أمّ المدن الروسية ومهد حضارتها.. هل يقدم بوتين على تدمير كييف؟

أمّ المدن الروسية ومهد حضارتها.. هل يقدم بوتين على تدمير كييف؟

البوصلة – بالإضافة إلى مكانتها السياسية، للعاصمة الأوكرانية “كييف” مكانة تاريخية ودينية لا تنكرها روسيا ودول الجوار الأخرى، وتشهد عليها الكثير من المعالم الرئيسية في المدينة.

على ضفاف نهر دنيبر في المدينة، قامت مملكة “كييف روس” بين أواخر القرن التاسع الميلادي ومنتصف القرن الثالث عشر، وتُعد أصل حضارة العرق السلافي (الصقالبة) المنتشر حاليا بين أوكرانيا وروسيا وبيلاروسيا بشكل رئيس.

وبحسب مؤرخين، اشتقّت روسيا وبيلاروسيا اسمها من “روس” في اسم المملكة، التي كانت كييف عاصمة حكمها، ولهذا تسمى بـ”أم المدن الروسية”.

Kyiv, Ukraine - May 14, 2021: Ancient gates and dome of a church over the medieval fortress Golden Gate in Kiev, Ukraine. Medieval architecture of ancient Slavic Kievan Rus; Shutterstock ID 1976259227; purchase_order: ajnet; job: ; client: ; other:
البوابة الذهبية لمملكة كييف روس من أبرز معالم العاصمة كييف التاريخية (شترستوك)

رمز المسيحية الأرثوذكسية

أصبحت كييف رمزا للمسيحية الأرثوذكسية في نهاية القرن العاشر الميلادي، عندما اعتنقها حاكم المملكة الكنياز فلاديمير الأول، وأصدر مرسوما باعتماد هذا المذهب في جميع أرجاء المملكة، التي ضمت -آنذاك- أجزاء واسعة من أوكرانيا وروسيا وبيلاروسيا وبولندا الراهنة.

ولهذا، تُعتبر كييف “قدسا” لأتباع المذهب الأرثوذكسي، بحسب وصف صحيفة “لوتان” (Le Temps) السويسرية مؤخرا، ويعتبر مجمع “بيتشيرسكا لافرا” الكنسي (دير الكهوف) فيها قِبلة ومزارا رئيسيا لأتباع هذا المذهب من جميع دول الجوار.

معالم دينية وتاريخية

وعلى الجانبين التاريخي والديني تمثُل الكثير من المعالم العمرانية في كييف، وفي غيرها من المدن الأوكرانية الكبرى، كأوديسا في الجنوب، وخاركيف في أقصى الشرق؛ وبعضها يشير إلى حقبة دامت نحو 70 سنة، كانت أوكرانيا فيها جزءا من الاتحاد السوفياتي.

في كييف مثلا، توجد “البوابة الذهبية” لمملكة “كييف روس” حتى اليوم، و”قوس الصداقة بين الشعوب”، والكثير من الكنائس التاريخية، على رأسها كنيسة القديسة صوفيا، وكنيسة القديس ميخايلو، بالإضافة إلى مباني الرئاسة ورئاسة الوزراء والبرلمان والخارجية وغيرها.

عوامل فرقة لا وحدة

وقد تبدو هذه المعالم عوامل وحدة وشراكة بين أوكرانيا وروسيا، لكن الأمر عكس ذلك تماما؛ فالخلاف بين الجانبين على أشده حول الجوانب التاريخية والدينية، إضافة إلى التوترات السياسية والعسكرية الراهنة.

وتتهم كييف موسكو بسرقة وتحريف التاريخ، ونسب حضارة “كييف روس” إليها، بحسب تصريح سابق للجزيرة نت، أدلى به أوليكساندر بالي، مؤلف كتاب “تاريخ أوكرانيا الحديث”.

واستقلال الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية عن التبعية لبطريركية موسكو نهاية عام 2018، ثم تحول الكثير من الكنائس إلى التبعية للكنيسة المستقلة، أشعل خلافات دينية كبيرة بين الجانبين، ورأت فيه موسكو “خيانة”.

وفي هذا الصدد، ألقت القوات الأوكرانية القبض على أحد القساوسة في كنيسة تابعة لبطريركية موسكو قبل أيام، ونشرت صورا قالت إنها تثبت عمالته لأجهزة الأمن الروسية، وسط دعوات بتشديد الرقابة على نشاط جميع الكنائس الموالية لروسيا في البلاد.

كما أن السلطة في أوكرانيا، وشريحة واسعة من الشعب فيها، تنظر اليوم إلى الاتحاد السوفياتي على أنه “احتلال سابق”، وإلى روسيا على أنها “امتداد له”.

Aerial top view of Saint Andrew's church and Andreevska street from above, cityscape of Podol district, city of Kiev (Kyiv), Ukraine ; Shutterstock ID 750635461; purchase_order: ajnet; job: ; client: ; other:
تعتبر المعالم الدينية في كييف قبلة لكثير من أتباع المذهب الكنسي في العالم (شترستوك)

هل يتجاهل بوتين الدين والتاريخ في أوكرانيا؟

وكانت صحيفة لوتان، قد قدّرت في إحدى مقالاتها بأن “بوتين لا يجرؤ على تدمير كييف، لأنها تعدّ ’قدس‘ الأرثوذكسية الروسية”، كما استبعدت إقدامه على تدمير أوديسا “الممتلئة بالرموز الروسية” أيضا، التي تعمل القوات الروسية على محاصرتها.

لكن لهذا الرأي نقيضه على مساحة واسعة في أوكرانيا؛ إذ يقول عضو الكنيسة الأوكرانية المستقلة، الأسقف فيكتور كوتسابا إن “الشر الذي لا يفرق بين الجندي والطفل، لا يمكن أن يردعه التاريخ والكنيسة. فكل شيء يقاوم مستهدف من قبل بوتين في حربه”.

وفي السياق ذاته، يعتبر المؤرخ والكاتب، أوليكساندر بالي، أن “من يدمر المدن الحدودية، التي يقول إنها جزء تاريخي منه وتضم رعايا روسيين (خاركيف – ماريوبول – سومي – تشيرنيهيف) لن يتوانى عن تدمير كييف وأوديسا”.

وتابع “هذه الأمور لا تعني بوتين الساعي إلى استعادة أمجاد السوفيات. دعونا نكون واقعيين… ما الذي يعنيه بقاء كنيسة وغيرها من الرموز الدينية والتاريخية في مدن مدمرة أو محاصرة؟ لا شيء. هذا لن يُفسَّر على أنه احترام للتاريخ، بل تجاهل له واستهزاء بقيمة البشر”.

وأضاف “هذه دعاية لا تلقَ قبولا في أوكرانيا، علما بأن جزءا كبيرا من سكانها يدينون بالمذهب المسيحي الكاثوليكي، بمعنى أن بوتين قد يستغل المذهب في حربه واتهاماته، بدل أن يكون المذهب رادعا له كما يُخيّل للبعض”.

صفوان جولاق – الجزيرة نت

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: