جميل أبو بكر
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on telegram
Telegram

رابط مختصر للمادة:

الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية (7): الحرية والعدل

جميل أبو بكر
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

 إعداد وعرض: جميل أبو بكر

2- الحرية إمكان ومسؤولية

الحرية في الاسلام هي جوهر انسانية الانسان، رغم ان مصطلح”الحرية” –بالمعنى المتداول اليوم– لم يتردد كثيرا في النصوص الشرعية، فإن غياب المصطلح لا يعني غياب المفهوم.

وقد احسن عبد الله العروي إذ لاحظ ان “التجربة الاسلامية في مجال الحرية أغنى بكثير مما يوحي القاموس العربي الذي سجل استعمال الفقهاء والمتأدبين”.

والمهم هنا هو الحرية بمعناها المعياري في الوحي الاسلامي، وفي المرحلة النبوية التأسيسية. فأول مظاهر الحرية في الوحي الاسلامي أنها مناط المسؤولية والتكليف الشرعي، ومنبع إمكانية الانسان.

والاسلام كما كل الاديان السماوية كما عبرالعلامة عبد الله دراز “يقف الى جانب الامل والإمكان والحرية والاختيار في مبدأ الاشياء”؛ فالدين يُعلِّم الانسان المسؤولية، والمسؤولية تستلزم الحرية.

والإلزام الأخلاقي الذي جاءت به الاديان التوحيدية لا يمكن ان يكون قهريًّا؛ لأنه بذلك يفقد صفته الأخلاقية -حسب العلامة دراز- إذ لا يوصف العمل بالأخلاقي إلا إذا كان لدى الانسان الخيار في فعله وتركه.

أما في موضوع الرِّق، فان الوحي –بعيدًا عن ملابسات التاريخ– قد جعل خيارين اثنين في التعامل مع اسرى الحرب: (فإما مَنًّا بعدُ وإما فداءً)، والمعلوم أن اساس الاسترقاق هو الحرب.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا: “.. ولما كنا مخيرين فيهم بين إطلاقهم بغير مقابل، والفداء بهم، جاز ان يعد هذا أصلًا شرعيًّا لإبطال استئناف الاسترقاق في الاسلام”. وهناك تفاصيل كثيرة في الشرع الاسلامي في التعامل مع الرق، وتأكيد الحرية، ويبقى الوحي هو الحجة على التاريخ وليس العكس.

وتتجلى الحرية في اغلب أمهات القيم السياسية الاسلامية؛ فبعض الحريات الفردية مندرجة ضمن مبدأ التكريم الإلهي، والاستخلاف في الارض. وبعض الحريات العامة متضمنة في مبادئ العدل والشورى، ومنع الإكراه في الدين، وغيرها من قيم سياسية منصوصة.

ومن منظور معياري إسلامي يبدو لنا أن لا فرد بمعناه الكامل دون حرية، ولا مجتمع -بمعناه الحق– دون عدل. وأن المثال السياسي الذي يمكن استخلاصه من الوحي الاسلامي ومن تاريخ فجر الاسلام فيه شيء من دولة الحد الادنى من السلطة، لكنه نموذج تَهُمه العدالة قبل أي شيء آخر.

كما أنه نموذج يعتمد فكرة الدولة المحدودة، والإدارة السياسية السمحة الطليقة التي تتجنب التدخل في حياة الناس الفردية والجماعية إلا لضرورات الخير العام، لكن الاسلام لا يقبل تخلي السلطة السياسية عن مسؤولياتها الاجتماعية، بل يُلزمها برعاية العجزة، ومَن لا راعي لهم من الضعفاء؛ تحقيقًا للأخوة الاسلامية والانسانية؛ وتطبيقًا لمبدأ التضامن الاجتماعي امتثالًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا او ضياعًا فإلي وعليَّ”.

3- العدل في الحكم والقَسْـم

العدل هو جذر القيم الاسلامية والنبع الذي يتفرع منه ما سواه من قيم ومبادئ. وقد عبرت النصوص الاسلامية عن هذا المبدأ أحيانًا بتعبيرات: “القيام بالقسط” و”القيام بالحق”. ولهذه التعبيرات دلالة خاصة تتعلق بالجهد البشري الايجابي لتحقيق هذه الفكرة على الارض؛ فـ”القيام بالقسط” و”القيام بالحق” يحمل معنى الحركة والفعل، بينما “العدل” مفهوم ساكن مجرد.

وقد جعل الله تعالى القيام بالقسط غاية كل الرسل والرسالات: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط).

وألزم المؤمنين بالقيام بالحق: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ..).

وما جاء به الاسلام من جعل العدل جذر كل القيم، خصوصًا القيم السياسية، منسجم مع ما أدركته خيرة العقول السياسية منذ القدم. فقد جعل الفيلسوف اليوناني سقراط محور تفكيره في مسألة “الدولة” البحث في “كيفية نشوء العدل والظلم السياسيين”.

وعندما سئل: أين يضع العدل في سلم قيم الخير؟ أجاب سقراط بأنه يضع العدل في “الطبقة الأعلى بين تلك الخيرات”.

والعدل في الإسلام مبدأ مطلق شامل للعدو والصديق: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ان لا تعدلوا)، وللمسلم وغير المسلم: (وأُمِرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا اعمالنا ولكم اعمالكم”.

يقول ابن تيمية: “ان العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال. والظلم محرم مطلقًا لا يباح قط بحال”.

ويقول: “.. وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه اشتراك في انواع الاثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وان لم تشترك في اثم؛ ولهذا قيل: ان الله يقيم الدولة العادلة وان كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وان كانت مسلمة”.

وينقل الماوردي عن بعض الحكماء: “الأدب أدبان: أدب شريعة، وأدب سياسة. فأدب الشريعة ما أدى الفرض، وأدب السياسة ما عَمَر الارض. وكلاهما يرجع الى العدل الذي به سلامة السلطان وعمارة البلدان؛ لأن من ترك الفرض فقد ظلم نفسه، ومن خرب الارض فقد ظلم غيره”.

ما ينبغي التركيز عليه هنا هو العدل السياسي، المعبر عنه في الشريعة الاسلامية: “العدل في الحكم والقَسْم”.

ويتفرع من العدل السياسي العدل في التقاضي باعتبار القضاء مرتبطًا بوجود سلطة سياسية قادرة على إلزام بأحكامها.

وقد ورد في العدل السياسي قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل”.

واعتبر ابن تيمية أداء الامانة والحكم بالعدل الواردين في الاية هما: “جماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة”.

وكان من وصية عمر رضي الله عنه للصحابة قبل موته: “إني قد تركت فيكم ثنتين لن تبرحوا بخير ما لزمتموهما: العدل في الحكم، والعدل في القَسْم”.

(البوصلة)

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *