اتهامات بالتطبيع.. حملة شعواء لعرقلة مشروع أنبوب النفط العراقي إلى الأردن

اتهامات بالتطبيع.. حملة شعواء لعرقلة مشروع أنبوب النفط العراقي إلى الأردن

 تتصاعد هذه الأيام في العراق، حملة شعواء تقودها قوى سياسية متنفذة، ضد مشروع أنبوب البصرة-العقبة، وسط ادعاءات واتهامات بانه يلحق أضرارا بالعراق، وانه يخدم الاحتلال الإسرائيلي، ويشكل غطاء للتطبيع معها، ووسط شكوك حول توقيت الحملة وغاياتها.

وقد تباينت المواقف إزاء مشروع أنبوب البصرة-العقبة ، من قبل قوى سياسية واقتصاديين، بين الترويج للمشروع وفوائده للعراق والأردن ومصر، وبين معارضة تنفيذه، لأسباب سياسية، مع ملاحظة ان جميع المعترضين على المشروع هم من التحالف الشيعي.

وردا على حملة الانتقادات، عقدت وزارة النفط العراقية، مؤتمرا صحافيا في بغداد، لتوضيح الموقف الحكومي من المشروع والرد على بعض الادعاءات والاتهامات التي اثيرت ضده، معلنة أن أي اتفاق لم يقر بعد وأن المشروع سيرحّل إلى الحكومة المقبلة.
وأوضحت الوزارة «إن ما تم إقراره في مجلس الوزراء هو استراتيجية وخريطة طريق لتنفيذ المشروع، ولم يتم إحالته أو توقيع عقد مع أي جهة، والدراسة بهذا الشأن تستغرق بعض الوقت، وسيتم ترحيله للحكومة المقبلة للبت فيه».
وأشارت الوزارة انه كان مقررا سابقا، تنفيذ مقطع المشروع من حديثة إلى العقبة بأسلوب الاستثمار، وان ما تم إقراره في مجلس الوزراء بتاريخ 5 نيسان/ابريل 2022 هو اعتماد المشروع بالكامل بأسلوب التمويل من البصرة إلى العقبة، وبكلفة تخمينية لا تزيد عن 8.5 مليارات لجميع تفاصيل المشروع.
كما أعلنت الوزارة ان المشروع يهدف إلى تعزيز حركة النفط الخام عبر الأنابيب، وانسيابيته في رفد وتزويد منظومة التصدير الشمالية ومصافي الوسط والشمال بالنفط الخام، فضلاً عن تلبية احتياجات محطات توليد الطاقة الكهربائية.

بدايات المشروع

ويعد المشروع إحدى محاولات تنويع منافذ تصدير نفط العراق الخام، وعدم الاعتماد على منفذ وحيد عبر الخليج العربي، لما يحمله من مخاطر وخاصة بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980. ولذا قام العراق بتنفيذ أنبوب النفط عبر السعودية على البحر الأحمر، وأنبوب آخر عبر تركيا، كما بحث مد أنبوب نفط عبر الأردن ايضا لتحقيق هدف تأمين الانسياب الآمن للنفط العراقي إضافة إلى تعزيز العلاقات من الدول التي يتم التصدير من خلالها.
وكانت بداية المشروع في عام 1983 عندما اتفق العراق والأردن على مد أنبوب يصل من البصرة إلى العقبة، إلا ان تنفيذ المشروع تعطل بسبب التطورات اللاحقة في المنطقة، منها إطالة أمد الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988) ثم حرب الكويت وفرض الحصار على العراق عام 1991.

وقد اعيد إحياء المشروع في 2012 عندما زار رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، الأردن وبحث مجددا مشروع أنبوب البصرة-العقبة، حيث اتفق الجانبان على إعادة إحيائه مع منح الأردن أولوية التزود بالنفط الخام العراقي. واعلن المالكي وقتها من عمّان: «تم الاتفاق على مد أنبوب نفط عراقي عبر الأردن إلى ميناء العقبة لتصدير النفط العراقي وسد حاجات الأردن من النفط الخام» مشيرا إلى أن «مد الأنبوب سينهي عملية نقل النفط الخام العراقي إلى الأردن بالشاحنات والصهاريج». كما ذكر أن «وزارتي النفط العراقية والطاقة الأردنية انتهتا من عملية تصميم الأنبوب حيث ستتكفل وزارة النفط العراقية بمده في الأراضي العراقية وجزء منه سيكون للاستثمار لشركات أخرى داخل الأراضي الأردنية». وفي 2014 أبلغ العراق الأردن رسمياً موافقته على تنفيذ المشروع.

وتكررت موافقات الحكومات العراقية على المشروع خلال فترة حكومتي حيدر العبادي وعادل عبد المهدي، أما في عام 2021 فقد أكد رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي مضي العراق في المشروع، وأن المحادثات والمفاوضات في شأنه بلغت مراحلها النهائية، وتم إقرارها في اجتماعات ثلاثية بين رؤساء العراق والأردن ومصر التي انضمت للمشروع لاحقا.
والمخطط لمشروع نقل النفط الخام المستخرج من حقول البصرة في جنوب العراق إلى ميناء العقبة في جنوب الأردن، ان يتم مد أنبوب لمسافة 1700 كلم، وبتكلفة تقديرية للخط حددت بـ 8.5 مليارات دولار، بطاقة تصديرية تصل إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً، حسب إعلان وزارة النفط العراقية، فيما قدّرت بعض الدراسات أن العراق يمكنه أن يجني 18 مليار دولار أرباحاً سنوية من المشروع، مع مرونة في منافذ التصدير.

الاعتراضات على المشروع

وفي موقف متناقض كانت القوى الشيعية هي الجهة الوحيدة المعارضة للمشروع، رغم ان إعادة إحياء المشروع تم طرحه من قبل جميع رؤساء الحكومات السابقة بعد 2003 وهم جميعا من الكتلة الشيعية. ولذا ربط المراقبون حملة الاعتراضات واقتصارها على القوى الشيعية بانها تلتقي مع موقف حليفهم الإيراني الذي لا يرتاح لانفتاح العراق اقتصاديا وسياسيا مع محيطه العربي، إضافة إلى تعارض المشروع مع أجندات طهران في المنطقة وصراعها الحالي مع الولايات المتحدة.

وكان موقف رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الناقد للمشروع، هو الأبرز والأكثر إثارة لعلامات استفهام، رغم أنه كان شخصياً وراء إعادة طرح المشروع في عهده عام 2012. وقال المالكي في تغريدة له: «إن قرار الحكومة وهي حكومة تسيير أعمال ناقصة الصلاحية دستورياً في عقد مدّ أنبوب البصرة-العقبة النفطي يمثل تجاوزاً على الدستور، ويعد مخالفة قانونية صريحة تستدعي من المحكمة الاتحادية إيقافه وإيقاف كل القرارات والقوانين التي تصدر عن هذه الحكومة. نحن مع تعدد منافذ تصدير موارد الطاقة إلى دول العالم لكن شريطة أن لا يتضمن هدراً بالمال العام أو يتحمل أضراره المواطن العراقي. لذا نطالب الحكومة بالتريث وعدم المضي في تنفيذ المشروع وترك الأمر للحكومة المقبلة كما نوصي بضرورة التوازن في تصدير النفط وأن لا يقتصر أغلبه على الجنوب أولاً، وثانياً نطالب بتبديد شبهة أن النفط العراقي سيصل العقبة ومنها إلى الكيان الصهيوني».

وضمن الإطار ذاته، ادعى القيادي في ميليشيا العصائب سالم العبادي، أن مشروع أنبوب نفط البصرة-العقبة يُراد منه إيصال النفط العراقي إلى إسرائيل، فيما دعا إلى محاكمة الكاظمي، لأن حكومته تستغل غياب البرلمان لعقد «صفقات مشبوهة» حسب قوله. وقال العبادي في تصريح، أن «ما قام به الكاظمي قبل فترة في عملية عقد لقاءاته في الأردن ومن قبلها في مصر كانت عملية تمهيد لمد هذا الأنبوب الذي يراد منه إيصال النفط العراقي، ونفط البصرة تحديدا بشكل رسمي ومشرعن إلى الكيان الإسرائيلي والمستفيد الآخر منه هو الأردن». وأضاف «نحن نعتقد جازمين ان ملف مد أنبوب البصرة العقبة هو ملف سياسي بامتياز تقف وراءه الصفقات المشبوهة التي تعقدها حكومة الكاظمي وفي ظل الغياب التام للدور الرقابي للبرلمان العراقي ومتابعة لهذه الملفات المشبوهة». فيما أطلق تجمع «اتحاد علماء المسلمين» المقرب من إيران، على المشروع اسم «مشروع الشام الجديد» لسرقة النفط العراقي. وقال رئيس التجمع جبار المعموري إن «نقل النفط الخام من حقول البصرة جنوب العراق إلى ميناء العقبة الأردني هو جزء من مشروع الشام الجديد الذي أعدته مخابرات الموساد الإسرائيلي لسرقة النفط بالتنسيق مع دول عربية وأخرى إقليمية» مدعيا ان «المشروع يحمل أجندة خطيرة جدا وان الاتحاد سيدعو إلى تظاهرات شعبية في كل المحافظات لرفض المشروع». وزعم ان «المشروع ليس له أي جدوى اقتصادية ويمثل استنزافا لثروة وطنية».
أما النائبة الشيعية حنان الفتلاوي، فقد أقامت دعوى أمام المحكمة الاتحادية ضد أنبوب العقبة، على أساس ان حكومة الكاظمي هي حكومة تصريف أعمال ولا يجوز لها عقد اتفاقيات بمبالغ كبيرة، مشيرة إلى قيام مجلس الوزراء، في 5/4/2022 بمنح وزير النفط صلاحية عقد اتفاق مع شركات عالمية لتنفيذ مشروع مد أنبوب لنقل النفط العراقي إلى ميناء العقبة الأردني بمبلغ نحو 9 مليار دولار.
وضمن الحملة الرافضة للمشروع دعا بعض المعترضين إلى استثمار أنبوب نقل النفط العراقي عبر السعودية نحو البحر الأحمر، كونه جاهزا ولا يحتاج إلى تكاليف كبيرة لإعادة تشغيله ويؤدي نفس الغرض.
ويتضح من حملة رفض مشروع الأنبوب العراقي إلى الأردن، ان هناك إرادة سياسية لعرقلة المشروع كونه يتعارض مع أجندات قوى محلية وإقليمية، رغم ان جميع رؤساء الوزارات الذين روجوا له، هم من الكتلة الشيعية، إلا انه يبدو ان توقيت معارضة المشروع في هذه المرحلة يرتبط بتطورات الصراع الإقليمي والدولي في المنطقة، وبالتالي فإن امكانية تنفيذه تبقى معلقة بانتظار تطورات الأوضاع في المنطقة مستقبلا.

الفدس العربي

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: