من بطولات فتح القسطنطينية… شهداء الأنفاق

– مثلت حرب الأنفاق إحدى هذه البطولات، حيث كان جنود الجيش العثماني يحفرون الأنفاق من خارج سور المدينة الحصينة إلى الداخل. 
– كثير من أبطال الأنفاق ماتوا حرقا أو اختناقا وبعضهم تم أسرهم وقطع رؤوسهم والإلقاء بها إلى معسكر العثمانيين.
– كانت جزءًا من الحرب النفسية التي قادها محمد الفاتح وأثرت سلبا على معنويات البيزنطيين.

لا يزال فتح القسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح من أعظم الأحداث التاريخية في حياة المسلمين والغرب معا، فبذلك الفتح تحقق حلم المسلمين من عهد النبوة، والذي سعى لنيل شرفه كثير من القادة العظام.

كما أنه يعد أحد أبرز التحولات المهمة في تاريخ الغرب، لأنه كان إعلانا بانتهاء الإمبراطورية البيزنطية، حتى أن بعض المؤرخين الأوروبيين يؤرخون بهذا الفتح لبداية العصر الحديث.

وفي كل ملحمة، وفي كل انتصار، هناك من صُنَّاعِه من لم يشهده، ولم ير بعينيه ثمرة تضحياته وجهوده، لكن حسبهُ تلك اللبنة التي وضعها بيده، وسجلها له التاريخ بمداد من نور.

وفي ملحمة فتح القسطنطينية كان هناك مَن قضوا وفاضت أرواحهم إلى بارئها في ذروة الصراع، ولم يشهدوا دخول جيوشهم إلى المدينة العريقة وصلاة الجند في آيا صوفيا، ومن هؤلاء: أبطال الأنفاق.

54 يومًا، هي زمن الحصار الذي ضربه العثمانيون على القسطنطينية، شهدت محاولات جريئة وباسلة من قبل جنود الفاتح، مقابل صمود يستحق الإشادة من قبل الحاميات البيزنطية، وخلال تلك الفترة كان ذهن السلطان محمد بن مراد الثاني يتفتق عن تكتيكات وخطط وأساليب عبقرية، نُفذت عبر البحر والبر بهدف اختراق الأسوار الحصينة على قوة مناعتها.

فقبل حوالي أسبوعين من الفتح، فوجئ سكان القسطنطينية بصوت ضربات قوية تأتي من تحت الأرض، يتعالى صوتها وبدا أن هناك من يريد خرْق الأرض للخروج، وعلى الفور حُمل الخبر إلى الإمبراطور قسطنطين، والذي كلف المهندسين والمعدنيين للتحقق من الأمر، فكانت المفاجأة أنهم اكتشفوا قيام العثمانيين بحفر نفق من خارج أسوار المدينة إلى الداخل.

استقر الرأي البيزنطي على حفر خندق مقابل جهة الحفر، فلما اقترب العمال من مصدر الصوت أمسكوا عن الحفر بأمر قادتهم، ثم صعدوا في انتظار ظهور انكشاف العثمانيين.

وفي داخل النفق كان العمل يجري على قدم وساق بين هؤلاء الفدائيين العثمانيين، ولما وصلوا إلى الفجوة التي أحدثها البيزنطيون تهللت أساريرهم، وابتهجوا، ظنا منهم أن عثروا على سرداب خفي يقودهم إلى داخل المدينة.

لم يكد الجنود العثمانيين يظهرون للسماء حتى انهال عليهم البيزنطيون بالزيت المغلي والمواد الحارقة، فمنهم من مات مختنقا، ومنهم من مات محترقا، ومنهم من عاد سالما إلى جيشه محملا بالفزع والأسى على رفقائه الذين قضوا نحبهم تحت الأرض، وقد أخذ البيزنطيون بعض العثمانيين كأسرى، لكنهم لم يحبسوهم أو يقايضوا بهم، بل قطعوا رؤوسهم، وألقوا بها إلى معسكر العثمانيين.

كان من توقعات البيزنطيين بعد كشف محاولة العبور من خلال الخندق، أن العثمانيين لن يعيدوا الكرّة، لكن السلطان الحازم لم يكف عن إرباك أعدائه المرة تلو الأخرى، فأمر جنوده بإعادة محاولة حفر الأنفاق والتسلل منها، وكانت معنويات الجنود في هذه الفترة في عنان السماء، خاصة وهم يقتربون من تحقيق الحلم، وكان للسلطان وحاشيته من العلماء أثر بالغ في تأجيج الحماسة لدى الجنود.

عاد الجنود إلى حفر الأنفاق، ولكن هذه المرة في أماكن مختلفة من المنطقة الممتدة بين أكرى قبو وشاطئ القرن الذهبي، حيث رأى السلطان أنها أصلح مكان لحفر الأنفاق إلى الداخل، وحتى بعد اكتشاف البيزنطيين لهذه الأنفاق واستشهاد عدد كبير من العثمانيين في خنادقهم، استمرت حرب الأنفاق إلى وقت فتح القسطنطينية في التاسع والعشرين من مايو/ أيار 1453م.

رغم أن حرب الأنفاق لم تحدث أثرًا عسكريا مباشرًا، إلا أنها أحدثت اضطرابات عارمة في الداخل البيزنطي، وكانت – إلى جانب كونها خطة عسكرية – جزءًا عظيمًا مهما من الحرب النفسية التي قادها السلطان ضد البيزنطيين، وأثارت بينهم الفزع والخوف، وأعطتهم انطباعا عن الجنود العثمانيين بأنهم كالأشباح بمقدورهم خرق الأرض والإتيان عبر السماء، فكثرت بينهم الإشاعات، وأصابهم جراء ذلك فزع عظيم.

وصاروا البيزنطيون يتوهمون في الطرقات أنهم يسمعون أصواتا تحت الأرض، وبدا لهم كأن الأرض ستنشق فجأة وتخرج منها أفواج العثمانيين، وأصبحوا يتلفتون يمينا وشمالا ويشيرون إلى الأرض قائلين: “تركي، تركي”.

لقد أثارت حرب الأنفاق إعجاب البيزنطيين أنفسهم، وحول هذا يقول الدكتور سالم الرشيدي في كتابه “السلطان محمد الفاتح”: “قد أثارت هذه البسالة الفائقة إعجاب أهل القسطنطينية ودهشتهم، وسجل ذلك مَن كتب منهم تاريخ هذا الحصار المرير في كتبهم، كـ (باربارو البندقي) و (تتالدي الفلورنسي)”.

كان لأسلوب حفر الأنفاق أثر كبير في توهين معنويات المدافعين عن القسطنطينية، وإضعاف عزائمهم في الدفاع عن الثغور التي ظلت تتسع أمام ضربات العثمانيين المتواصلة.

وما كان جنود الجيش العثماني يقومون بهذه المخاطرة إلا بوجود العقيدة الدافعة الحاملة لهم على ذلك الإقدام والجسارة، فإما أن يروا الفتح المبين، وإما أن يدفنوا تحت التراب ويرفع غيرهم راية النصر، وهم طامعون في نفس الوقت في الأجر الأخروي.

تحية لهؤلاء الأبطال الذي ماتوا تحت الأرض دون أن يروا بأعينهم ثمرة كفاحهم، وحتما سوف تخلد سيرتهم كلما كان الحديث عن ذلك الفتح العظيم.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *