ورقة النفط في لعبة حفتر.. مساومة جادة أم شراء للوقت؟

يُنظر للشروط التي وضعها اللواء المتقاعد خليفة حفتر لاستئناف إنتاج النفط على أنها إعلان غير مباشر لفشل المفاوضات التي استمرت أسابيع لوضع حد للخسائر الفادحة جراء إغلاق منشآت النفط الليبي.

وتقدر خسائر قطاع النفط منذ وقف الإنتاج بحوالي 6.5 مليارات دولار إضافة إلى تكاليف إضافية باهظة ستتكبدها مؤسسة النفط لإصلاح الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية لمنشآت النفط تقدر بمليارات الدنانير.

ويرى محللون وسياسيون أن حفتر لا ينوي الوصول إلى حلول سياسية قد تقصيه عن المشهد، وإنما يسعى إلى كسب الوقت في ظل تحشيد قواته والدول المتحالفة معه عبر إيصال تعزيزات عسكرية جديدة لقواته والمرتزقة الداعمين له في سرت والجفرة والجنوب الليبي، من أجل شن هجمات جديدة على قوات حكومة الوفاق.

ومن الشروط التي أعلنها حفتر لإعادة فتح منشآت النفط، إيداع عوائد النفط بدولة أجنبية ووضع آلية “شفافة” للإنفاق بضمانات دولية، ومراجعة حسابات مصرف ليبيا المركزي في طرابلس لمعرفة مسار الأموال التي تم إنفاقها طيلة السنوات الماضية.

ودعت المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس مجلسَ الأمن التابع للأمم المتحدة إلى محاسبة الدول المسؤولة عن تجدد إغلاق صادرات النفط الليبي. وكانت المؤسسة أعلنت الجمعة الماضية رفع القوة القاهرة عن جميع صادرات النفط بعد دخول ناقلة نفطية لتحميل النفط الخام من ميناء السدرة النفطي التي تسيطر عليه قوات حفتر.

واعتبر رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري أن اللواء المتقاعد لا يملك قرار وقف تصدير النفط أو فتحه، وإنما هو أداة في يد دول أخرى.

ورفض المشري -في تصريح لقناة الجزيرة- مقترح حفتر فتح حساب في دولة أجنبية لإيداع إيرادات النفط، لأنه يمس بالسيادة ودخل ليبيا مرحلة “النفط مقابل الغذاء” كما كان في العراق.

الشعارات المزيفة
أعربت السفارة الأميركية في طرابلس عن أسفها أنّ غارات مرتزقة فاغنر على مرافق المؤسسة الوطنية للنفط، والجهود المدعومة من الخارج ضد القطاعين الاقتصادي والمالي الليبي، أعاقت التقدم وزادت من خطر المواجهة.

وأكدت في بيان أن “هذه الإجراءات المخيبة للآمال لن تمنع السفارة من مواصلة التزامها بالعمل مع المؤسسات الليبية المسؤولة، مثل حكومة الوفاق الوطني ومجلس النواب، لحماية سيادة ليبيا، وتحقيق وقف دائم لإطلاق النار، ودعم إجماع ليبي على الشفافية” في إدارة عائدات النفط والغاز.

وأضافت السفارة الأميركية أن “الذين يقوّضون الاقتصاد الليبي ويتشبثون بالتصعيد العسكري سيواجهون العزلة وخطر العقوبات. ونحن واثقون من أنّ الشعب الليبي يرى بوضوح من هو مستعد لمساعدة ليبيا على المضي قدمًا ومن اختار بدلاً من ذلك عدم الاكتراث.”

من جانبه اعتبر محمد الضراط مستشار رئيس حكومة الوفاق للعلاقات الأميركية أن بيان حفتر لم يأت بجديد باعتباره يسعى منذ سنوات إلى الاستحواذ على أرزاق الشعب الليبي وتنصيب نفسه دكتاتورا بعد فشله الذريع سياسيا وعسكريا، ويعيد صياغة مشروعه تحت شعار زائف يراد به باطل سبق أن استخدمه، وهو “المحافظة على النفط والشفافية في التوزيع ومحاربة الفساد”.

ويوضح الضراط للجزيرة نت أن حكومة الوفاق لم تختر الحل العسكري لعلاج الأزمة السياسية وإنما حفتر هو من اختار المسار العسكري، بدعم من دول كانت تعول على نجاح مشروعه المدمر، مشيرا إلى أن حكومة الوفاق ستعمل على دحر حفتر من جميع المناطق كما أخرجته من أسوار طرابلس.

الإمارات تخطط 
ويؤكد مصطفى المجعي المتحدث باسم عملية “بركان الغضب” أن الغدر صار صفة متلازمة لحفتر منذ أن تعهدته الإمارات التي هي الأخرى في طريقها إلى الإقصاء المخزي في الملف الليبي.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت “الإمارات هي من أوعزت لحفتر لإيقاف تصدير النفط، وكسبت أياما من هذه المناورة، وعند دخول أول ناقلة نفط لتحميل النفط الخام دفعت بأرتال المرتزقة باتجاه سرت في عملية غدر جديدة ثم أعلن أن النفط لن يفتح”.

ولم يستبعد المجعي عملية التصعيد العسكري قائلا “إذا لم يتدخل حلفاء حفتر لثنيه عن جنونه وإقناعه بحقيقة هزيمته وإبعاده من المشهد فالتصعيد القوي قادم اليوم أو غدا”. ويعتبر أن إدخال النفط في المساومة العسكرية والسياسية ورقة ابتزاز رخيصة لن تنجح فيها الإمارات ولا حلفاؤها.

تناقض واضح
ويؤكد العميد الهادي دراه المتحدث باسم غرفة “عمليات سرت الجفرة” أن الدول الداعمة لحفتر -مثل روسيا وفرنسا ومصر والإمارات- يدعون أن حليفهم مستعد لوقف إطلاق النار في وقت يرسلون فيه مزيدا من الدعم العسكري لقواته على الأرض، وهذا تناقض واضح.

ويضيف “أمس وصلت منظومتا بانتسير دفاع جوي روسية مع وصول أعداد كبيرة من الجنود المصريين والعربات المحملة بالذخائر إلى قاعدة القرضابية بمدينة سرت”.

ويقول دراه للجزيرة نت إن “هذا التحشيد العسكري يؤكد تماما أن حفتر ومناصريه والدول الداعمة لا يريدون أي حل سياسي يخرجهم من المشهد الليبي، بل يسعون إلى إدخال ليبيا في حرب جديدة وفوضى يستفيدون منها”.

حفتر لا يملك القرار
ويرى الكاتب والمحلل السياسي عبد الله الكبير أن إعلان استمرار إغلاق النفط يؤكد أن قرار النفط لم يعد يملكه حفتر، وبات في أيدي قوى خارجية تستخدم اللواء المتقاعد والقبائل الداعمة له.

ويضيف “الشرط الخاص بفتح حساب جديد لإيداع الإيرادات النفطية يعني رهنها لإدارة خارجية، أما مطلب مراجعة حسابات المصرف المركزي فقد سبق أن أرسل الأخير الموافقة للبعثة الأممية، ولكن المصرف الموازي في البيضاء وضع شروطا قبل المراجعة”.

ويتابع الكبير حديثه للجزيرة نت قائلا “يبدو أن المجتمع الدولي يرضخ لإرادة حفتر ويمنحه انتصارا وهميا، يخفف من حالة الاحتقان والغضب في مناطق نفوذه بعد خسائره الأخيرة”.

ويعتبر الكاتب أن (عملية) توزيع العائدات بعدالة يجرى البحث حولها في اجتماعات لجنة الملف الاقتصادي، ويحتمل أن سبب التراجع عن فتح النفط علم حفتر أن قنوات صرف العائدات في برقة ستكون بعيدة عن يده، وليس بوسعه الاستحواذ عليها.

وقد يزيد استمرار إغلاق النفط من احتمالات الصدام العسكري بتقدم قوات الوفاق نحو سرت والجفرة، وفق الكاتب الذي يشير إلى أن مساومة حفتر بورقة النفط لم تحقق له ما يبتغيه وفتحه دون شروط يعني فقدانه لأي أوراق مساومة، حيث يدفع من يدعمه في اتجاه إشعال حرب جديدة ضد حكومة الوفاق وتركيا. (الجزيرة)

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *