د. منذر الحوارات
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on telegram
Telegram

رابط مختصر للمادة:

السلام الذي سيصنع حرباً

د. منذر الحوارات
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

ربما لم يتفاجأ الكثير من المراقبين للخطوة الاماراتية تجاه دولة الاحتلال وصدور البيان الثلاثي الامريكي الامارتي الإسرائيلي، فقد إستبقت هذه الخطوة بمسيرة طويلة بدأت تظهر ملامحها منذ العام ٢٠١٥ وربما قبل ذلك، لكن الملفت حقيقةً هو جعل القضية الفلسطينية وحلها محور هذه الخطوة، علماً ان البيان اقتصر على ايقاف عملية الضم وحينما تحدث عن السلام كان ذلك في اطار خطة ترامب التي رفضها الفلسطينيون سابقاً، فهل كان ايجاد حل لقضية الفلسطينيين هو غاية هذا التقارب ام وراء النص المعلن اهداف اخرى لم تتكشف بعد ؟

حتى يتسنى الاجابة على هذا التساؤل لابد من تفكيك محتويات البيان وقراءتها بعيداً عن اي موقف مسبق، ولنبدأ من الفقرة الثانية والتي تتحدث عن التحديات المشتركة بين الدول الثلاثة فهل هي واحدة بالنسبة للدول الثلاثة ؟ وهل موقف كل طرف سيتناغم مع خطوات الاطراف الاخرى ؟ ولنحصر هذه التحديات في منطقة الشرق الاوسط حتى لا يتوسع المجال كثيراً، فما هي الاخطار التي تهدد دولة الامارات العربية ؟ يمكن حصرها بخطرين اثنين رئيسيين اولهما ايران التي تحتل الجزر الاماراتية الثلاثة وتهدد امن الخليج ومستقبل الاستقرار فيه ، وتتبنى خطة عسكرة تصل لحدود بناء قوة نووية، والخطر الثاني الذي حددته ابو ظبي منذ سنوات الربيع العربي ويتمثل بتيار الاسلام السياسي وواجهته الرئيسية الاخوان المسلمين، لقناعتها بأن هذا التنظيم هو الخطر الرئيسي الذي يهدد النظام الرسمي العربي في المدى الحالي والبعيد لما يمتلكه من حضور تنظيمي قوي وجماهيري واضح، لكنه وجد داعماً ومسانداً له في تركيا وحزب العدالة والتنمية ذو التوجه الاسلامي، ومن هنا تحولت انقرة بموقفها هذا الى واحد من الاخطار التي تراها ماثلة امامها، ولديها القناعة الراسخة ان تركيا تسعى جادة لإعادة نفوذها الامبراطوري من خلال العثمانية الجديدة وتستثمر بذلك التنظيمات الاسلامية ومنها الاخوان المسلمين ليكونوا ادوات في هذا المشروع ، وقيادة العالم الاسلامي السني والهيمنة على ساحته الجيوسياسية هدف استراتيجي لتركيا وهذا بالنسبة للإمارات لا يتفق مع رغبتها المتنامية للقيام بدور قيادي في المنطقة لذلك هي تحدد تركيا بذاتها كخطر على مصالحها، اما القضية الفلسطينية فليس لدى الامارات تماس مباشر معها إلا من خلال موقفها في الجامعة العربية، وهي ليست خطراً يهدد الامارات بقدر ما تنظر اليه الولايات المتحدة وإسرائيل .

لنقف عند المشتركات بين كل خطر من هذه الاخطار بالنسبة للأطراف الثلاثة ، بالنسبة لإيران وهي الخطر الرئيسي بالنسبة لها وهذا واقعي، وجميع العرب يتفهمون ذلك ويقفون الى جانبها في حدود التنديد والشجب ولكن هل الولايات المتحدة وإسرائيل ينظران اليه كما تريد او تطمح الامارات، بالنسبة للولايات المتحدة ايران واحدة من محور الشر وتنظر اليها بشكل متخم بالريبة والشك وقاعدة هذا الموقف، احتلال السفارة الامريكية حينما ابتدأت الثورة هناك وهذا يشكل اكبر امتهان لأمة عظمى مثل الولايات المتحدة، وأستمر التنمر الايراني على الولايات المتحدة بمحاولة نشر الثورة وزعزعة استقرار حلفاء الولايات المتحدة، فهي اجهضت جهد الولايات المتحدة في العراق وهيمنت عليه وطورت برنامج نووي وصل حتى اعتاب امتلاك قنبلة نووية، ونشرت ايران ميليشياتها في طول المنطقة وعرضها، كل ذلك ولم يدفع الولايات المتحدة لتغيير خياراتها تجاه ايران، وخيارها الوحيد كان دفع ايران الى طاولة المفاوضات، حتى حينما دخلت والاطراف الموقعة على اتفاقية اطار العمل المشترك زمن اوباما كان ذلك تنازل وإمتهان امريكي لتاريخ من الاخفاقات الامريكية في ايران وحتى حينما غضبت امريكا زمن دونالد ترامب كان جُل ما فعلته الانسحاب من الاتفاق وبدء سلسلة من العقوبات التي تمرست عليها إيران وتعلمت وطورت طرقاً عديدة للالتفاف عليها، ورغم كل تلك السنوات لا تزال ايران تمتلك ترسانة من الاسلحة وجيوشاً من المليشيات، ودوّل مُهيمن عليها، وتحولت بالنسبة للولايات المتحدة من خطر يهدد مصالحها الى بقرة حلوب تُدر عليها الاموال الخليجية، لشراء الاسلحة والحماية من هذا الخطر فأثمرت قواعد عسكرية وتجييش للمنطقة، بدا واضحاً كذب الولايات المتحدة تجاه حرصها على امن الخليج حينما قامت ايران بضرب مصافي ارامكو في المملكة العربية السعودية اذا بدا الرد باهتاً بلا قيمة في ردع ايران وإيقافها عن تمردها على المنطقة، ألا يشير كل ذلك ان الولايات المتحدة ليس في وارد الدفاع عن احد حتى لو دخلت معه في حلف استراتيجي، الا يشير ذلك الى ان الخطر الايراني ليس مشتركاً بنفس المستوى بين الولايات المتحدة والامارات ؟

اما المشترك بين الخطر الايراني لإسرائيل والامارات، فعلى مدى تاريخ العلاقة المتوترة بين طهران وتل ابيب لم تكن ثمة مواجهة مباشرة بينهما وكانت دوماً من وراء حجاب، وإيران حافظت على مستوى من التوتير بينها وبين اسرائيل الى مستوى لا يصل ابداً الى حد الاعتراك المباشر فالوسطاء جاهزون لتولي المهمة، وألتزم الجميع بخطوط اسموها حدود اللعبة والتي كانت دوماً تدار بخطوط ساخنة تضمن أن لا تنزلق الامور، وفي اطار هذه الخطوط والوكلاء استخدمت اسرائيل ايران كبعبع تجيش من خلاله المجتمعات الغربية والولايات المتحدة لجلب دعم بلا حدود، بالأسلحة الفائقة التطور والمال والدعم السياسي، وحتى الخطر الاساسي الذي ترى اسرائيل بأنه يهدد وجودها وهو البرنامج النووي الايراني فهي مطلعة على ادق تفاصيله من خلال عملية تجسس مكنتها من تحديد مكامن الخطر في هذا البرنامج ما سيمكنها من التعامل معه بمنتهى الدقة، اذاً هل تشترك اسرائيل والامارات في هذا الخطر بنفس المستوى بحيث تدخل اسرائيل في صراع عسكري لمصلحتها ؟

اما الخطر المشترك الثاني وهو التيار الاسلامي وتركيا الحالمة بمشروع إمبراطوري جديد، فهل يقع بنفس المنزلة لدى الاطراف الثلاثة؟ بالنسبة للولايات المتحدة تركيا دولة استراتيجية فهي عضو في الناتو وشريك مهم في قضايا عديدة في سوريا، في الحرب على الارهاب، ومن الممكن ان تختلف معها في قضايا عديدة لكن الملاحظ ان الولايات المتحدة تفصل الملفات في علاقتها معها فهي قد تختلف معها هنا وتتفق معها هناك، فهي بالنسبة لها الان البعبع الذي تطلقه في وجه التنمر الاوروبي حيالها وهي لذلك تطلق يدها في البحر الابيض المتوسط وتتغاضى عن الكثير من سلوكيات انقرة المستفزة للعديد من الدول، اما دعمها لجماعة الاخوان المسلمين والتيارات الاسلامية فلم يتكون لدى الولايات المتحدة موقف معادي لهذا التيار الذي تسميه بالمعتدل وبالتالي لا تتفق في نظرتها هذه مع ابو ظبي، الامر الذي يجعل هذا الخطر ليس مشتركاً بين الطرفين الامريكي والاماراتي، اما بالنسبة لإسرائيل فتركيا شريك اقتصادي واستراتيجي وإن بدت اللهجة غير ذلك فتركيا دولة كبيرة ولإسرائيل مصلحة في بقاء العلاقات معها في حدود اللا عداء او بنسبة الفتور المقبول، اما موقف اسرائيل من التيار الاسلامي فلا يتجاوز الموقف من حماس، وهذه العلاقة منضبطة بحدود لعبة دقيقة بين الطرفين تضمنها مصر وقطر مع اختلاف المصالح، اذاً فهذا الخطر لا يمكن اعتباره مشتركاً بين الاطراف الثلاثة.

بالعودة الى نصوص البيان ففي فقرتين متلاصقتين تم الحديث عن اجندة استراتيجية للشرق الاوسط لتوسيع التعاون الدبلوماسي والتجاري والامني، اذاً تجاوز البيان حدود مصالح الدول الثالثة ليتحدث عن فضاء جيوسياسي واسع يشمل المنطقة برمتها ماذا يعني ذلك؟، تحالف اقتصادي او سوق مفتوحة، ام تحالف امني؟ والواضح انه لن يشمل فقط الدول الثلاثة فمن سيشمل ؟ وما هي عقيدته ؟ ومحدداتها في ظل ما ذكرناه سابقاً، ومعلوماً ان عقيدة الرئيس الامريكي باراك اوباما ما زالت مهيمنة على السلوك الامريكي وهي الانسحاب من البؤر الساخنة في المنطقة وتركها لوكلاء محليين يقومون بالأعباء التي حملتها خلال العقود السابقة، أهو ناتو جديد بإدارة امريكية من الخلف ؟ يبدو ان هذه الفكرة هي الاكثر ترجيحاً، ويبدو ان إسرائيل هي وكيل الولايات المتحدة هنا ودوّل المنطقة هي الادوات، أليس هذا الطرح كارثياً، لأنه سينقل مباشرة الهيمنة على منطقة الخليج من ايران والسعودية الى اسرائيل وتصبح هاتين الدولتين مجرد ادوات في مشروع اسرائيلي امريكي للهيمنة، هل تقبل السعودية بذلك ومصر طبعاً سيتحول دورها لحدود واحد من الادوات في هذا المشروع، بدون شك القبول بهكذا مشروع هو انتحار جيوبوليتيكي لن يتم قبوله من قبل السعودية او مصر وربما يدفع ايران لتقصير المسافة بينها وبين السعودية لحل خلافاتهما للابتعاد عن خطر التهميش وهذا. مرهون بالمنطق الذي ستفكر فيه هذه الاطراف .

وبالعودة الى البيان والفقرة قبل الاخيرة (وسيواصل الطرفان جهودهما للتوصل الى حل عادل وشامل ودائم للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وبحسب خطة السلام ، ويجوز لجميع المسلمين ان يأتوا لزيارة المسجد الاقصى والصلاة فيه الى اخر الفقرة )، ألا تعتبر هذه الفقرة اعترافاً بصفقة القرن التي رفضها الفلسطينيون وهي نفسها التي تتضمن خطة الضم؟، وهل اقتصر حق المسلمين في المسجد الاقصى والاماكن الدينية الاخرى على الصلاة فقط ؟، الا يساوي ذلك اعترافاً بسيادة اسرائيل على القدس بأماكنها المقدسة وحاراتها القديمة؟، أليست القدس هذه عاصمة الدولة الفلسطينية التي اقرتها القوانين الدولية، والمبادرات العربية؟، وهذي الفقرة تنسف فقرة سابقة بإيقاف الضم بموجب هذا البيان لأن هذا النص جعل الوصول الى حلّ يستند فقط الى خطة ترامب وهي التي تلغي حق الفلسطينيين في السيطرة على ما وعدوا به عقود طويلة، هل يكفي ان اسرائيل متعنته يجعلنا هذا ننصاع لرغباتها ؟

لقد كان الفضاء العربي ذخراً استراتيجياً للفلسطينيين وإن لم يخض حرباً فقد كانت مجرد مقاطعته لهذا الكيان تجعله يستمر في كونه غريباً ومرفوضاً وهذا بحد ذاته مهم، وإسرائيل بهذا البيان استطاعت ان تخترق هذا الجدار وهذا مكسب كبير لها، ويبدوا ان الاتصالات السرية السابقة بين اسرائيل وبعض الدول العربية وتحت سقفها اعطت اسرائيل مكاسب اخرى كنقل السفارة الامريكية الى القدس وقطع الدعم عن الاونروا، وها هي تتجهز لتصبح الطرف المهيمن على الفضاء الامني والاستراتيجي لمنطقة الخليج العربي وربما المنطقة العربية، وهي بنفس الوقت ستجد هناك سوقاً متمرساً على الاستهلاك بأعلى درجات الرفاهية، وهي في كل ذلك لم تدفع شيئاً لا على صعيد الحقوق الفلسطينية ولا على صعيد الالتزامات المالية والعسكرية، اما الولايات المتحدة فتكسب الكثير المال المتأتي عن الصفقات، استمرار هيمنتها على المنطقة بواسطة الوكلاء وهي لن تحارب مع احد ولا من اجل احد، اما الإمارتين او اي طرف خليجي آخر فجميع مكاسبهم مؤجلة، فالخطر الاستراتيجي الايراني سيبقى قائماً ولن تطلق اي طلقة من قبل إسرائيل او الولايات المتحدة على ايران لمصلحة الامارات، او اي دولةاخرى ،اما الاخوان المسلمين فأعتقد ان الولايات المتحدة لن تفتح جبهةً معهم لاعتقادها انهم ذخر استراتيجي تلوح به كبعبع في وجه الجميع، اما تركيا فستبقى هكذا دون تدخل امريكي الى ان يتعارض ما تقوم به مع المصالح الامريكية والاتراك يعلمون جيداً حدود تلك المصالح ويقفون عند تلك الحدود، اما خط انابيب النفط من الخليج الى ميناء حيفا او البحر المتوسط فسينقل الخطر على النفط من ايران الى اسرائيل ولكن هنا يكفي اسرائيل ان تغلق الصنبور فقط ولا تحتاج إلا الى ذلك لتجعل الجميع يترنحون ويستجدون تل ابيب، اما ال اف ٣٥ والتي يُرهن قبولها بموافقة اسرائيل فتحتاج لسنوات حتى تتم على ارض الواقع وأي ادارة امريكية قادمة تستطيع ايقاف الصفقة بدون حتى إبداء الاسباب.

يبدو الامر عجيباً بموجب هذا المعطيات لقد قبض الجميع ارباحهم سلفاً باستثناء الامارات التي بقيت ارباحها في حكم الموعود، بل وعليها ان تقدم المزيد لدرجة انها تجاوزت حسابها الى حساب الاخرين الاشقاء، فالفلسطينيين خسروا هنا، نعم خسروا الامارات واي دولة خليجية اخرى ودعمها الذي لم ينقطع يوماً، الاردن خسر فتجاوز ولايته على الاماكن المقدسة يعتبر مساً وانتهاكاً لدوره، فهل تم اعطاء حق الاخ والشقيق لابن العم لإرضائه ولماذا؟ وما المكسب؟ فهل السلام هو الغاية،ألم تكفي تجارب ثلاثة سابقة أنه لا سلام حقيقي بدون اعطاء الفلسطينيين حقوقهم ؟ الاماراتيون اذكياء لقد حولوا الصحراء الى جنة يحج اليها كل عشاق الحياة والرفاهية، وبدون شك انهم يفكرون بعقلية مختلفة، مكنتهم من النجاح في كل خطواتهم السابقة ، لكن الاكيد رغم كل ذلك ان السلام لأجل السلام لن يصنع السلام بل سيعطي اسرائيل دفعةً جديدة من الحيوية لتحقيق مشاريعها في المنطقة ولكن هذه المرة من بوابة الصديق الموهوم لا من بوابة العدو الحقيقي ، لكن الخشية الحقيقية هي ان تكون هذه الخطوة هي المقدمة الاولى لحرب قادمة بين العرب في خليج العرب وإيران توهم فيها الولايات المتحدة وإسرائيل الطرف العربي بأنهما شريكان لهم ليبدأوا الخطوة الاولى ومن ثم يجلسان على مقاعد المتفرجين بينما العرب والايرانيون يستنزفون دمائهم وأموالهم ومستقبل اجيالهم ثمناً لصراع صفري لا نتائج ترتجى منه.

(البوصلة)

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *