أينَ يتَّجِهُ التَّوجيهي؟

أينَ يتَّجِهُ التَّوجيهي؟

عمّان – البوصلة

قالت الخبيرة التربوية بشرى عربيات في حلقة جديدة من سلسلة تصريحاتها التربوية لـ “البوصلة“، بعنوان (أينَ يتَّجِهُ التَّوجيهي؟): في بداية كل فصل دراسي، نسمع ونقرأُ عبارة ” يتوجَّهُ الطلبة إلى مدارسهم، وكذلك الحال عند بدء امتحان الثانوية العامة، إذا أردنا تحليل كلمة ( يتوجَّهُ ) نرى أنها فعل مضارع يرتبط بالضرورة بعملية التوجيه، إذ لا بدَّ من وجود مُوَجّهين ولا بدَّ من وجود وُجهةٍ يتوجَّهُ إليها أبناؤنا الطَّلبة، لكن موضوع اليوم مختلف نوعاً ما إذ أننا سوف نناقشُ أين يتجهُ التَّوجيهي؟ إنَّ كلمة “يتجه” تعني تغيير الاتجاه بمعنى تغيير المسار، فالفرقُ كبيرٌ وشاسع! 

وأضافت عربيات بالقول: منذ سنواتٍ ليست بالبعيدة، كانت شهادة الثانوية العامة تعتبرُ شهادةً مميزةً بكل المقاييس والمعايير،على مستوى العالم وليس فقط في الأردن، حتى بدأَت بعضُ الشَّوائب بالظهور في هذه المرحلة وما سبقها بالتأكيد، ذلك لأنَّ المُقَدِّمات الصَّحيحة تؤدِّي إلى نتائجَ صحيحة، فعندما يتم تعكير صفو المياه – على سبيل المثال – فإنه يتعكَّر لحظة وجود قليلاً من الشوائب في زاوية من الإناء، وهذا ما حصل للشهادة الثانويَّة العامَّة، وما سبقها من مراحل دراسية من زوايا متعددة!

ولفتت إلى أنَّ تغيير نمط أسئلة الثانوية العامة عملَ وبقوة على تراجع مصداقية علامات ومعدلات الطلبة، حين أصبحت معظم الأسئلة من نمط الإختيار من متعدد، الأمر الذي جعل الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور يستهينوا بهذا الإمتحان، فالمعظم ناجح، والمعدَّلات في ارتفاعٍ ملحوظ، لم يشهد له التاريخُ مثيلاً ، في المقابل لا يستطيع معظم خرِّيجي الثانوية العامة تركيب جملة مفيدة!! حتى إنَّ معظم هؤلاء لديهم أخطاء إملائية كبيرة، ربما ليس السبب التوجيهي فقط، إذ يضافُ إلى ذلك استخدام هؤلاء ما يسمى ” لغة الشات ” أو مزيجاً من اللغة العربية والإنجليزية ” عربيزي “، الأمرُ الذي زاد من مستوى الضعف لديهم، وهنا يكمن السؤال: كيفَ تخرَّجَ هؤلاء؟؟

المستشارة بشرى عربيات: الضعف ينخر العملية التعليمية والمعلمين منذ سنوات

وتابعت الخبيرة التربوية حديثها بالقول: كما أسلفتُ سابقاً أن المشكلة ليست فقط في مرحلة الثاني عشر، فما الذي أوصلَ ضعاف الطلبة إلى تلك المرحلة؟ لا شك أن الضعف ينخرُ في العملية التعليمية والمعلمين منذ سنوات، فنحنُ نعلم أن هناك كثير من المعلمين والمعلمات لا يتقنون القراءة والكتابة – للأسف الشديد طبعاً – وهكذا تمَّ تسريب بعضُ الشَّوائب للعملية التعليمية، الأمرُ الذي انعكسَ بالضرورة على المرحلة الثانوية وبالتالي يكون قد انعكس على مخرجات التعليم العالي.

وتابعت حديثها بالقول: ترفيعٌ تلقائيٌّ يتخلَّلُ المراحل الدراسيَّة حتى تصلَ أعدادٌ لا بأسَ بها إلى الصف الثاني عشر، ليجدوا فرصة نمط الأسئلة الجديد، ليتجاوزوا المرحلة المدرسية دون تعبٍ أو عناء! حتى أن نمط الإختيار من متعدد صارَ نمطاً سائداً في المدارس لجميعِ المراحل الدراسية دون متابعة من الإدارات والجهات المعنيَّة، كيف لا، والمعلم هو المشرف على نفسه داخل كثير من المدارس الخاصَّة، إضافة إلى تعذُّر وصول بعضُ المشرفين إلى جميع المدارس الحكومية بشكلٍ منتظم يعملُ على دعم العملية التعليمية، ناهيك عن وجود ترفيع تلقائي لبعض المعلمين ليصبحوا مشرفين دون وجود مقوِّمات الإشراف لديهم، فكيف يمكن لإخوة ” توأم ” الإشراف على بعض؟ مجرد سؤال!

وأشارت إلى أنّه يضاف لما سبق إختزال المناهج الدراسية في بعض الكتب، وحشوها في بعض المواد، الأمرُ الذي زاد من تعكُّر المياه الصَّافية في بحرِ العلم والتعليم، كيف لا، وقد رَكَنَ الطلبة إلى الآلة الحاسبة، وإلى النجاح عن طريق التجربة والخطأ من خلال أسئلة الإختيار من متعدد، ناهيك عن العلاقات الإنسانية – والتي لا أعتبرها إنسانية – بين بعض المعلمين والطلبة من خلال مواقع التواصل الإفتراضي، الأمرُ الذي زاد عن حدِّه، حتى يُقال أن هذا المعلم جيد، وأنَّ هذه مدرسة مميزة، ولا أعرف لماذا هذا جيد؟ ولماذا المدرسة مميزة؟ إنَّ أصل الحكاية تجميع نقاط للمدرسة والمعلمين كي تظهر على تلك المواقع أنها مميزة!! لكن بالتأكيد هذه المواقع إفتراضية، وكذلك النتائج، فكيف يمكنكم الثقة بتلك النتائج؟

واستدركت بالقول: عودةً إلى المناهج التي أصابها مرضُ الاختزال للمناهج الإنسانية والتي قد تؤدي إلى أجيال لا تتقنُ القراءة والكتابة فحسب، بل إنها لا تعرفُ عن الدِّين والتاريخ إلا قليلاً ! أما بالنسبة للمواد العلمية والرياضيات، فهي مناهج ليست فقط مستوردة – ترجمةً ونسخاً ولصقاً –  بل إنها مليئة بالمفاهيم والأرقام التي لا يكادُ الطالبُ الذَكي أن يستوعبها، ناهيك عن عدم مقدرة كثير من المعلمين والمعلمات – وحتى المشرفين والمشرفات – التعامل مع تلك المفاهيم، مما يؤدي إلى ضعفٍ واضحٍ في مخرجات التعليم، فأينَ يتَّجهُ التَّوجيهي؟

ولفتت إلى القول: إذا قمنا بعقد مقارنة بين مناهجنا والبرامج الدولية، نجدُ فرقاً في اللغة العربية والتي هي أكثر صعوبة للبرامج الأجنبية – علماً بأن معظم هؤلاء الطلبة لا يعرفون اللغة العربية – لكنها كذلك، والأسئلة كثيرة حول هذا، ربما أكتب عنه لاحقاً، بينما وشددت على أننا نشهدُ تراجعاً ملحوظاً في كتب اللغة العربية التي تم اختزالها بشكلٍ ملموس! في المقابل صار هناك تقارباً في المناهج العلمية والرياضيات بشكلٍ متسارع لا يتناسب مع مقدرة الطلبة والمعلمين على استيعاب ما يحدث، لكن تسلسل المفاهيم للبرامج الأجنبية أكثر وضوحاً في الخطط الدراسية والكتب المقررة – إذ ليس بالضرورة وجود كتب بين أيديهم – ويتم إعتماد الخطة الدراسية فقط، وهنا قد تحدث فوضى – أو بمعنى أدق إساءة أمانة – حيث أن بعض معلمي البرامج الأجنبية ينتقون المواضيع البسيطة ويتناسون المواضيع الأكثر صعوبة، والحديث يطول!

وختمت الخبيرة التربوية، حديثها لـ “البوصلة” بإثارة تساؤل بالغ الأهمية: بما أننا على أبواب امتحان الثانوية العامة، الذي كان مؤرِّقاً للطلبة وأولياء الأمور والتربويين، يبقى السؤال الكبير: إلى أين يتَّجِهُ التَّوجيهي؟

(البوصلة)

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: