها جاءت لتسوّغ القرارات الحكومية بحرمان المواطنين من الصلاة في المسجد، وخصوصا صلاة الجمعة، وخصوصا في شهر رمضان المبارك.. وهنا نتساءل: هل يمكن أن نجمع بين ما وصفه القرار بـ”العاطفة الدينية” وبين اتخاذ إجراءات لا تكون سبباً في نشر الوباء؟! إذا كان ذلك كذلك؛ فلماذا نضرب الأمرين ببعضهما البعض؟! أم أن الأمر هو مجرد دفاع عن وجهة نظر حكومية؟!

أما ما يتعلق بتفريق أمر المسلمين؛ فقد أشرنا إليه سابقاً، وأزيد هنا أن المواطنين حتى هذه اللحظة محافظون على عدم تفريق الكلمة، ويجاهدون أنفسهم من أجل ذلك.. ألم تحرمهم الحكومة من الصلاة في المساجد في شهر رمضان الماضي؟! هل اعترض أحد؟! هل تسبب أحدٌ في فُرقة مزعومة؟!

ولكن الذي نراه هو أن الحكومة تركب رأسها، وتستفز عامة الشعب بإغلاق المساجد في وقت ثلاث صلوات يومياً، ناهيك عن صلاة الجمعة المتفق على فرضيتها.. وهذا الذي يُحرم من حقه في ممارسة عبادته في مسجده؛ يرى التجمعات في الأسواق والملاعب والراليات ومجلسي النواب والأعيان ووو.. ثم يأتي مَن يقول له: لا تجعل عاطفتك الدينية سبباً في نشر الوباء وتفريق أمر المسلمين!! إن هذا لشيءٌ عُجاب!!

وهنا سؤال على الهامش: علمنا رأيكم بمن يفرقون المسلمين؛ فماذا عن الذين يُفقرون المسلمين بقراراتهم المتخبطة؟! ماذا عن ملايين الأسر التي باتت لا تجد قوت يومها؟! ماذا عن مئات الآلاف من العاطلين عن العمل؟! مَن يتحمل مسؤولية هؤلاء؟!

وتابع قرار المجلس: “خاصة وأن هذه الإغلاقات وما يترتب عليها من أحكام مسائل اجتهادية المصيب فيها له أجران والمخطئ له أجر واحد، فلا ينبغي اتهام الآخرين بخروجهم عن الأحكام العامة للشريعة الإسلامية، ولا التشكيك في نوايا الناس واتهام الآخرين في دينهم أو تخوينهم، وقد قال الله تعالى: “وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا” (النساء: 112)”.

نعم؛ هي مسائل اجتهادية، ولكننا نتساءل: أين علماء الشريعة من كل ما يحصل؟! أم أن هؤلاء هم الوحيدون الذين لا يحق لهم أن يجتهدوا؟! أم أن دورهم محصور فقط بقول “سمعنا وأطعنا” لأعضاء مجلس الوزراء الذين لا نعلم فيهم مجتهد شرعي واحد؟! أيُلام من يتهمهم بالخروج عن الأحكام العامة للشريعة الإسلامية، وهم لا يسألون “أهل الذكر” من علماء الشريعة، ولا يأبهون برأيهم؟!

ثم لنا أن نتساءل: ماذا عن اتهام المجتهدين الذين يرون أن الآخر مخطئ وأنهم على صواب بأنهم ناشرون للوباء مفرّقون للأمة؟! وطالما أن الأمر متعلق بأمر اجتهادي يحتمل الصواب والخطأ؛ فلماذا نرمي من يرَون أن قرار الحكومة خطأ بما هم بريؤون منه؟! أليس هذا “بهتاناً وإثماً مبيناً”؟!

 ويختم قرار مجلس الإفتاء بالقول: “الواجب على الجميع التعامل مع هذه الجائحة بثقافة التماسك والتعاضد ووحدة الصفّ، ونشر الكلمة الطيبة التي تجمع القلوب ولا تفرقها، وتنشر المحبة لا الكراهية، وتعزز الثقة بالقدوات الدينية وعلماء الشريعة ولا تهدمها”.

قلت: من هم “القدوات الدينية وعلماء الشريعة”؟! هل الهيئات الشرعية وعشرات العلماء الذين طالبوا بفتح المساجد مع الالتزام بالإجراءات الوقائية خارج هذا الوصف؟! هل القدوات الدينية هم الذين يسوغون قرارات الحكومات على حساب معارضيها ولو كانوا محقين في مطالبهم؟! أم أولئك الذين حملوا على أكتافهم أعباء المسؤولية فأصبحوا كمراسلين دورهم مقتصر على نقل آراء الجماهير إلى الرئيس؟!

القدوات الدينية وعلماء الشريعة؛ هم الذين لا يحابون أحداً على حساب دينهم، ولا يبتدعون الأسباب والفتاوى التي تؤدي إلى فقدان الثقة بـ”القدوات الدينية وعلماء الشريعة”..

وقديماً نادت امرأة الإمام الشعبي رحمه الله قائلة: أيّها العالم! فقال لها: أنا لست بعالم، إنّما العالم من يخشى الله ويتقيه. وهو من هو رحمه الله.

السبيل

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on email

رابط مختصر للمادة:

  • Trending
  • Comments
  • Latest